القفز من المركب في الانتخابات الأميركية

القفز من المركب في الانتخابات الأميركية

استمع إلى المقال دقيقة

لعل ظاهرة القفز من المَركب- وهو مصطلح شرق أوسطي بامتياز- قد بدأ في الظهور في الساحة الأميركية، حيث يتنامي الشعور بالغضب من انزياح مشروع حركة (MAGA) الذي رفعه الرئيس دونالد ترمب في انتخاباته السالفة، عن مضمونه وغاياته، ليتحول من جعل أميركا عظيمة إلى جعل إسرائيل عظيمة، مما ألهب مشاعر كثير من أنصار هذا المشروع وعلى رأسهم الإعلامي تاكر كالرسون وغيره، الذين هاجموا الرئيس ترمب بحدة، لكونه قد بات يعمل لصالح إسرائيل ولتحقيق أهداف وغايات إسرائيل وليس الولايات المتحدة.

هذا الأمر أدركه نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الذي استوعب بأن البقاء في ظل الرؤية الترمبية إزاء إسرائيل سيؤذي مستقبله السياسي، مستوعبا بأن جماعات الضغط اليهودية لن يكون لها دور مركزي في إيصال المرشح الموالي لها للرئاسة مستقبلا، في ظل تنامي إدراك كثير من الجمهوريين والشارع الأميركي بعمومه، بعبء الدعم غير المشروط لكل ما تقوم به الحكومة الإسرائيلية وتأثيره السلبي على الناخبين الشباب، وبالتالي فحين تتضارب مصالح إسرائيل مع مصالح الشارع الأميركي التقليدي، فلن يكون بإمكان جماعات الضغط اليهودية أن تستمر بقوتها المعهودة، لاسيما وأن نغمة الانزعاج والرفض إزاء تلك الجماعات قد بدأت تزداد في إطار المجتمع الأميركي التقليدي، وهو ما يجعل جيه دي فانس يؤمن بأفضلية أن يبني قاعدة جمهورية أقل ارتباطا باللوبيات التقليدية وأكثر تركيزا على شعار "أميركا أولا".

هكذا وكما يظهر نظر فانس للأمر، حيث بادر إلى الانتقال من دعم إسرائيل بصورة شبه مطلقة إلى موقف أكثر استقلالا عنها، فإنه يقوم على وضع المصلحة الأميركية أولا، مع الإشارة إلى أنه وقبل وصوله لمنصب نائب الرئيس كان مؤيدا قويا لإسرائيل، إذ قال في 2024 إن لإسرائيل حق الدفاع الكلي عن نفسها وعليها إنهاء حرب غزة بسرعة، منتقدا إدارة بايدن لكونها كانت تقيّد العمليات العسكرية الإسرائيلية.

على أن موقفه بدأ في التبدل تدريجيا لينتقل من المؤيد المطلق لمختلف القرارات الإسرائيلية إلى المتحفظ أو غير المؤيد لها بذات الدرجة والقوة، ووضح ذلك في 2025 مع معارضته لعدد من السياسات الإسرائيلية، خصوصا حول مسألة ضم الضفة الغربية، إذ وعندما صوّت الكنيست باتجاه فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات، وصف فانس الأمر بأنه استعراض سياسي غبي جدا.

وفي يونيو/حزيران 2026 حدث التحول الأهم خلال الخلاف حول الاتفاق الأميركي مع إيران، حيث وجّه رسالة شديدة اللهجة إلى المسؤولين الإسرائيليين الذين عارضوا وانتقدوا الاتفاق بشراسة، موضحا لهم بحزم أن الرئيس ترمب هو الحليف القوي الوحيد الذي بقي لإسرائيل، وأن على إسرائيل أن لا تدخل في مواجهة مع الإدارة الأميركية، ووصل به الحال مؤخرا ليتحدث عن إسرائيل باعتبارها حليفا استراتيجيا مهماً، لكن ليس لها أي حق في تحديد السياسة الخارجية الأميركية.

كما أكد على موقفه من إسرائيل في حديثه لمقدم البودكاست المحافظ جو روجان في 15 يوليو/تموز 2026، حيث اتهم بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير في آراء الأميركيين لإطالة أمد الحرب مع إيران، مشيرا إلى أن أشخاصا داخل الحكومة الإسرائيلية يتلاعبون ويحاولون تغيير الرأي العام الأميركي لإبقاء الحرب مستمرة إلى أجل غير مسمى.

التحوّل في السياق المجتمعي الأميركي يفسر موقف فانس السياسي من إسرائيل، بإدراكه أن ثباته على مبدأ "أميركا أولا" هو الحصان الرابح مستقبلا، وأنّ التصلّب في وجه إسرائيل بات الأمر الأكثر ربحيّة سياسيا في الوقت الحالي

كل ذلك وغيره قد ساهم في تزايد عدد المعارضين لإسرائيل ضمن الشارع الأميركي، حيث تراجع تأييد الجمهوريين لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشكل كثيف، وتراجعت ثقة فئة الشباب دون سنّ الثلاثين في قرارات ترمب تجاه إسرائيل، في حين وبحسب مركز بيو للأبحاث بلغت النظرة السلبية لإسرائيل لدى الجمهوريين من دون سن الخمسين قرابة 57 في المئة.

هذا التحوّل في السياق المجتمعي الأميركي يفسر موقف فانس السياسي من إسرائيل، بإدراكه أن ثباته على مبدأ "أميركا أولا" هو الحصان الرابح مستقبلا، وأنّ التصلّب في وجه إسرائيل بات الأمر الأكثر ربحيّة سياسيا في الوقت الحالي؛ وكأنه هنا يستعيد علاقته بحركة (MAGA) باعتباره أحد أبرز المرشحين لوراثة الحركة بعد دونالد ترمب، ودعمه لأقوى جناح سياسي فيها وهم المؤيدون لأن تكون أميركا أولا، أي أن يتم النظر للمصالح الأميركية ابتداء في أي قرار دولي مستقبلا يتم تبنيه أو دعمه، وهذا يعني الابتعاد عن إسرائيل بنسبة محددة في ظل مختلف القرارات المتعلقة بالشرق الأوسط مستقبلا. مع التأكيد على أن نائب الرئيس الأميركي لا يتحرك نحو إضعاف التحالف مع إسرائيل، وإنما يستهدف إعادة تعريفه وفق أولويات الإدارة الأميركية من وجهة نظره، وهو الحفاظ على مصلحة الولايات المتحدة ابتداءً.

font change