يبدو أننا نقضي جزءا كبيرا من يومنا في عملية مفاضلة صامتة لا تكاد تتوقف: لذة حاضرة أم لذة أكبر؟ ألم حاضر أم ألم أخف؟ وبين هذين السؤالين تتحرك مساحة واسعة من سلوكنا اليومي، من أبسط حركات الجسد إلى بعض القرارات التي نظنها عقلانية تماما. اللذة والألم يحاصراننا بعمق.
يكفي أن يراقب الإنسان نفسه ساعة واحدة ليرى مقدار حضور هذه الثنائية في حياته. يتكئ على مرفقه الأيسر، وبعد دقائق يبدأ ضغط خفيف لا يكاد يسمى ألما، فينتقل من غير تفكير وبشكل آلي إلى المرفق الآخر. يغير وضع ساقيه، يعدل الوسادة، يخفض درجة المكيف، يشرب الماء، يحك موضعا في جلده، يخلع حذاء بدأ يضايقه. وفي معظم هذه الأفعال لا نعقد موازنة واعية، ولا نحتاج إلى تأمل عقلي، ولا نتخذ قرارا بالمعنى المعروف للكلمة. الجسد يلتقط الاختلال، ثم يتحرك لتصحيحه.
واللافت أننا لا ننتظر حتى يصبح الانزعاج ألما حقيقيا. فما إن يبدأ الضغط أو الحرارة أو العطش أو التعب حتى يظهر الميل الآلي إلى التخلص منه. ولهذا ينبغي توسيع معنى اللذة قليلا. فاللذة ليست دائما نشوة أو متعة قوية، بل قد تكون مجرد عودة الجسد من الاختلال إلى الراحة.
وحركتنا لا تجري فقط من الألم إلى الراحة. نحن ننتقل أيضا من لذة إلى أخرى نتوقع أن تكون أقوى منها. قد يكون المرء مستمتعا بطعام يحبه، ثم يرى على شاشة هاتفه اسم شخص يتصل به وكان ينتظر مكالمته، فيترك الطعام فورا. لم تختف لذة الطعام، وإنما ظهرت أمامها لذة متوقعة رجحت عليها. وقد يشاهد فيلما ممتعا ثم يوقفه لقراءة خبر يهمه، أو يقطع حديثا مسليا لكي يتابع نتيجة مباراة كان ينتظرها. وكأن هناك موازنة سريعة تجري في الخلفية بين لذة قائمة ولذة محتملة.
وحتى التوقع وحده يكفي أحيانا لتحريكنا. فالرسالة لم تصل بعد، والمكالمة لم تبدأ، والخبر لم نقرأه، ومع ذلك يكفي احتمال اللذة لكي يقطع الإنسان لذة موجودة بالفعل. ومن هنا نفهم شيئا من تعلقنا بالهاتف، ومن تفقد الرسائل والإشعارات، ومن ذلك الانتقال المستمر بين الأشياء. نحن لا نبحث دائما عن اللذة نفسها، بل نتحرك كثيرا وراء وعدها.
ويحدث العكس عندما يقتحم الألم لحظة ممتعة. قد يتناول الإنسان طعامه في هدوء، ثم يبدأ صداع أو ألم في أحد أسنانه، فتتراجع لذة الطعام فورا إلى المرتبة الثانية. وربما ترك طبقه ليبحث عن مسكن. هنا لم يختر ألما بدلا من لذة، وإنما فضل احتمال إزالة ألم مزعج على استمرار متعة لم تعد قادرة على احتلال وعيه.
هكذا لا يكون الحساب دائما بين اللذة والألم في اللحظة الراهنة، بل بين درجاتهما عبر الزمن
والإنسان مستعد كذلك لتحمل ألم صغير اتقاء لألم أكبر. وخزة الإبرة مثال واضح، وكذلك ألم علاج الأسنان، ومرارة الدواء، ومشقة العلاج الطبيعي، وحتى ألم العملية الجراحية. وفي الحياة اليومية نفسها نقبل أشياء مزعجة لأنها تعدنا براحة لاحقة. فننهض من السرير مع أننا نرغب في البقاء، ونتحمل الحر أو الزحام للوصول إلى مكان نريده، ونمارس الرياضة مع ما فيها من تعب لأننا نطلب نتيجة لاحقة. وهكذا لا يكون الحساب دائما بين اللذة والألم في اللحظة الراهنة، بل بين درجاتهما عبر الزمن.
ومن الطريف أن هذه الموازنة لا تتوقف تماما حتى أثناء النوم. فالإنسان يتقلب في فراشه ويغير موضع رأسه، من غير أن يستيقظ استيقاظا كاملا. وكأن الجسد يواصل مراقبة حدوده الخاصة، ويبحث عن الوضع الأقل إزعاجا حتى حين يكون الوعي غائبا إلى حد بعيد.
وهناك أمر آخر يزيد الصورة وضوحا. اللذة لا تحتفظ بالقوة نفسها. أول لقمة من طعام نحبه ليست كاللقمة العاشرة، والجلوس بعد ساعات من الوقوف ليس كالجلوس بعد ساعات من الراحة. ولهذا نبدل مصادر المتعة. ننتقل من الطعام إلى القهوة، ومن القهوة إلى الحديث، ومن الحديث إلى الهاتف، ثم ربما إلى المشي. ليس لأن اللذة الأولى تحولت بالضرورة إلى ألم، بل لأن أثرها خفت، بينما ظهر احتمال جديد أكثر إثارة، وقد نتحرك بلا اتجاه علنا نصادف ما يحرك الإثارة.
قد يبدو أن كل هذا يقود إلى أن الإنسان كائن حسي محض، وأن حياته يمكن اختزالها إلى مطاردة اللذة والهرب من الألم. لكن الأمر ليس كذلك بالمطلق. فلو كان الأمر كذلك لما تحمل الإنسان آلاما باهظة من أجل غاية لا تمنحه شيئا فوريا. الأب يتحمل من أجل أبنائه، والباحث يصبر سنوات من أجل معرفة قد لا تجلب له راحة، وصاحب المبدأ قد يختار الطريق الأصعب لأنه يراه أصوب، والمؤمن يستطيع أن يحرم نفسه من لذة حاضرة استجابة لمعنى يتجاوز اللحظة.
هنا تظهر حدود الحس. فاللذة والألم يملكان سلطة واسعة، لكنهما لا يملكان السيادة المطلقة. يستطيع الإنسان أن يرى لذة قريبة ثم يتركها لأن هناك قيمة يراها أعلى منها. وربما كان في هذه القدرة شيء من خصوصية الإنسان، أنه لا ينفي جسده ولا يتحرر منه، لكنه يستطيع أحيانا أن لا يطيعه.
قيمة اللذة والألم أنهما يذكران الإنسان بأنه كائن من لحم وأعصاب، أما المعنى فيذكره بأنه ليس ذلك فقط
وهكذا يبدو الإنسان واقفا دائما بين مستويين. في المستوى الأول جسد شديد الحساسية يدفعه في كل لحظة تقريبا نحو الراحة وبعيدا عن الألم. وفي المستوى الثاني عقل وروح ومعنى تستطيع أن تعيد ترتيب هذه المطالب، فتقبل بعض الألم، وتؤجل بعض اللذة، بل وقد ترفضها تماما من أجل شيء لا يمكن قياسه بالحس. ولعل قيمة اللذة والألم أنهما يذكران الإنسان بأنه كائن من لحم وأعصاب، أما المعنى فيذكره بأنه ليس ذلك فقط.