أثار حفل أصالة نصري في دمشق نقاشا في داخل سوريا، كأنما كانت محاولة لإعادة النقاش الذي دار حول لحظة عودة فيروز إلى وسط بيروت بعد الحرب في منتصف تسعينات القرن الماضي. ولا داعي بالطبع لتكرار مقولة ماركس عن التاريخ حين يكرر نفسه، إلا أن من الضروري التذكير أن الصراع حول حفلة فيروز لم يكن تحت شعارات تحليل الغناء أو تحريمه أو هوية بيروت بين الانغلاق والانفتاح، بل حول المشروع الاقتصادي والسياسي والثقافي المطروح آنذاك على فيروز وعلى بيروت والذي عرف باسم إعادة إعمار بيروت، وحول منطلقاته وعلاقته بذاكرة الحرب وطيها على قيح لم يلبث أن سمم حياة اللبنانيين حتى الساعة.
لكن حفل أصالة نصري، وأبعد من الصراع على هوية دمشق وعلاقتها بالدين وصيغه وتأويلاته، أثار أيضا نقاشا خارج سوريا، وبالتحديد في مصر حيث أصدرت جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية بيانا حول أغنية "على روض الحبيب فتنا"، التي غنتها أصالة نصري باعتبارها جزءا من تراث مدينة اللاذقية على الساحل السوري. وهذه الجمعية، ومعها كثير من المتابعين، يرون في الأغنية نسخة من لحن "زوروني كل سنة مرة" المنسوب إلى سيد درويش. وأضاف بيان الجمعية، على ما نقلت الصحف، أن صك ملكية هذا اللحن لسيد درويش ثابت بدليل أن فيروز والرحابنة قدموه منسوبا إلى الشيخ سيد منذ منتصف الخمسينات. بينما تناقلت أخبار أخرى أن ورثة الشيخ سيد ينوون رفع دعوة قضائية بهذا الصدد. وأحيت هذه المسألة بالتالي نزاعا هوياتيا بين الشوام والمصريين، لا فقط على ملكية لحن محدد، بل على سيد درويش نفسه وأثر زيارتيه إلى الشام على تكوينه الموسيقي وبالتالي على أعماله وحصة الشام منها.
"فوق النخل" و"يمه مويل الهوى"
يتجاهل هذا النقاش بالطبع نزاعا آخر على ملكية اللحن نفسه، بين المصريين والعراقيين حيث ينسبه الأخيرون إلى ملا عثمان الموصلي ويتحججون بتسجيل من منتصف عشرينات القرن الماضي منسوب إلى ملا عبد الفتاح معروف الموصلي باللحن نفسه ولكن بكلمات مغايرة: "زر قبر الحبيب مرة"!
وهذا النوع من النزاعات الهوياتية المتشددة على نسبة ألحان مشهورة منتشر جدا، ومن أبرز نماذجه بالطبع لحن "اسكدار" أو "يا بنات اسكندرية" أو "يا عذولي لا تلمني" أو "لغة العرب اذكرينا". وهي جملة موسيقية تشيع في نحو عشرين بلدا من البلقان وبلغاريا وتركيا إلى مصر والعراق والشام.
