سمير يوسف لـ"المجلة": في عالم الشاشات تتراجع احتمالات الجمال

موت الغابة يعني موت الإنسان

Samir Youssef
Samir Youssef

سمير يوسف لـ"المجلة": في عالم الشاشات تتراجع احتمالات الجمال

في روايته "غابة"، يضع الكاتب اللبناني سمير يوسف القارئ أمام حكاية تتجاوز حدود المكان لتلامس أسئلة الإنسان في علاقته بالطبيعة والاغتراب والجمال، وفي مواجهته لعالم تتسارع فيه التكنولوجيا والاستهلاك ومنطق السوق.

في هذا الحوار، يتحدث يوسف عن تجربة كتابة "غابة"، عن اللغة والشخصيات، وعن النوفيلا، وتأثير الصحافة والسينما في تجربته، كما يتوقف عند واقع الرواية اللبنانية والعربية، ودور الجوائز والأدب في زمن السرعة.

جاءت روايتك "غابة" في صيغة النوفيلا، وهي صيغة تحتاج إلى اقتصاد شديد في السرد. ما الذي جذبك إلى هذا الشكل الروائي؟

أقتصد في السرد، لكني في الواقع لم أكن مهتما لصيغة الكتاب النهائية خلال عملية الكتابة. كانت هناك قصة في رأسي وأردت تدوينها. بعد موافقة الدار على نشر العمل اقترحت المحررة رنا حايك عليّ صيغة النوفيلا فوافقت. من جهة أولى، رنا لديها ثقتي الكاملة، من جهة ثانية فكرت أن هناك نصوصا عالمية قصيرة عظيمة. في الحقيقة أجد التركيز على مسألة الصيغ مبالغا فيه بعض الشيء، وأرغب في قول شيء بديهي: حجم النص ليس أساسيا، وهو ينتهي عندما ينجح في قول ما كتب ليقوله.

تدور أحداث الرواية في قرية فرنسية صغيرة. كيف تشكل هذا المكان في مخيلتك، ولماذا وجدته الأنسب لاحتضان أسئلة الرواية؟

أنا مهاجر منذ 17 عاما وصودف أن مسألة الانتماء عندي ذابت مع الوقت. أنا في واقع الأمر لا أنتمي... إن اختياري شخصيات فرنسية في الرواية ينبع بداية من واقعي ومن رغبتي في السرد عن "الآخر" لقارئ العربية، لأني عرفت هذا "الآخر" ولأني في الوقت نفسه متمسك بالكتابة بالعربية. أجد في هذا إثراء للعربية، أن تكون هي اللغة الراوية والمركزية ولو حكت عن الآخرين. هناك في الواقع عملية نقل صحافي إلى حد ما حدثت في "غابة"، رغم أننا في عالم الروايات والأدب. أعتمد على تجربة الغربة الواسعة: عشت في الريف وهذه ليست وجهة المهاجرين عادة، أتقنت الفرنسية، أحببت وتزوجت من امرأة فرنسية، وأحلم أحيانا بالفرنسية، هناك فرنسيون وبلجيكيون بين أصدقائي المقربين.

نمط الحياة المعاصر يفوق قدرتنا من نواح عدة، وهو لا ينتج إلا الاستعجال والقبح والآلام

 لست لبنانيا فقط ولست فرنسيا فقط، سافرت وتغيرت، وتعرفت الى ذلك "الآخر" الذي أرويه في هذا العمل، وللأعمال القادمة اختيارات أخرى. أما بالنسبة للأسئلة التي تطرحها "غابة"، فهل كانت ممكنة لو اخترت لبنان مسرحا للأحداث؟ حتما، ومن دون فقدان أي من أهميتها. لكن حتما أيضا كانت ستكون هناك اختلافات في الشكل وفي مسار الأحداث. مثلا عندما أفكر في لبنان، أفكر في شح الماء مباشرة.

نمط الحياة المعاصر

يبدو الصراع في الرواية أعمق من مواجهة بين مشروع استثماري وقرية هادئة، هل كانت هذه الفكرة حاضرة منذ البداية أم تبلورت خلال الكتابة؟

الفكرة كانت حاضرة منذ البداية لأن المواجهة أخوضها كل يوم: هل أنظر في الموبايل الآن أو أذهب للمشي؟ أعتقد أن نظرتي إلى وسائل التواصل الاجتماعي (التي أشبهها بالأدغال) هي التي دفعتني في هذا الاتجاه. هناك القرية الهادئة التي ترمز إلى الحياة المسالمة، والاستثمار الذي يرمز إلى العالم الاقتصادي (الرقمي) والاستهلاك والصراخ والحروب. أنا حساس جدا تجاه موضوع الجمال، ولذا خصصت له مساحة مهمة في العمل، ففي عالم ينتج بطريقة أسرع، في عالم حيث يحدق الجميع في الشاشات، تتراجع احتمالات إنتاج الجمال أو مشاهدته، وتموت الدهشة. نمط الحياة المعاصر يفوق قدرتنا من نواح عدة، وهو لا ينتج إلا الاستعجال والقبح والآلام.

غلاف "غابة"

توماس شخصية تعيش صراعا داخليا حادا بين الحنين والغضب. كيف بنيت هذه الشخصية، وإلى أي مدى تحمل شيئا من رؤيتك للعالم؟

كان على توماس أن ينجز تسوية مع العالم والحياة ليعيش مرتاحا، كان عليه كرئيس بلدية ميتسا أن "يبيعها" كما يقال بالعامية اللبنانية (التي تبطن مصطلحات فاسدة)، تماما كما يفعل كل واحد بيننا أحيانا ليتفادى المشاكل. لكن هناك بين الناس من هو قادر على إنجاز هذه التسويات وإن شابها الفساد، وهناك من هم مثل توماس، تسيرهم رغباتهم وراء أشياء ثمينة كالجمال، فتصعب عليهم هذه التسويات أكثر. لم يكن توماس في سعيه عقلانيا، لم يكن براغماتيا، كان فقط مدفوعا بغضب على النظام الاقتصادي المسرطن، وبحنين إلى عالم مضخم بعض الشيء في رأسه. لكن توماس، ككاتب شخصيته، مقتنع بأن هذا العالم القديم يواجه خطر الموت، وهو يستحق أن ندافع عنه. ليس لأن القضية نبيلة فقط، بل لأن موت الغابة يعني موت الجمال وربما الإنسان.

الصحافة تنقل والأدب يروي

أنت صحافي وروائي في الوقت نفسه. كيف تؤثر الصحافة في كتابتك الروائية، وأين تحاول أن تترك مسافة بين المجالين؟

حين قرأت عبارة لماركيز "الصحافة نوع أدبي". لم أقتنع بها تماما لكنها علقت في ذهني. الصحافة ليست أدبا مع أنها قد تحمل هذا الوجه أحيانا. في المقابل أرى أنها علمتني كيف أنقل بموضوعية نزاعا ما، حتى ولو كان ضمن رواية، وكيف أبرر تموضع الشخصيات المشاركة فيه خلال الكتابة. الصحافة تنقل والأدب يروي، الاثنان لا يستنتجان بالضرورة، لكن الأدب يقبل المخاطرة أكثر وهو قادر على التلميح إلى استنتاجات قد تكون النقيضين: عظيمة أو رهيبة وقاتمة.

يظهر في النص نقد واضح لمنطق السوق وهيمنة الاستثمار على تفاصيل الحياة. هل ترى أن الرواية لا تزال قادرة على مساءلة هذا الواقع والتأثير في الوعي؟

عندما أكتب هناك دائما أولوية في رأسي: متعة القارئ، الفرد. صحيح أني مؤمن بأن عمق المشكلة التي أتحدث عنها في "غابة" اقتصادي، وأن المجتمعات ليست في حاجة في الواقع إلى هذا الاستهلاك الضخم لتعيش سعيدة، غير أن هدفي الأول يبقى المتعة، لا المساءلة. مقتنع بقوة الكتب، لكني في الوقت نفسه لا أحبذ تحميل الرواية أكثر من إمكاناتها.

أؤمن بالتأثير على مستوى الفرد، أما الجماعة، فكثيرا ما تكون دون وعي

 الكتاب في كل الأحوال لديه حياة أخرى بعدي... بعض القراء كتبوا لي قائلين إنهم تبنوا موقف توماس وأحبوه، وبعضهم الآخر شكرني لأني قلت بوضوح ما أرادوا قوله من دون أن يجدوا السبيل إلى ذلك. الآن، هل الرواية قادرة على التأثير في الوعي؟ أؤمن بالتأثير على مستوى الفرد، أما الجماعة، فكثيرا ما تكون دون وعي.

الكتابة تمرين وعمل

تعتمد لغة تجمع بين البساطة والتكثيف، وبين الحس الشعري والإيقاع السردي. كيف تتعامل مع اللغة حتى تصل إلى هذا التوازن؟

الموهبة جيدة لكنها لا تعني الكثير بالنسبة لي، فالكتابة تمرين وعمل. أعتقد أني بعد نحو عشرين عاما من التمارين وجدت نبرتي المكتوبة إلى حد ما، وهي، إذا لم أكن مخطئا، تشبهني. غنية ولكنها في حاجة إلى توازن دقيق جدا كي لا تنكسر.

غلاف "حروق الثلج"

صدرت روايتك الأولى، "حروق الثلج"، عام 2016، ثم استغرق وصولك إلى الرواية الثانية "غابة" سنوات عدة. ماذا حدث خلال هذه المسافة الزمنية؟

الرواية الأولى كانت بمثابة تجربة أولى وكتبتها تحت إشراف الكاتب اللبناني الكبير جبور الدويهي. لم أكن في الحقيقة راضيا بشكل تام عن النتيجة النهائية، ولكني كشاب قليل الخبرة لم أملك الجرأة وقتئذ لأن أقول للدويهي إن النص لم يقنعني، فهو في الواقع وجده جيدا وأثنى على أسلوبي.

لم يقرأ كثيرون الرواية بعد نشرها، وكتب عنها مرات قليلة جدا في الصحافة وكانت المقالات إلى حد ما سلبية. أثر ذلك بي كثيرا وأعتقد أنه سبب لي إحباطا. مع ذلك لم أبتعد عن الكتابة بشكل نهائي لكني توجهت إلى الفرنسية: عملت على نصوص مسرحية في بلجيكا، وفي السينما أخرجت "بروكسيل-بيروت" في 2019. لا بد أيضا من القول إني خلال كل ذلك الوقت كنت أعمل في الصحافة، وهو عمل يستهلك الكاتب. 

 Christina ASSI / AFP
الروائي اللبناني جبور الدويهي يتحدث إلى وكالة فرانس برس من منزله في إهدن شمال لبنان، 29 مايو 2020

حين تقارن اليوم بين "حروق الثلج" و"غابة"، ماذا تغير في أسلوبك؟

أعتقد أن التغيير الأكبر حصل على الصعيد الفردي: اليوم صرت مجهزا بما يكفي لتحمل مسؤولية كل كلمة أكتبها أو كل موضوع أطرحه. الأسلوب يتطور حتما، وهناك فارق في النضوج لناحية تطويع النص وتكثيفه ولناحية الرغبة في التجريب، هذه خبرة يكتسبها من يعمل بجدية في الكتابة. لكن "حروق الثلج" كان فيها أيضا شابة فرنسية، وعائلة تحب الفنون والجمال، ولا أرى انقلابا في "غابة" عليها. هناك تتابع وامتداد لكنه محدود. الامتداد أيضا يتمثل بالجرأة، بالمخاطرة ومحاولة الكلام عما لم نعتد عليه في الأدب العربي شكلا ومضمونا.

تشهد الرواية اللبنانية اليوم حضورا لافتا على المستويين العربي والعالمي، رغم الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان. كيف تنظر إلى واقع الرواية اللبنانية اليوم؟

النموذج الروائي اللبناني رغم علله الكثيرة، أعطى فرصة أكبر للفكر والتعبير والتجريب مقارنة بالمحيط. لكني على الصعيد الشخصي صرت خارج هذا النموذج بفعل الهجرة وبسبب شعوري بعدم الانتماء، بسبب رغبتي في الحرية والسفر. أرى الأدب عالميا، مع أن كثيرين قد لا يوافقون على المصطلح.

جائزتي الأولى هي نجاحي في كتابة ما يدور في رأسي

 أتفادى بشكل عام الالتزام والمناطقية والمسائل الهوياتية، والمواضيع التي اخترتها وأرغب في العمل عليها تخص الإنسان حيثما كان... أرغب في القول إن هناك المعدن، والبقية مجرد طلاء.

كيف ترى المشهد الروائي العربي اليوم؟

ربما تكون الرواية العربية حققت إنجازات معينة، يبقى أن القارئ ينقصنا. ذاك أنه عندما نصبح قراء، سنكون صرنا تلقائيا في مكان آخر وحتما أفضل. أعتقد أن الدول العربية لديها ما يكفي من الموارد والمبدعين والمنظمين والمواد لتمكين الكتاب ودعمهم وجعلهم يشعرون بأن الكتابة مهنة ممكنة.

أصبحت الجوائز الأدبية عنصرا مؤثرا في المشهد الثقافي العربي، سواء في انتشار الأعمال أو في توجيه اهتمام القراء ودور النشر. كيف تنظر إلى دور هذه الجوائز؟

جائزتي الأولى كفرد هي نجاحي في كتابة ما يدور في رأسي، وما أشعر به، فهذه المهمة، لأكون منصفا، مضنية في أحيان كثيرة رغم كل المتعة فيها.

font change