في سياق تأريخه للبنان، قدم فيليب حتي (توفي1987) تأريخ الدولة العثمانية من منظور عالمي، واضعا الصعود العثماني ضمن التحولات الكبرى التي ضربت حوض المتوسط عند منصرم القرن الخامس عشر الميلادي، إذ رأى أن تلك الحقبة شهدت "انقلاباً جذرياً في التجارة الدولية وتغيراً في الطرق التجارية الرئيسة"، وما كاد القرن السادس عشر يبدأ حتى شهد العالم "انقلاباً سياسياً في توازن القوى الدولية الرئيسة" بحسب فيليب حتي الذي لم يقف عند الزمن العالمي الذي شهد آنذاك حركة الكشوف الجغرافية، وتحولات طرق التجارة فقط، بل ربط بين حدث عبور المستكشف البرتغالي بارتولوميو دياز رأس العواصف/رأس الرجاء الصالح سنة 1497، وبين وصول كريستوفر كولومبوس إلى العالم الجديد غرباً، ثم وصول فرديناند ماجلان سنة 1520م، إلى جزر الفلبين شرقاً.
هذه أحداث عالمية غيّرت وجه التاريخ، ورسمت تحولات عميقة في العالم، لكن سبقها دخول السلطان محمد الثاني (1451-1481)، مدينة القسطنطينية فاتحاً، لتتوالى وتزامن الالتفات العثماني شرقاً، مع صعود الدولة الصفوية التي قامت بجهود الشاه إسماعيل الصفوي (1500-1524)، ولم يمض وقت طويل حتى التقى جيشاهما في معركة جالديران شمالي بحيرة أرومية في شهر أغسطس/آب عام 1514م وبعد عامين استمر التقدم العثماني شرقاً ضد الدولة المملوكية في معركة مرج دابق الفاصلة في 24 أغسطس 1516، ليستمر التقدم العثماني عبر سوريا إلى مصر وينتهي الوجود المملوكي في الربدانية في 22 يناير/كانون الثاني 1517، وينتهي آخر سلاطين المماليك طومان باي مشنوقاً على أحد أبواب القاهرة في 14 أبريل/نيسان 1517، ويُخطب باسم السلطان سليم العثماني ويدعى له: "انصر اللهم السلطان ابن السلطان ملك البرين والبحرين، وكاسر الجيشين وسلطان العراقيين وخادم الحرمين الشريفين الملك المظفر سليم شاه...".
بهذا المدخل الطويل للزمن العثماني في البلاد العربية عموماً، ولبنان بوجه خاص، قدم فيليب حتي التاريخ العثماني الذي شهد وجود قوى وزعامات محلية بعضها وقف إلى جانب المماليك كآل بحتر، وآخرين انتحوا جانباً ووقفوا موقف المتفرج مثل بني معن أمراء الشوف لا بل ذهبت وفود من أمراء لبنان إلى دمشق لمقابلة السلطان سليم ومنهم فخر الدين المعني وجمال الدين التنوخي من الغرب، وعسّاف التركماني من كسروان، ولما دخلوا عليه قبّلَ فخر الدين الأرض أمام السلطان ودعا له بالقول: "اللهم أدم دوام من اخترته لملكك، وجعلته خليفة عهدك، وسلطته على عبادك وأرضك، وقلدته سنتك وفرضك، ناصر الشريعة النيرة الغراء وقائد الأمة الطاهر، الظاهرة، سيّدنا وولي نعمتنا أمير المؤمنين الإمام العادل، والذكي الفاضل الذي بيده أزمّة الأمر بادشاه أدام الله بقاءه وفي العز الدائم أبقاه وخلّد في الدنيا مجده ونعماه ...".
الصورة التي قدمها فليب حتي عن العثمانيين، تظهرهم دولة الشريعة الغراء، وسلاطينها أئمة العدل، وخلفاء الله في الأرض الواجب طاعتهم، ونتيجة لهذا الاستقبال اللبناني من قبل أمراء لبنان أقرهم السلطان سليم على امتيازاتهم وسلطاتهم، وأغدق عليهم بالألقاب والإقطاعات وسمح لهم بامتيازاتهم وفرض عليهم جزية طفيفة.
هذه الوضعية الجديدة، دفعت بظهور الأمير فخر الدين المعني كسلطان للبر، مكرساً وجوده وهيبته على مسرح السياسة اللبنانية، فكانت تلك اللحظة فاتحة عصر ذهبي للأمراء المعنيين وبداية أفول لسلطة الأمراء البحتريين ذوي الأصول التنوخية من الحزب القيسي في مقابل الحزب اليمني، حيث استمر الصراع بينهما في حيز آخر هو الفرع اليزبكي (القيسي) والجنبلاطي اليمني حتى اليوم.
يصف حتي الحكم العثماني في لبنان بأنه كان "أقل مباشرة مما كان عليه في سوريا"، وهذا الوصف كان بسبب أنّ السلطة العثمانية في لبنان حافظت على التقسيمات الإدارية التي أنشأها المماليك وجرى إدخال تعديلات عثمانية "طفيفة عليها"، أما الشعوب التي رضخت للحكم العثماني فيرى حتي أنها عوملت من الأتراك "كالقطيع" وكان عليهم أن يتصرفوا تصرفات ترضاها الدولة، ولم يكن لهذه الشعوب المغلوبة، وجلّهم من الزراع والصنّاع والتجار، إلا أن يتطلعوا إلى مراكز عسكرية أو مدنية، وبعضهم يؤخذون للخدمة العسكرية وبجهد الأتراك في تتريكهم ويلحق قسماً منهم في الغرف العسكرية، ولكن الأرستقراطية العثمانية الحاكمة ظلت حقاً للإمبراطورية.
تابع حتي وصفه لنظام الامتيازات الأجنبية وامتداد السلطنة في أوج قوتها ونظمها في عهد السلطان سليمان الأول (1520-1566)، صاحب الحكم الطويل والسلطة الطائلة، لكن هذه السلطة سوف تبدأ بالتراجع والضعف بعد عام 1683، لكن تاريخ الجبل اللبناني وأمراءه من آل عساف وسيف وسلطة فخر الدين الثاني أمير أمراء لبنان الكبير جعلت فخر الدين يحاول السعي إلى استقلال متدرج عن السلطنة ليرسم وجودا مغايرا للبنان في زمن ضعف المركز العثماني.
تاريخ لبنان وولادته ككيان مستقل نوعا ما، بدأ في زمن الصراع بين القوى المحلية التي أخذت في الصمود طيلة القرن الثامن عشر
أقام الأمير فخر الدين الثاني سلطته على دعائم ثلاث: الأمن، والازدهار الاقتصادي، والتسامح الديني الذي لا يعترف بالطائفة، وشيد حاميات ونقاط حراسة وقلاعاً، فأدت سياسة التسامح التي اتبعها إلى تنامي الهجرة إلى جبل لبنان، وهو ما جعل السلطة تتنبه إليه وإلى خطره، فبعث السلطان إليه جيشاً في صيف عام 1613م، ورحل الأمير إلى إيطاليا، ثم عاد واعترف به السلطان مراد الرابع على المناطق التي رسخ حكمه بها عام 1623، وفي هذا السياق يبدأ تاريخ لبنان الكبير الذي يرى فيه فيليب حتي أن فخر الدين هو صانع مصيره بعد أن مات خنفاً في شهر أبريل/نيسان 1635، ليبدأ لبنان مرحلة جديدة في زمن الأمراء الشهابيين، الذين بدأت سطوتهم بعد اجتماع وجهاء لبنان في السمقانية (بالقرب من بعقلين) عام 1697 منتخبين الأمير بشير الشهابي حاكماً على لبنان، وفي هذا العهد أحدث الشهابيون ترتيبات إقطاعية جديدة وعززوا أركان لبنان الكبير، وفي هذه الحقبة الشهابية ظهر الأمير ظاهر العمر في فلسطين إلى جانب الأمراء الشهابيين في لبنان، وكذلك آل العظم في دمشق ثم بزغ نجم أحمد باشا الجزار الذي برزت قوته عام 1799 حين أوقفت زحف نابليون بمساعدة الأسطول البريطاني أمام أسوار عكا.
تاريخ لبنان هذا وولادته ككيان مستقل نوعا ما، بدأ في زمن الصراع بين القوى المحلية التي أخذت في الصمود طيلة القرن الثامن عشر، وفي إطار هذا الصراع المحلي كانت السلطنة العثمانية تغيب وتحضر في مناطق النفوذ للأمراء بشكل يتراوح بين المركزية والفوضى والسلطة المباشرة أو عبر الوكلاء. وقد استمر لبنان الكبير في الحضور والغياب إلى أن أعيد بعثه من جديد في زمن الانتداب الفرنسي حين أعلن الجنرال غورو في اليوم الأول من شهر سبتمبر/أيلول سنة 1920 في بيروت "إعادة لبنان الكبير" بهذه العبارة: "أنادي باسم حكومة الجمهورية الفرنسية بدولة لبنان الكبير وأحييه راجياً له المجد والنجاح".