لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت التكنولوجيا قد غيرت طريقة تواصلنا، بل إلى أي مدى أعادت تشكيل معنى العلاقة الإنسانية نفسها. فجزء متزايد من حياتنا الاجتماعية انتقل من اللقاء المباشر إلى الهواتف ومنصات التواصل وتطبيقات المحادثة، وصولا إلى روبوتات الذكاء الاصطناعي. وبينما وفرت هذه الأدوات اتصالا دائما تقريبا، فإنها لم تضمن في الضرورة شعورا أعمق بالقرب والانتماء.
لم يحدث في تاريخ البشر أن تغيرت أنماط التواصل بهذه السرعة وعلى هذا النطاق. خلال سنوات قليلة فقط، انتقل جزء كبير من العلاقات اليومية من اللقاء المباشر إلى الشاشات: رسائل فورية، منصات تواصل، اجتماعات عبر الفيديو، محتوى خوارزمي، ثم أخيرا روبوتات دردشة قادرة على محاكاة الصداقة والاهتمام وحتى العلاقات العاطفية. هذه الثورة وعدت بعالم أكثر اتصالا، لكنها تثير اليوم سؤالا معاكسا: ماذا لو أن بعض أشكال الاتصال الرقمي تجعلنا، في الوقت نفسه، أكثر عزلة؟
هذا هو السؤال المركزي الذي يطرحه عالم الاجتماع فيدار هالدورسون، الأستاذ في جامعة آيسلندا، في كتابه الجديد عن أثر الاستخدام الرقمي للشاشات في اغتراب المجتمعات. ويذهب هالدورسون إلى أن انتقال الحياة الاجتماعية إلى الواجهات الرقمية لا يمثل مجرد تغيير تقني في الوسيلة التي نتواصل بها، بل يمثل تحولا أعمق في طبيعة التفاعل البشري نفسه. فالعلاقة لم تعد دائما بين إنسان وإنسان، وإنما باتت، في أحيان كثيرة، تمر عبر جهاز أو منصة أو خوارزمية تحدد ما نراه وكيف نستجيب له.
القرب الإنساني
لكن المشكلة، وفق هذا الطرح، ليست في غياب الاتصال من حيث العدد. فنحن نرسل رسائل أكثر، ونرى صور أصدقائنا باستمرار، ونتلقى إشعارات طوال اليوم، وقد نعرف أخبار أشخاص يعيشون على الجانب الآخر من العالم في اللحظة نفسها. ومع ذلك، فإن وفرة الاتصال لا تعني في الضرورة وفرة القرب الإنساني. هناك فارق بين أن تعرف ما يفعله شخص ما وأن تجلس أمامه، ترى وجهه، وتسمع صوته، وتلاحظ تردده وصمته وانفعالاته التي لا تختزل بسهولة في كلمات أو رموز.
يقدم علم الأعصاب جزءا من تفسير هذا الفارق. إذ تشير أبحاث تناولت الحوار الطبيعي بين شخصين، إلى أن التفاعل وجها لوجه قد يصاحبه نوع من التزامن بين نشاط دماغيهما، بما في ذلك مناطق ترتبط بالإدراك الاجتماعي وفهم نيات الآخرين، مثل المنطقة الصدغية الجدارية اليمنى. ويشار إلى هذه الظاهرة أحيانا باسم "التزامن الدماغي بين الأشخاص"، أي أن النشاط العصبي لدى طرفي الحوار يبدأ في إظهار أنماط متقاربة أثناء التفاعل.
لكن بعض الدراسات تشير إلى أن هذا التزامن لا يظهر بالمستوى نفسه عندما ينتقل التواصل عبر الشاشة. ولا يعني ذلك أن المحادثة الرقمية بلا قيمة أو أن الدماغ يتوقف عن التواصل، وإنما يشير إلى أن اللقاء المباشر يضع أمام الإنسان مجموعة أكثر ثراء من الإشارات الحسية والاجتماعية في الوقت نفسه. فنحن لا نستمع فقط إلى الكلمات، بل نقرأ الوجه والجسد والمسافة والاتجاه والنظر ونبرة الصوت والإيقاع، وهي منظومة واسعة تساعدنا في فهم الطرف الآخر.


