ترمب يريد النووي... و"الحرس" يريد هرمز

ترمب يريد النووي... و"الحرس" يريد هرمز

استمع إلى المقال دقيقة

يستمر الخلاف بين واشنطن وطهران حول شروط إعادة فتح مضيق هرمز، وتتصاعد بسبب ذلك التوترات العسكرية في المنطقة وتتوسّع نحو ممرات مائية جديدة.

في هذه الأجواء، اقترح الوفد الدبلوماسي الإيراني الذي حضر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، خطة مدتها سبعة أيام لإنهاء الصراع. تتضمّن وقف جميع الأعمال العدائية في منطقة الشرق الأوسط، بما يشمل الجبهة في لبنان بين إسرائيل و"حزب الله" أيضا، وإفراج الولايات المتحدة عن الأصول الإيرانية المجمّدة، ورفع العقوبات النفطية المفروضة على إيران، وإنهاء الحصار البحري على موانئها، على أن تُعيد طهران في اليوم السابع والأخير فتح مضيق هرمز، ثم تنطلق في اليوم التالي مفاوضات شاملة بين الطرفين بشأن البرنامج النووي الإيراني.

لكن ردّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب على المقترح جاء سريعا وحاسما، حيث نقل عنه مساعدوه أن الأعمال العسكرية ضد إيران سوف تُستأنف بعد انتخابات التجديد النصفي التي تنطلق اليوم الأربعاء، فبدا ترمب من ناحية وكأنه لم يعد مهتما بالمقترحات الإيرانية، ومن ناحية أخرى أعلن بطريقة غير مباشرة عن عدم ثقته في تقيّد طهران بالتزاماتها الدبلوماسية حتى في إطار المقترح الذي أعدّه الوفد الإيراني وقدّمه في نيويورك.

وردا على ردّ الرئيس الأميركي، أعلن مسؤولون عسكريون إيرانيون أنهم على أُهبة الاستعداد للتصدي لأي هجوم أميركي محتمل، في حين وجد تنظيم "الحرس الثوري" في كلام ترمب فرصة مواتية لرفع التصعيد، فسارعت قواته البحرية إلى الاستيلاء على غواصة أميركية (غير مأهولة) في مضيق هرمز، ليبرهن مجددا أن لغة الحرب في حساباته ما زالت تتقدّم على صيغ الاتفاقات.

يرى كثيرون أن رفض الرئيس الأميركي السريع للمقترح الإيراني، نابع من قناعة لديه بأن الجهود الأميركية التي بُذلت لتأمين مرور ناقلات نفط عبر مضيق هرمز من دون أن تضطر واشنطن إلى إبرام اتفاق مع طهران، قد نجحت. إضافة إلى اعتقاد سائد لدى الإدارة الأميركية عموما، بأن الحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية؛ الذي ألحق ضررا فادحا باقتصاد إيران، سيُجبر طهران عاجلا أم آجلا على توقيع اتفاق بالشروط التي تناسب واشنطن.

في حين يعكس لجوء "الحرس الثوري" إلى التصعيد الفوري في مياه المضيق، حقيقة أكثر تعقيدا، هي أن التوتر في المنطقة يبدأ من قلب طهران وليس من أطرافها. ففي الوقت الذي يحاول فيه فريق معين الحفاظ على القنوات الدبلوماسية مفتوحة، ويعلن استعداده لإعادة تشغيل مضيق هرمز وفق شروط "عادلة"، يستمر فريق آخر في ملاحقة السفن في المضيق، ويعلن تعزيز قدراته لبدء حرب جديدة طويلة الأمد، عملا بالمقولة التي أطلقها في وقت سابق: "ما دامت إيران عاجزة عن بيع نفطها لن تستطيع أي دولة أخرى استخدام مضيق هرمز بأمان".

يبدو الخلاف على كيفية إعادة فتح مضيق ليس بين واشنطن وطهران بقدر ما هو بين ترمب و"الحرس الثوري"


بهذا يبدو الخلاف على كيفية إعادة فتح مضيق ليس بين واشنطن وطهران بقدر ما هو بين ترمب و"الحرس الثوري"، فالأول يسعى للحصول على تعهّد من طهران بشأن برنامجها النووي كشرط أساسي لحل معضلة هرمز، وقد أعلن في كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أمام قادة العالم، أن الشيء الوحيد الذي يهمه هو "أن لا تمتلك إيران سلاحا نوويا"، بينما يصرّ الثاني على انتزاع اعتراف من واشنطن بأن له اليد العليا في المضيق حفاظا على آخر أوراق القوة التي يمتلكها في المنطقة.

لا شك في أن هذا التوتر انعكس سلبا على مزاج المفاوض الإيراني، وتأثرت به مجريات التفاوض بطبيعة الحال، وزاد من تأرجح القرار الإيراني ما بين الحرب والدبلوماسية، ولم يعد لدى المفاوض الإيراني سوى التعويل على نتائج الانتخابات النصفية، وقد قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي صراحة إن طهران "ليست في عجلة من أمرها"، بما يوحي أنها تنتظر ما سيحمله اليوم التالي للانتخابات.

كان الوفد الدبلوماسي الإيراني في نيويورك قد استخدم أقصى طاقته لانتزاع موافقة أميركية على خطة الأيام السبعة، والتقى عراقجي لأجل هذا الغرض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر على هامش اجتماعات الجمعية العامة، وأصر الوفد برغم العوائق الأميركية والإيرانية على حدّ سواء على إيصال مقترحه إلى خواتيمه السعيدة، وتعامل مع تصريح ترمب باستئناف الأعمال العسكرية بعد الانتخابات النصفية باعتباره شأنا انتخابيا أميركيا، لكن التصعيد السريع في مياه المضيق أنهى الجولة الدبلوماسية قبل أن تصل إلى خط النهاية، وبات لسان حال الوفد الإيراني المفاوض كما قال الشاعر العربي: "أريد حياته ويريد قتلي".

font change