تُجرى انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 من الشهر الحالي، وهي أول انتخابات برلمانية بعد "طوفان الأقصى"، وتتنافس فيها الأحزاب اليمينية الرئيسة، من ائتلاف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذي يضم تحالف اليمين المتطرف بزعامة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إلى أبرز أحزاب المعارضة اليمينية التي تضم غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان.
وبناء على خريطة المشاركين، يبدو أن المنافسة داخل بيت اليمين الإسرائيلي احتدمت فعليا وارتفعت الحدود بين أجنحته الثلاث: التقليدي والقومي والمتطرف، مما كشف عن تحوّل كبير في بنيته: فبعدما كانت أحزابه تجتمع ضمن إطار انتخابي واحد، بات يطالب بعضها بحصة أكبر من النفوذ، مستغلا حاجة نتنياهو إلى الأصوات من أجل تشكيل أي ائتلاف حكومي مقبل، ما يعني التشتت وانقضاء زمن الالتفاف حول زعيم واحد.
إذ يتضح أن قوى اليمين المتطرف؛ بخاصة حزبي "عوتسيما يهوديت" و"الصهيونية الدينية"، لم تعد حريصة على لعب دور الحليف الثانوي لحزب "الليكود" وترغب في الاستقلال عنه وتوسيع حصتها في السلطة، فيحاول وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير العمل على تشكيل قوة سياسية مستقلة من جهة، بينما يقدم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش نفسه بوصفه الممثل الأكثر تعبيرا عن مطالب بعض أطياف اليمين الإسرائيلي، من جهة أخرى.
تشكل هذه المسألة قلقا جديا لنتنياهو لجهة عدم قدرته على كسب 61 مقعدا داخل الكنيست لتشكيل حكومته، إذ من الممكن أن يؤدي انفصال اليمين المتطرف، الذي يملك 14 مقعدا بموجب دورة انتخابات 2022، إلى تقليص حصته، كما أنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يعترض على ابتزازه، لأن شريحة كبيرة من ناخبيه هم أنفسهم ناخبوه.
على الطرف الآخر، يقف الجنرال ورئيس الأركان السابق في الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت، الذي تستند سياسته إلى الأمن والقوة العسكرية والحفاظ على مكانة إسرائيل بوصفها دولة يهودية صهيونية، في مواجهة نتنياهو.
دخول آيزنكوت في المنافسة تشير إلى تحوّل آخر في بنية اليمين. لكونه يمثّل خيارا مناسبا لبعض الناخبين غير الميّالين إلى اليسار، ممن قد يكونون غير راضين عن نتنياهو ويبحثون عن بديل آمن.
وهنا يجد نتنياهو نفسه أمام تحد آخر أكثر حرجا، إذ ينافسه آيزنكوت من داخل البيت اليميني، وهو ليس خصماً يسارياً يمكن مواجهته بخطاب التحذير من عودة اليسار، فخلفيته العسكرية وصهيونيته وتأكيده على أمن إسرائيل وقوتها قد يجذبان ناخبين يرغبون في التغيير من دون التخلي عن توجهاتهم اليمينية.
أظهرت نتائج استطلاع نشرته صحيفة "معاريف" تقدّم حزب "يشار" بزعامة آيزنكوت على حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو بمقعد واحد، أما في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة فتقدم آيزنكوت على نتنياهو بست نقاط مئوية
ففي حين يبني سموتريتش وبن غفير قاعدتيهما الانتخابيتين على مواقفهما المتشددة بشأن الفلسطينيين وغزة والمستوطنات ولبنان، لكن مواقفهما لا تجعلهما منافسين لنتنياهو على قيادة اليمين بالمعنى نفسه الذي يمثّله آيزنكوت، فكلاهما يناور من داخل المعسكر نفسه والمفاهيم نفسها، بينما يطرح آيزنكوت انتقال القيادة إلى شخصية أخرى من البيئة السياسية والأمنية ذاتها، ولكن بمقاربات مختلفة.
هذا الفارق أساسي في المنافسة، فالتحدّي الذي يمثّله الحليف اليميني المتشدّد يختلف عن التحدّي الذي يمثّله منافس قادر على جذب جزء من الجمهور الذي اعتاد التصويت لنتنياهو. الأول يضغط لتوسيع حصته من السلطة، أما الثاني فينازع نتنياهو على موقعه على رأس المعسكر.
بلغة الأرقام، أظهرت نتائج استطلاع نشرته صحيفة "معاريف" العبرية في 9 أكتوبر/تشرين الأول، كيف تتجه المنافسة الانتخابية بين نتنياهو وآيزنكوت، حيث كشف تقدّم حزب "يشار" بزعامة آيزنكوت على حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو بمقعد واحد فقط (21 مقابل 20)، أما في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة فتقدم آيزنكوت على نتنياهو بست نقاط مئوية 46 في المئة مقابل 40 في المئة.
لا شك في أن الفارق بين الحزبين أو القائدين ضئيل جدا ولا يمكن أن يعتبر فارقا، لكنه ينطوي على إشارات لافتة، منها أن حزبا جديدا نسبيا ينافس حزبا عريقا على الموقع والصدارة، ومنها ما يؤكد أن المنافسة خرجت من تحت سيطرة نتنياهو وباتت هزيمة حزبه فكرة مقبولة أو ممكنة، دون أن يعني أن آيزنكوت قد أصبح قاب قوسين من رئاسة الحكومة وإزاحة نتنياهو.
ربما لا يمكن النظر إلى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة على أنها مجرد صراع داخل البيت اليميني الإسرائيلي أو معركة على خلافة نتنياهو في رئاسة الحكومة فحسب. فاليوم التالي سوف يحدد أي تيار يميني سيواصل مسيرة طويلة من التقوقع السياسي الإسرائيلي داخل اليمين: اليمين الشعبي المحافظ المتمركز حول نتنياهو، أو اليمين الأمني التقليدي الذي يمثله آيزنكوت، أو اليمين القومي الديني المتطرف الذي يمثله سموتريتش وبن غفير.