الحوثيون وخطاب المظلومية... الوجه الأيديولوجي للحرب

حرب الاصطفاء والكراهية

رويترز
رويترز
أنصار الحوثيين يجلسون حول علم إيراني في صنعاء، في 17 أبريل 2026

الحوثيون وخطاب المظلومية... الوجه الأيديولوجي للحرب

تقترن المواجهات العسكرية في كل الحروب عبر التاريخ بحروب أخرى موازية، نفسية وإعلامية ودعائية لا تقل خطورة وشراسة، خصوصاً في العصر الحديث بعد التطور الذي شهدته وسائل الصحافة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ومع بدء استخدام الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرة هذه الوسائط على إحداث الأثر الأكبر المرجو في إضعاف معنويات الخصم وحتى في إرباك الجمهور وتضليله.

هذا ما ينطبق اليوم بحذافيره على الصراع الدائر في اليمن منذ عام 2014 بين جماعة الحوثيين "الانقلابية" المدعومة من قبل إيران والحكومة "الشرعية" اليمنية المعترف بها من قبل أغلب دول العالم والمدعومة بأشكال عدة، سياسية ومالية ولوجستية وإنسانية، ولاسيما من جهة التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، الجارة الأقرب، الذي تدخّل بطلب من الحكومة الشرعية لدعم جهود "استعادة الدولة"، مستنداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 2216.

مغالطات لا حقائق

تحاول جماعة الحوثيين اليوم من خلال خطابها الأيديولوجي تكريس مصطلحات معينة تؤدي إلى تأسيس مفاهيم مغلوطة تعتقد الجماعة أنها أصبحت "حقائق" راسخة بحكم المتغيرات التي حاولت فرضها على واقع اليمن الثقافي والسياسي خصوصاً، إذ بات النزاع القائم معها صراعاً بين مشروعين مختلفين ومتضادين بشدة، أولهما يحاول الحفاظ على الهوية الوطنية العربية الإسلامية المعروفة بها البلاد، فلسفةً وفكراً وثقافةً وعقيدة ونظام حكم وغير ذلك.

لطالما أصر الحوثيون عند حديثهم مع بعض الجهات الإقليمية والدولية على وصف الحكومة اليمنية الشرعية بأنها "الطرف الآخر" وبأنهم الكيان الوطني الأصيل والوحيد الذي يمثل الشعب اليمني

أما ثانيهما فهو مشروع "الجماعة" الذي يحاول استنساخ التجربة الإيرانية "الخمينية" وفرض تطبيقها بالقوة في اليمن على نحوٍ تعسفيٍ يتعارض مع قيم المساواة والعدالة الاجتماعية التي حاولت كل الثورات اليمنية الحديثة تكريسها ولاسيما حين نشأت في العقود التي سبقت وحدة عام 1990 تجربتان للعمل الوطني، إحداهما شبه ليبرالية في الشمال وأخرى اشتراكية في الجنوب، تنافستا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً حدَّ التصادم العسكري قبل نهاية الحرب الباردة.

جمهورية بروحٍ "إمامية"

يحاول الحوثيون تقديم أنفسهم كـ"حامل مشروع وطني" يستخدم ذات مظاهر النظام الجمهوري من حيث الاحتفاظ بعلم وشعار الدولة اليمنية والتظاهر باحترام دستورها وبعض قوانينها ومعاهداتها الخارجية، وهم في الأصل جماعة مذهبية مسلحة ذات نهجٍ مغاير، لا تؤمن على الإطلاق بالمبادئ التي انطلق على أساسها كفاح اليمنيين لبناء الدولة الوطنية الحديثة وحماية سيادتها وقرارها المستقل.

احتكار العلاقة مع السماء

الحوثية في واقع الأمر مجرد جماعة تشكلت على أسسٍ مذهبية سلالية وليست حركة تحرير وطنية ولا حزباً يمتلك رؤية وبرنامجاً سياسياً، فمنذ البداية اختار الحوثيون لتنظيمهم العقائدي والسياسي مسمىً عنصرياً يصفهم بأنهم "أنصار الله" يخصّون أنفسهم بالعلاقة مع السماء ويحتكرون وحدهم التواصل مع الله وكأن الآخرين هم "أنصار الشيطان" وأن الجماعة وأنصارها وحدهم هم "المجاهدون في سبيل الله" والآخرين "أتباع إبليس" و"مرتزقة"، متناسين أن أسلاف هؤلاء "الأبالسة" وأجدادهم اليمنيين العرب "الفاتحين" هم الذين أوصلوا رسالة "التبليغ" التي جاء بها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى مشارق الأرض ومغاربها.

لقد أطلق الحوثيون على مؤسس الجماعة، حسين بدر الدين الحوثي، صفة "القرآن الناطق" ولم يتورع أحد متطرفيهم عن الادعاء بأن الحوثي "المؤسس" يحيط بمعاني القرآن الكريم أكثر ممن أوحي به إليه.

مفاهيم انفصالية

خلال "حرب التصعيد الأخيرة" تحديداً التي أشعلها الحوثيون مع الداخل والجوار أخذ هؤلاء يتحدثون في أدبياتهم السياسية والإعلامية عما يسمونه "حكومة عدن" أو "حكومة الفنادق" وليس الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً وعاصمتها المؤقتة عدن، ويصفون سلطتهم الانقلابية بأنها "حكومة صنعاء" وليست "سلطة الأمر الواقع" وفق ما تصفها به الأمم المتحدة.

كما يصر الحوثيون على وصف مسلحيهم بـ"القوات المسلحة اليمنية" وهي في الواقع لا تعدو أن تكون "ميليشيات حوثية جهادية وقبلية" في أساس تكوينها عقائدياً ومناطقياً وليس جيشاً نظامياً قائماً على أسسٍ "وطنية".

الطرف الآخر

لطالما أصر الحوثيون عند حديثهم مع بعض الجهات الإقليمية والدولية على وصف الحكومة اليمنية الشرعية بأنها "الطرف الآخر" وبأنهم الكيان الوطني الأصيل والوحيد الذي يمثل الشعب اليمني ويعبر عن مصالحه وقراره السياسي المستقل، إلى آخر ذلك من الترهات التي لا تعكس مسؤوليةً ولا نضجاً سياسياً بل وتؤكد افتقاد الجماعة لأي عقلٍ أو خطابٍ سياسيٍ رشيدٍ ومتوازن.

مزاعم الاصطفاء والأخيار والأطهار التي يعج بها الخطاب الحوثي لا تثير فقط نعرات عفى عليها الزمن، لكنها أيضاً تبعث من جديدٍ نزعات مقيتة لا هدف لها سوى شطب الآخر وتغييبه من الوجود

ليس هذا فحسب، بل يعمد الحوثيون إلى فرض مصطلحاتهم هذه على تقارير المراسلين العاملين لصالح وكالات أنباء وشبكات تلفزيون عربية ودولية وما لم يعتمد هؤلاء المراسلون ذلك فسوف يتم منعهم من العمل وقطع أرزاقهم.

خطاب التخوين والإقصاء

لا يتردد الحوثيون في الاعتراف بموالاتهم المذهبية للولي الفقيه في إيران وتبعيتهم المطلقة لـ"الحرس الثوري" الإيراني وتحالفهم الوجودي والمصيري مع بقية وكلاء طهران، بل يتباهون بذلك، والمثير للسخرية أنهم يذهبون فجوراً في الخصومة مع أبناء بلدهم وجلدتهم إلى حد وصم كل من يخالفهم الرأي بالعمالة والداعشية والإخوانية، ناهيك عن تحميل هؤلاء المسؤولية عن قتل الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأبنائه وذريته رضوان الله عليهم جميعاً، فضلاً عن مبالغة غلاة الحوثيين في شتم بعض آل بيت رسول الله وصحابته.

معضلة "المظلومية"

مزاعم الاصطفاء والأخيار والأطهار التي يعج بها الخطاب الحوثي الطائفي المتعالي والمتطرف لا تثير فقط نعرات عفى عليها الزمن ولا تستدعي فقط عصبيات وفتناً وثارات قديمة أكل الدهر عليها وشرب، لكنها أيضاً تبعث من جديدٍ نزعات مقيتة لا هدف لها سوى شطب الآخر وتغييبه من الوجود، وأن تجعل صاحبها لا يرى في مرآة الوجود غير نفسه وكفى.

رويترز
امرأة نازحة تجلس خارج خيمتها في مخيم مؤقت للنازحين جراء الاشتباكات بين مقاتلي الحوثيين وقوات الحكومة اليمنية، في محافظة تعز، اليمن، في 21 سبتمبر 2026

من المؤسف أن الحوثي الذي جعل من تمرده على الدولة أساساً لـ "المظلومية" التي زعم أنها مورست عليه من قبل نظام حكم الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، صار، كما يرى كثيرون في اليمن والعالم، يمارس اليوم من الظلم ما هو أعنف وأسوأ من تلك المظلومية التي يدعيها بما لا يقاس، وذلك على غالبية اليمنيين ومن بينهم من كانوا معارضين لصالح ومتضامنين مع الحوثي وذهبوا إليه زرافات ووحداناً للاعتذار منه وتشجيعه على الاندماج والمشاركة السياسية بعد الإطاحة بنظام صالح.

 وفي مقابل ذلك الخطاب الفوقي المتغطرس كان هناك كثيرٌ من اليمنيين حسني النوايا، لا يريدون مواجهة عنصرية الحوثي بمثلها، وربما لا يزال بعضهم ينظر إلى الحوثيين لا كميليشيات متمردة باغية بل بوصفهم مكوناً يمنياً أصيلاً، لكن هذا النفر من اليمنيين حتى من ذوي الطوايا النقية تغيرت قناعاته الآن بعد أن أيقن بما لا يحتاج إلى براهين صعوبة فض ارتباط المكون الحوثي بإيران الذي تشكل خلال العقود الثلاثة الماضية واعتماده على دعمها الكامل للانقلاب على الإجماع الوطني وتمرده على الدولة اليمنية بقوة السلاح ومحاولة فرض سلطته على البلاد بالعسف والبطش والتوحش منذ حروب الجماعة الست مع نظام حكم الرئيس الراحل صالح، الذي قتل لاحقا على يد الميليشيات الحوثية، ثم مع خلفه الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي.

 لكم طالب يمنيون عديدون جماعة الحوثي بإلقاء سلاح الدولة المنهوب والتحول إلى حزب سياسي مدني والقبول بمبدأ الشراكة مع القوى الوطنية الأخرى غير أن الجماعة التي عجزت عن حكم البلاد وحدها لم تتقبل فكرة الشراكة مع أحد ناهيك عن أن تتخلى عن السلطة، وفوق ذلك تصر على أنه حتى في حال انتهائها من حل الصراع القائم حرباً أو سلماً وانتخاب رئيس للدولة وتشكيل حكومة، من أي نوع وبأي مسمى كانا، فإن اليد العليا والمرجعية يجب أن تكون لزعيم الجماعة الذي يجب أن يدين له الجميع بالولاية والطاعة التامة.

والأسوأ من كل ذلك أنه، حتى لو حدث ذلك، يستحيل أن تتخلى الجماعة عن فكرة أنها مشروع حربٍ وجهادٍ حتى تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها فصنع السلام حتى بمشاركتها، وهذا أمرٌ صعب إن لم يكن مستحيلاً، يعني نهايتها كما قد تعنيها تماماً هزيمتها في أي حرب مهما طال أمدها وبلغت كلفتها.

font change