بدأت في فرنسا منذ فترة الحملات التمهيدية للترشيحات الأولية للانتخابات الرئاسية لعام 2027. برامج تتقابل وتتعارض وحوارات متلفزة وشغل صحافي دقيق وثاقب وبحث، إضافة إلى مراقبة المؤسسات الديمقراطية والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والسلطات القضائية المستقلة والمحايدة لهذا الحدث. النقد الذي يوجهه المتنافسون المرتقبون لبرامج بعضهم البعض وصراع هذه البرامج الانتخابية، وترشّح أشخاص بوجوه صريحة واضحة لها جميعها نفس مساحات الكلام على أجهزة الإعلام والصحف والمنابر، وتحميها كلها سلطة القانون.
كل هذا يوقظ في كائن عاش عمره تحت أنظمة الاستبداد المديد "تروما الاستبداد" خشية أن يؤدي هذا التقابل في البرامج والصراع السياسي إلى عنف ودم. فالأمل الذي انسكب على مذبح الحرية تحت أنظمة الاستبداد لم يفض إلى سلطة القانون قطّ.
تلوح تروما الاستبداد هذه من مكان ما في الذات عايش الاستبداد وعايش في آن واحد التواطؤ العالمي الذي ساند بقاء الحروب وتمترّس الديكتاتوريات، ولا تلبث التروما الأولى أن تتحول رويدا رويدا إلى "تروما حديثة"، خليط من الخشية على توازن هذا الكون الجميل ومن الإحساس بالعجز ومن السعادة في عيش التجربة والمشاركة فيها كمواطن يتمتع بكامل حقوق المواطنة.
تلتقي خوازميات التروما الأولى مع الثانية، تتعاونان معا على شحذ الأمل. كي لا تنقلب الدنيا على أهلها كما انقلبت على الطرف الأول.
لم يكن المشروع الديمقراطي ودولة القانون والمواطنة سوى محاولة تثبيت قواعد وقيم أخلاقية من أجل الحياة ورغد العيش. كم هي جميلة اللغة التي وإن لم تستطع بلوغ المنى في الحرية، لكنها استطاعت في فلسفتها وعمق روحها التوصل إلى التعبير عن "رغد العيش".
يصعد اليمين المتطرف وتصعد معه برامجه التي تمتطي عناوين تحمل طباعا دينية وقومية وفيّة لذاتها.
المهاجرون والحجاب والانسحاب من أوروبا، ويزداد الانقسام حول قضايا الهوية والدين. يعلقون على شماعة المهاجرين كل أزمات المجتمع والاقتصاد والأخلاق والتغريب. وتقف في وجه هذه البرامج برامج أحزاب تقليدية أكثر اعتدالا ولطفا إنسانياً، وبرامج أحزاب يسارية راديكالية خرجت من ضلع اليسار التقليدي، ترفع راية تحسين مستوى دخل الفرد والمعيشة وحرية التعبير والمعتقد، وتدافع عن قضية فلسطين والمهاجرين كأحد بنود برنامجها الجوهرية، محملة السياسات الأميركية وإسرائيل تحديدا مسؤوليتها الكاملة عن الإبادة في غزة التي تجري تحت نظر هذه السياسات، ومحملة إياها الانزياح الأخلاقي الخطير الذي يوصل الشعوب إلى حافة البؤس الاقتصادي أيضاً.
وتشارك منصات الذكاء الاصطناعي وتشبيك الخوارزميات كأعلى أشكال الرقابة والترقب والتخمين الاستباقي للنتائج واحتمالات فوز المرشحين.
تشارك منصات الذكاء الإصطناعي وتشبيك الخوارزميات كأعلى أشكال الرقابة والترقب والتخمين الاستباقي للنتائج واحتمالات فوز المرشحين
أفكار جديدة تدخل معترك السياسة والاجتماع، كمثل "سياسة الصداقة" التي تطرحها "كليمانس غيتيه" إحدى القيادات الشابة في "حزب فرنسا الأبية" اليساري الفرنسي، فالعائلة التي تتفكك على مهل، دون أن تستطيع المنظومة السياسية الاجتماعية حمايتها، تستطيع أن تتكئ على كومونة الصداقة كرديف لرأب هذا التفكك.
يحمل اقتراح الصداقة هذا تروما أخرى هي "تروما الفراغ" وذلك التسارع في ردم هذا الفراغ الذي أفضت إليه أدوات الليبرالية المتوحشة السياسية والتكنولوجية التي تفترس الفضاء الإنساني العام. بين تلك اللحظة التي كانت هذه التكنولوجيا طفرة وتطورا هائلا سيساعد الإنسانية، واللحظة التالية التي يخشى أن تتحول إلى خطر على الإنسانية، أسقط في يد الإنسانية، وازدادت حيرة الفرد في ظل تهديد كل هذا الإفلاس القيمي والأخلاقي.
قد تحتاج الحلول تضافر كل القيم كي تستطيع الإنسانية الخلاص من ثنائيات الهلاك والنجاة ومن قيد كل الثنائيات.
يفتح كل هذا باباً شاسعاً يطلّ على مساحات الفراغ التي بتنا نشهدها. ويحمل هذا التسارع معه تغيرات الحياة الاجتماعية. ما يتطلب قوانين صارمة من أجل تقنين التمدد الشرس للتكنولوجيا الذي يخشى الخبراء حدوثه. لا يمكن تخمين تسارع الزمن والتطورات وأين تتجه العجلة الأخلاقية لمن يحكمون هذا العالم اقتصادياً، فهم ذاتهم من يديرون الحروب والمصائر.
في كتابها "أسس التوتاليتارية" تبحث حنة أرندت في اعتبار العزلة الإجبارية التي تُساق إليها البشرية، التربة الخام والأساس النفسي والاجتماعي للاستبداد الشمولي. فمن أجل أن يبقى الفرد ينتمي إلى جماعة تمنحه الشعور بالأمان، قد يتنازل عن حريته. ومن أشد ما طرحته إيقاظا لجميع أنواع التروما، كانت فكرة "تفاهة الشرّ" التي تتجلى بالامتثال الأعمى للأوامر. يتلاقى هذا التحليل مع إنجازات التكنولوجيا الذكية التي تقود الحروب الآن والتي لا ترى الضحية بل تقوم بكبس الأزرار وتحقيق الأهداف واعتماد الخوارزميات العسكرية بعيدا عن كل ما يربط بالثقافة والمجتمع والأخلاق. هل سيؤدي اختلال العالم هذا، والإنهاك الحضاري المزمن إلى احتلال الآلة مساحات اللغة والتعبير والتواصل وتهميش التفكير النقدي.
في رواية أورويل 1984، احتاج الحزب إلى جيش من الموظفين لتزييف الحقيقة. ما يقوم به الذكاء الاصطناعي اليوم في ثوان. فيقع المجتمع في حالة من الغيبوبة المعرفية ويفقد الناس أحساسهم بالواقع ودوافعهم لامتلاك الحقيقة.
تحاول الرؤوس التي تسعى إلى تملك الكون، تطوير الأدوات لعزل الأفراد وتزييف التاريخ وإلغاء الحاجة إلى الفكر النقدي
تحاول الرؤوس التي تسعى إلى تملك الكون، تطوير الأدوات لعزل الأفراد وتزييف التاريخ وإلغاء الحاجة إلى الفكر النقدي تحت ضغط تفوق الكفاءة والذكاء والرفاهية. كي تنتج معارضة رخوة لا تقوى على التغيير.
تقارع الفلسفة ويقارع الأدب والفنون والمشيئة الإنسانية والجمال كل هذا التوحش. فالناس "الذين لا يجيدون التفكير سيفكر الآخرون بالنيابة عنهم" جورج أورويل.
هنيئا لمن يعيش تجربة الانتخابات الحرة، التي تتخطى التشدد القومي والديني والتكنولوجي تحت حماية القانون.