ليست ثنائية الخير والشر التي نعيش انعكاساتها بحديثة. هي عميقة في التاريخ، ولها بعدها في الديانات والفلسفة والميثولوجيا والصراع الإنساني والاجتماعي المعقد. الخير والشر في صراع مستمر في طبيعة النفس البشرية، والطبيعة ذاتها هي ربما إحدى مرايا هذه الذات المركبة التي لا تنتهي. هذا الصراع هو المحرك والدافع والملهم العميق للإبداع والآدب والفنون التي اشتغلت على تفكيكه وكشف مكنوناته وفتحه على عالم المتغيرات الذي يحمل الأشواق إلى الحياة ويفتح القوس الذي تحاول السياسة غلقه كما غلق قانون الاحتمالات. "الجريمة والعقاب" لدستويفسكي، و"دكتور جيكل ومستر هايد" لستيفنسون، و"البؤساء" لفيكتور هوغو... أمثلة لا تنتهي، تبحث في الصراع بين الخير والشر والطاعة والمعصية والشك واليقين والسلطة والضحية.
فكك الإبداع الثنائيات الإقصائية، رأى الظلال والمناطق الرمادية وجدليات الكون. وقد عارضت التحولات السياسية في القرن العشرين هذا الانفتاح واشتغلت على تصعيد مفهوم الثنائية الإقصائية من جديد، التعبير الأقصى لذلك كان في تكريس صيغة القطبين التي تتقاسم العالم. وبعدها الصيغة التي فرضها خطاب جورج دبليو بوش في أعقاب هجمات سبتمبر: "كل أمة في كل منطقة، لديها الآن قرار لتتخذه: إما أن تكونوا معنا أو أن تكونوا مع الإرهابيين".
طمأنت ثنائية بوش الديكتاتوريات والعنصريات والفاشيات الصاعدة، فقد أطبق الخطاب على حالة إقصائية مطلقة: "لست معي إذن أنت ضدي". أليس هذا درب الفناء؟ فرضت هذه الثنائية من دون طرح الأسئلة الضرورية حول أسباب نشوء حركات التشدد والمسؤولية المشتركة عن صعودها والوصول إلى ما وصلت إليه من تهديد حقيقي لثقافة الاختلاف. عايشت الذاكرة السورية الحديثة كل هذه الصراعات منذ من أكثر من خمسين عاما ولا تزال. كما نرى تجليات ذلك في محاولات محو التعدد الثقافي والحضاري في جغرافيا المنطقة، وما نحياه من انتهاك لهذه الذاكرة الثقافية الإبداعية الاجتماعية، خصوصا في فلسطين منذ النكبة. ثم في ظلال نظام الأسد الذي تغذى على إطلاق هذا المارد اللامعقول، ورسخ ثنائية "من ليس معي فهو ضدي".
في 30 مارس/ آذار 2011 ، تجمعنا في بيت صديق، لنستمع إلى الخطاب الأول للأسد بعد انطلاق الانتفاضة الشعبية السورية. فنانون وشعراء وكتاب وروائيون وصحافيون ورسامون ومدرسون، أجيال مختلفة من النساء والرجال. وحين انتهى الخطاب، سقط منا من سقط عن كرسيه، ومن اختفى صوته، ومن بكى، ومن عزى، رأينا العنف القادم.
كان الأسد قد أعد العدة للمقتلة في ذلك الخطاب. قال لنا فيه من ليس معي فهو ضدي.
اعترف بشار الأسد واعترف مستشاروه فيما بعد، بكل ما اقترفه نظامهم وشبيحته ومرتزقته وميليشيات "حزب الله" التي كانت تحتل الساحات وتبث أغانيها الطائفية التمجيدية في مكبرات الصوت، أسيادا للمدينة. كانت الدبابات بين البيوت وكانت البيوت تفتح أبوابها لمن يحتمي بها، وتطوف التظاهرات السلمية في الشوارع.
لن تبرأ اللغة من التشبيح والتعذيب، تلاقى الضدان وجها لوجه الحياة والموت، والجسارة والرعب. وقد أضيفت إلى هذه الذاكرة مقتلة أخرى للتعدد في مجازر الساحل والسويداء. يقلص العنف المسافة بين الأضداد ويصير الشيء هو ضد يبتلع ضده.
نرى تجليات ذلك في محاولات محو التعدد الثقافي والحضاري في جغرافيا المنطقة، وما نحياه من انتهاك لهذه الذاكرة الثقافية الإبداعية الاجتماعية
ورثنا هذا التمزق والحزن، وورثنا ثقافة الغد الأحلى وعدم التخلي والإصرار. لنا في هذه الذاكرة، ما هو جميل: السينما والشعر والغناء وموزاييك النسيج الاجتماعي وفن العيش. ولنا فيها المر والأمر: من مجد الاستقرار في ظل الديكتاتور وأصيب بالذعر من انتفاضة الربيع، وقايض العدالة بهذا الإستقرار، ومن وجه الرسائل يحاور فيها الديكتاتور قبل أن يجف دم الضحايا عن يدي الديكتاتور، بدلا من توجيه كلماته إلى مواطنيه المنتفضين. ولنا فيها الأحلى: يوم التحرير.
لنا فيها قصيدة الشاعر محمد الماغوط "الظل والهجير"، رجع وجع الثنائيات، تهب بالجمال والحرية والالتصاق بالحياة والانحياز إلى الضحية والحق. نشرت القصيدة عام 1970 في ديوان "الفرح ليس مهنتي"، وهي تقارع الثنائيات السياسة والأيديولوجيا المغلقة في لغة مثقلة بالألم والسخرية والحب، كسيف من ضوء ودمع:
"حبيبتي/ هم يسافرون ونحن ننتظر/ هم يملكون المشانق/ ونحن نملك الأعناق/ هم يملكون اللآلئ/ ونحن نمتلك النمش والتواليل/ هم يملكون الليل والفجر والعصر والنهار/ ونحن نملك الجلد والعظام (...) ومع ذلك نحن ملوك العالم: بيوتهم مغمورة بأوراق المصنفات/ وبيوتنا مغمورة بأوراق الخريف".