يقول الضابط السوري سعيد جاويش، إن العثور على جهاز الإرسال في شقة كامل أمين ثابت، أي الجاسوس إيلي كوهين، في حي أبو رمانة في دمشق، لم يُنهِ مهمة الفريق الذي اقتحمها. كان عليه أن يعرف كيف يقرأ البرقيات التي تراكمت لديه منذ سنوات، وأن يحافظ، في الوقت نفسه، على سرية ما حدث. بقي في المنزل مع كوهين وعناصر من وحدته، واتصل بقيادته لإبلاغها بأن الرجل الذي ظلوا يبحثون عن مصدر بثه أصبح في قبضتهم.
إقرأ: "المجلة" تحاور الرجل الذي اعتقل الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين... أسرار تُروى بعد 60 عاماً
في هذه الحلقة من الحوار مع "المجلة"، يروي جاويش دخول ضباط من شعبة المخابرات على القضية بعد الاعتقال. يحرص على تحديد اللحظة التي أُبلغوا فيها، لأنه يرى فيها ما يثبت روايته عن الجهة التي اكتشفت كوهين. ثم يعود إلى تفاصيل العمل داخل الشقة: البحث عن كتاب "الفرسان الثلاثة" وعدد من مجلة "المختار" اللذين قال كوهين إنهما استُخدما للتشفير، وإحضارهما من بيروت أملاً في قراءة الرسائل المحفوظة.
إقرأ: اللغة العبرية و"سرية الإشارة 134"... طريق سعيد جاويش الذي سبق كشف إيلي كوهين
لكن البقاء في الشقة لم يكن عملاً فنياً فقط. يستعيد جاويش زيارة أشخاص عرفوا كوهين، ووصولهم إلى الباب في وقت كان عناصر الحراسة قد خرجوا للإفطار. وجد نفسه وحده مع المعتقل أمام زائرين يطرقون الباب، فابتكر قصة عائلية تخفي سبب وجوده. يصف اتصاله بقائده بكلمات مواربة ليستدعيه، وما فعله الزائرون والضباط الذين وصلوا بعدهم. ويقول إن كوهين كانت أمامه فرص للهرب، لكنه لم يستغلها.
إقرأ: بعد ثلاث سنوات من تتبّع إشارة مجهولة... هوائي مميز يكشف لجاويش شقة كوهين وأجهزة التشفير
تضم روايته أيضاً مشاهد يصعب توقعها في أيام احتجاز رجل متهم بالتجسس: حديثهما داخل المنزل، وخروجهما لتناول الطعام في مطعم بدمشق تحت مراقبة عناصر يسيرون على مسافة منهما. وبعد ستة أيام، يقول جاويش إنه أرسل بيده رسالة بنظام "مورس" إلى الموساد، تُعلن وقوع كامل أمين ثابت ورفاقه في قبضة المخابرات السورية. بعدها انتقل كوهين من المنزل إلى فرع أمني، وانتهت، بحسب تعبير جاويش، علاقة وحدته المباشرة به.
لا تنتهي شهادته عند التسليم. يروي لقاء كوهين برئيس الدولة أمين الحافظ، ومسار التحقيق والمحاكمة، واعتراضه على إذاعة المحاكمة ثم على تنفيذ حكم الإعدام. كان يرى أن بقاء كوهين حياً قد يتيح الاستفادة منه أو مبادلته. ويقول إن اعتراضه، والكلام الذي أضافه عن احتمال وجود مصلحة لدى آخرين في موته، أدّيا إلى سجنه 89 يوماً.
ثم يستعيد لقاءً يقول إنه جمعه بكوهين ليلة إعدامه، والحديث الذي دار بينهما عن أسرته ومصيره. تلك وقائع يرويها جاويش بعد عقود، وتبقى الأقوال والاستنتاجات المتعلقة بدوافع الآخرين منسوبة إليه. وهي تكشف جانباً من شهادته يتجاوز سؤال "كيف قُبض عليه؟" إلى أسئلة عن الأيام التي تلت الاعتقال، والقرارات التي اتُّخذت بشأن الرجل بعد انتهاء مهمة من اكتشفوا جهازه. هنا نص الحلقة الثالثة:
* هل أخذتم كوهين بعد ذلك إلى السجن، أم ماذا حصل؟
- لا، بقي في البيت. بعدما أخذنا منه هذه المعلومات، اتصلت بـ (محمد) وداد بشير (ضابط الإشارة)
* كيف اتصلت؟
- بالهاتف الأرضي الموجود في البيت. أخبرته أننا في منزل الرجل ووجدنا كل شيء. قال: "طيب". خلال ساعة جاء العقيد أحمد سويداني، رئيس شعبة المخابرات، ومعه وداد بشير والملازم أول محمد ناصيف، الذي عُرف لاحقاً باللواء "أبو وائل".
* كان موجوداً وقتها؟
- كان ملازماً أول في وحدتنا. دخل أحمد سويداني وسأل: "أين هو؟". قلنا: "هذا الرجل". ثم سألني: "هل عدنان يعرف؟".

* من عدنان؟
- عدنان طيارة، رئيس فرع إسرائيل. نحن وحدة إشارة، كما أخبرتك، وحدة فنية، ولم يكن هناك أي تنسيق بيننا وبين المخابرات حتى تلك اللحظة. لذلك كتبت قبل فترة أن أي جهاز مخابرات لم يشارك في كشفه، لا المصري ولا الصيني ولا السوري. الوحدة التي اكتشفت كوهين وأسرته هي سرية "الإشارة 134".
* يهمني أن أسألك لاحقاً عن رواية الراشدة السوفياتية التي قيل إنها ساهمت في كشفه، وعن القول إن الإشارة كانت تصدر من السفارة الهندية...
- كل ذلك غير صحيح.
* ماذا حصل بعد وصولهم؟
- قلت للعقيد السويداني إنني توصلت إلى اتفاق مع كوهين. فقال: "ما دمتم اتفقتم، فابقَ معه، وأي برقيات تصل نحضرها إلى الفرع". ثم سألني إن كان عدنان يعرف، فقلت لا، وإنه في دورة أركان. فطلب مني إحضاره.
ذهبت إلى كلية الأركان وأحضرت عدنان طيارة، وأخبرته أننا ألقينا القبض على جاسوس ورويت له القصة. عندها فقط دخلت المخابرات على الخط. بالمناسبة، كان عدنان طيارة من الضباط الممتازين.
* هل كان عدنان طيارة لاحقاً رئيس اللجنة؟
- صحيح. كان مكتبه في أبي رمانة.
* ثم ماذا حصل؟ هل انتقل التحقيق إليهم؟
- لا، بقينا في البيت. أردنا فك الشيفرة، وكنا نحتاج إلى كتاب "الفرسان الثلاثة". قال كوهين إنه استخدم، في السنة التالية، عام 1964، عدداً من مجلة "المختار" الشهرية. توجهت إلى بيروت واشتريت العدد، ووجدت كتاب "الفرسان الثلاثة".
* هل كان ذلك بعد أن غادرت البيت؟
- لا، كنا لا نزال فيه.
* ذهبت إلى بيروت فيما كان كوهين لا يزال في البيت؟
- ذهبت وعدت فوراً، وبقيت معه عناصر في المنزل.
* كم بقي محتجزاً هناك؟
- ستة أيام. وسأخبرك عن حدث مهم وقع في البيت.





