لم يكن لدى الضابط السوري سعيد جاويش والعاملين في سرية "إشارة 134" في الجيش، حين التقطوا إحدى البرقيات عام 1962، اسم رجل يبحثون عنه. كان لديهم تردد لاسلكي، وتاريخ للإرسال، ورمز يمنحونه لصاحب الإشارة المجهول كي يميزوا رسائله من سواها. احتفظوا بما التقطوه وأرسلوا نسخاً إلى من يعملون على الشيفرة وتحديد المواقع. يقول سعيد جاويش إن تلك الإشارة كانت تعود إلى إيلي كوهين، لكن الفريق لم يعرف ذلك إلا بعد سنوات.
إقرأ: "المجلة" تحاور الرجل الذي اعتقل الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين... أسرار تُروى بعد 60 عاماً
في هذه الحلقة من الحوار المطول مع الشخص الذي كشف الجاسوس الإٍسرائيلي إيلي كوهين، يعيد جاويش بناء الطريق من الإشارة إلى العنوان. بدأ تحديد موقع البث، وفق روايته، بمنطقة واسعة نسبياً في دمشق، ثم ضاقت الدائرة إلى محيط أبي رمانة في دمشق، وصولاً إلى بناية درس الفريق سكانها. لم يكن تحديد المصدر أمراً مباشراً؛ فالأجهزة المتاحة، كما يشرح، كانت تعطي نطاقاً تقريبياً، ولا تشير إلى شقة أو غرفة. لذلك لجأ العاملون معه إلى مقارنة الاتصالات بحركة أشخاص يعيشون في البناية.
إقرأ: من حي الأكراد إلى "سرية الإشارة 134"... طريق سعيد جاويش الذي سبق كشف إيلي كوهين
وقع الاشتباه أولاً على طيار يعمل في شركة الطيران السورية. يقول جاويش إنه حصل على جدول سفره وقارن أيام غيابه بمواعيد البث، فرأى قرينة دفعته ورفاقه إلى تفتيش منزله. دخلوا بذريعة البحث عن مخدرات، وفتشوا شققاً أخرى، ثم خرجوا من غير أن يعثروا على جهاز. تبعت ذلك شكاوى وصلت إلى القيادة، وتوبيخ لقائد الوحدة. بالنسبة إلى الأخير، كما يتذكر جاويش، كان الملف قد انتهى.
لم يقتنع جاويش بالنتيجة. عاد إلى البناية وصعد إلى سطحها، حيث لفت نظره هوائي يختلف، في رأيه، عن بقية الهوائيات. تتبّع سلكه إلى شقة في الطابق الأخير، وقرأ أحد عناصره الاسم المكتوب على بابها: كامل أمين ثابت. بقي الاسم عادياً في نظرهم، إلى أن عادوا في موعد بث معروف لديهم. عندئذ قطع جاويش التيار الكهربائي عن الشقة ثلاث مرات، ويقول إن أثر القطع ظهر في تسجيل الإشارة. بالنسبة إليه، كانت هذه هي القرينة التي حسمت مكان الإرسال.
تصل الرواية بعد ذلك إلى لحظة الاقتحام. يتذكر جاويش عدد الرجال الذين كانوا معه، والسلاح الذي حملوه، والغرفة التي وجدوا فيها كوهين، والغرف الأخرى شبه الخالية. كما يصف بحثه عن جهاز الإرسال، والمفتاح الصغير الذي عثر عليه، ثم الجهاز الثاني الذي يقول إن كوهين كشف موضعه. كانت شيفرة البرقيات، التي استعصت عليهم سنوات، حاضرة في ذهنه طوال التفتيش.

تُنشر هذه التفاصيل كما رواها جاويش. وفيها أيضاً إخفاق سابق للوصول إلى الشقة، واعتراض من القيادة، وعودة إلى الموقع نفسه بمنهج مختلف. هكذا يروي الرجل الذي ينسب إلى وحدته كشف كوهين أن عملية الاعتقال لم تبدأ باسم أو صورة، بل بإشارة ظل أصحابها مجهولين ثلاث سنوات. هنا نص الحلقة الثانية من الحوار الذي جرى في شقته في دمشق:
* ماذا حدث؟ كيف بدأ موضوع إيلي كوهين؟
- كانت هناك إشارات نتابعها، ومن جملتها إشارة إيلي كوهين. كنا نتابعها تدريجياً.
* منذ أي سنة؟
- منذ سنة 1962.
* هل كان إيلي كوهين موجوداً عام 1962؟
- التقطنا أول برقية أرسلها عام 1962، لكننا لم نكن نعرف مَن هو ولا من أين يرسل. كنا، عندما نلتقط إشارة، نسجل التردد والتاريخ ونعطي صاحبها رقماً أو رمزاً. لا نعرف الشخص، ولكن لدينا رمز له.




