نشأ سعيد جاويش في حي الأكراد بدمشق، في بيت عرف ضيق الحال، وعمل بالكهرباء قبل أن ينتسب إلى الجيش. هناك، في الحي الذي بدأ منه، تعلّم اللغة العبرية على يد فلسطينيين أقاموا بين أهله. كان، كما يقول، فتى متحمساً للقضية الفلسطينية، ولم يكن يتوقع أن تصبح اللغة التي تعلّمها في تلك السن مدخله إلى عمل عسكري سيضعه، بعد سنوات، على طريق إيلي كوهين.
أقرأ: "المجلة" تحاور الرجل الذي اعتقل الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين... أسرار تُروى بعد 60 عاماً
التحق جاويش بمدرسة الأخصائيين واختص بسلاح الإشارة، ثم درّس العبرية في الكلية العسكرية بحمص. يتذكر أسماء ضباط مرّوا في دوراته قبل أن يتولّى بعضهم مناصب عسكرية وسياسية بارزة. ويستعيد، في الوقت نفسه، انطباعاته عن سوريا في عهد أديب الشيشكلي، وعن التحولات التي شهدتها المؤسسة العسكرية في السنوات اللاحقة. إنها ذاكرة شخصية لرجل قضى سنواته الأولى بين الصفوف الدراسية وأجهزة الاتصال، ثم وجد نفسه أمام سؤال لم يكن مطروحاً في عمل وحدته: لماذا لا يراقب الجيش السوري اتصالات الجيش الإسرائيلي؟
يقول جاويش إن الفكرة خطرت له عام 1956، بعدما التقط، أثناء درس عملي، نداءات عسكرية عبر جهاز لاسلكي. كتب دراسة ورفعها إلى قيادته، لكن الرد الذي تلقاه، بحسب روايته، كان ساخراً ومحبطاً. عاد من دمشق إلى حمص شاعراً بأنه فشل، إلا أنه لم يترك المشروع. حمله إلى الضابط سعيد العاقل، الذي سبق أن درّبه وعرف عمله، وطلب أجهزة تسجيل ومهمة مفتوحة في الجولان لتتبّع الاتصالات وتدوينها ودراستها.
من تلك الخطوة بدأت تجربة يرويها جاويش بتفاصيل مواقعها وأجهزتها وعناصرها. أمضى وقتاً في قرية بالجولان يسجل ما يلتقطه من اتصالات، ثم درّب مجموعة من صف الضباط ووزّعهم على مراكز رصد في القطاعات المختلفة. وأُنشئت سرية "إشارة 134"، التابعة لسلاح الإشارة، لتتابع هذا العمل. لم يقتصر نشاطها، كما يشرح، على الاتصالات العسكرية، بل شمل الإذاعات ووكالات الأنباء وإشارات أخرى لفتت انتباه العاملين فيها.
كانت بعض تلك الإشارات تُرسل بنظام "مورس"، في مجموعات من الحروف أو الأرقام، من دون اسم واضح للمرسل أو المتلقي. أمكن التقاط الرسائل وحفظها، لكن فك شيفرتها ظل عصياً على الفريق. ولم يكن أحد يعرف، حين بدأت السجلات تمتلئ بهذه البرقيات، إلى من ستقوده إحداها.

تبدأ المقابلة من هذه السنوات السابقة لاعتقال كوهين. وهي ضرورية لفهم إصرار جاويش على أن كشفه لم يبدأ بمداهمة مفاجئة، بل بمشروع اقترحه، ومراقبة استمرت أعواماً، ووحدة فنية يريد تثبيت دورها في الرواية. وفي هذه الحلقة يقدّم حكايته منذ نشأته وتعلّمه العبرية حتى تأسيس شبكة الرصد التي يقول إنها التقطت أولى الإشارات المجهولة. هنا نص الحلقة الأولى:
* كيف تود أن تقدم نفسك؟
- أنا سوري دمشقي من أبناء حي الأكراد. نشأت في هذا الحي نشأة صعبة اقتصادياً ومادياً. اشتغلت بالكهرباء.
(ثم انتقل مباشرة إلى الخمسينات): انتسبت إلى الجيش، إلى مدرسة الأخصائيين.
قبل أن أنتسب إلى الجيش، جاء عدد من الفلسطينيين وسكنوا بيننا في الحي، بينهم الأستاذ محمد عطية والأستاذ إبراهيم بكر، اللذان كانا أستاذَي لغة عبرية. وكنت يافعاً متحمساً للقضية الفلسطينية، فتعلّمت اللغة العبرية منهما.
بعدها، في عام 1951، انتسبت إلى الجيش، إلى مدرسة الأخصائيين، واختصصت بسلاح الإشارة. وقدّموا لي دورة لغة عبرية كوني أعرف اللغة، وكان الأستاذان اللذان درّساني محمد عطية ويحيى اليحيى.
* عملياً، الأستاذان الفلسطينيان جاءا إلى سوريا قبل النكبة؟
- نعم، قبل النكبة، سنة 1946.

* في أي سنة تحديداً دخلت الجيش؟
- دخلت الجيش في عهد أديب الشيشكلي، وهو أعظم شخصية وأشرف شخصية وأكثر الأشخاص وطنيةً مرّ على سوريا. لا أعرفه ولا قرابة بيننا، ولكن أعرف أن سوريا ازدهرت في عهده. لم يكن طامعاً بالحكم عندما تآمر عليه البعثيون والبريطانيون عبر "شركة نفط العراق"، وأنا على علم بالمؤامرة كلها وكيف حصلت.
* هل لك أن تحدد لنا التاريخ؟ في أي سنة؟
- في أوائل 1954. كنت في تلك الفترة أدرّس اللغة العبرية في الكلية العسكرية بحمص، بعد أن انتقلت إليها، وأداوم في "الفرع المركزي". في أيام الشيشكلي، كانت فروع المخابرات تُسمّى "الفرع المركزي"، فكنت أدرّس في الكلية وأداوم في "الفرع المركزي".
* درّست في الكلية العسكرية؟
- درّست في الكلية العسكرية. ومن بين الأشخاص المعروفين على الصعيد السياسي الذين درّستهم في أول دورة: مصطفى طلاس، مثلاً، وعلي ظاظا.
* طلاس أصبح وزيراً للدفاع، وظاظا مديراً للمخابرات العامة؟
- صحيح، ثم أصبح ظاظا وزيراً للداخلية.
* إذن، كنت تدرّس اللغة العبرية؟
- أول دورة درّستها كان من ضمنها علي ظاظا وعلي أصلال ومصطفى طلاس وعبدالله الخطيب. وهذا الأخير كان رجل مخابرات من أيام الوحدة السورية-المصرية (1958-1961).
* وبعد ذلك؟
- في دورة لاحقة تخرّج ضباط معروفون، مثل رباح الطويل وسليم حاطوم وعدنان دباغ وناصر الدين ناصر وحسن تركماني، الذي أصبح وزيراً للدفاع. تخرّج هؤلاء من دورة درّستها أنا.



