5 كتب تعيد الاعتبار الى الفلسفة في عصر الوجبات الرقمية السريعة

من أفلاطون إلى الوجودية

5 كتب تعيد الاعتبار الى الفلسفة في عصر الوجبات الرقمية السريعة

لا تقدم الكتب الخمسة التي نستعرضها هنا شروحا أكاديمية جافة، بقدر ما تحاول استعادة الفلسفة بوصفها منهجا لفهم العالم والذات معا. ما يجمع بين هذه الكتب هو أنها تعيد قراءة فلاسفة ومفكرين كبار كأفلاطون وحنة أرندت وفيتغنشتاين وشوبنهاور والفلاسفة الوجوديين، لتظهر أن أفكارهم هي مصادر حية تساعدنا في التفكير في تحديات القرن الحادي والعشرين. وبالرغم من اختلاف موضوعات الكتب ومقارباتها، فإنها تتفق على أن الفلسفة تتجاوز الترف الفكري، إلى المساعدة في فهم العالم. فمن اللغة والمعنى عند فيتغنشتاين، إلى الحرية والتعددية عند أرندت، والحياة الجيدة عند أفلاطون، والمعاناة عند شوبنهاور، وأسئلة الحرية والمسؤولية عند الوجوديين، نجد أنفسنا أمام محاولات مختلفة للإجابة عن السؤال ذاته: كيف يمكن الإنسان أن يعيش حياة ذات معنى في عالم مضطرب ومتغير؟

لودفيغ فيتغنشتاين: الفلسفة في عصر الطائرات

يعد كتاب "لودفيغ فيتغنشتاين: الفلسفة في عصر الطائرات" لأنتوني غوتليب، الصادر عن مطبعة جامعة ييل، أول سيرة شاملة للفيلسوف النمساوي منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأحد أفضل الكتب الحديثة عنه. يجمع المؤرخ البريطاني غوتليب بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السلس، وهي ميزة أشاد بها نقاد عديدون، من بينهم الفيلسوف كوامي أنتوني أبياه الذي وصف الكتاب بأنه "بورتريه حميم لمفكر أعاد رسم حدود الفلسفة".

لا يكتفي غوتليب بتقديم سيرة تقليدية تسرد الوقائع، فهو يعيد بناء العالم الذي نشأ فيه فيتغنشتاين. ولد هذا الأخير عام 1889 في إحدى أكثر العائلات ثراء ونفوذا في الإمبراطورية النمساوية المجرية، وكان والده كارل فيتغنشتاين من كبار الصناعيين الأوروبيين، بينما كانت الأسرة من النخبة الثقافية التي جذبت كبار الموسيقيين والفنانين إلى صالوناتها. ومن خلال هذه الخلفية يوضح المؤلف أن عبقرية فيتغنشتاين تشكلت داخل بيئة استثنائية جمعت بين الثروة والموسيقى والفن والجدل الفكري، إلا أنه تخلى لاحقا عن إرثه العائلي الضخم سعيا وراء حياة أكثر بساطة.

القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في تحليله فلسفة فيتغنشتاين والتركيز على مشروعه الفكري: محاولة فهم العلاقة بين اللغة والعالم

يأخذنا الكتاب أيضا إلى فيينا أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تلك المدينة التي وصفها الصحافي كارل كراوس عام 1914 بأنها "مختبر تدمير العالم"، وكان فيها في تلك الحقبة شخصيات كأدولف هتلر وثيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية، وسيغموند فرويد وليون تروتسكي، علاوة على فيتغنشتاين نفسه، الذي سجل في يومياته عام 1931 أنه يخاف من أن يذكره التاريخ بوصفه مجرد نقطة نهاية للفلسفة الغربية، قبل أن يصبح رمزا لتجديدها وإحيائها.

غلاف "لودفيغ فيتغنشتاين: الفلسفة في عصر الطائرات"

ويرى غوتليب ضرورة فهم هذا المناخ في فيينا، الذي جمع بين الإيمان بالتقدم العلمي والخوف من الانهيار الثقافي، لفهم القلق الفلسفي الذي صاحب فيتغنشتاين طوال حياته. لكن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في تحليله فلسفة فيتغنشتاين والتركيز على مشروعه الفكري: محاولة فهم العلاقة بين اللغة والعالم.

دروس حنة آرندت في الحب والعصيان

تقدم الباحثة البريطانية ليندسي ستونبريدج حنة أرندت في كتابها "نحن أحرار في تغيير العالم: دروس حنة أرندت في الحب والعصيان" (عن منشورات بنغوين راندوم هاوس)، المرشح لجائزتي "بن/جاكلين بوغراد ويلد" للسيرة، و"أورويل" للكتابة السياسية، بوصفها من أكثر المفكرين قدرة على مخاطبة عصرنا، لتقدم سيرة جديدة للفيلسوفة السياسية الشهيرة، محاولة إحياء أفكارها والانطلاق منها لفهم الحاضر.

تبدأ ستونبريدج من فكرة محورية في فلسفة أرندت: القدرة على البدء من جديد. فقد شهدت أرندت انهيار أوروبا الليبيرالية وصعود النازية والمنفى والحرب العالمية الثانية لكنها لم تستسلم للتشاؤم، إذ رأت أن الحرية الإنسانية تتجلى قبل كل شيء في قدرة البشر على القيام ببدايات جديدة، حتى بعد أعظم الكوارث.

وتقول الكاتبة إن تجربة اللجوء والمنفى كانت مصدرا أساسيا لأفكار أرندت حول المواطنة والكرامة الإنسانية، ذلك أن فقدانها وطنها دفعها إلى التفكير من جديد في الحقوق السياسية، وإلى إدراك هشاشة المؤسسات التي تحمي الحرية.

يركز الكتاب على مفاهيم كالتعددية والحب. فالتعددية عند أرندت تتجاوز قبول الاختلاف، إلى الاعتراف بأن الاختلاف هو شرط أساس لوجود السياسة، فلا حياة سياسية حقيقية بين أشخاص متطابقين، لأن العمل المشترك يفترض التنوع والاختلاف. أما الحب، الذي كثيرا ما أهملته الدراسات السابقة، فتقدمه ستونبريدج باعتباره اعترافا بفرادة الآخر وإنسانيته، وهو، في هذا المعنى، ليس بديلا من السياسة. إنه شرط أخلاقي يجعل السياسة نفسها ممكنة.

يناقش الكتاب أيضا مفهوم "تفاهة الشر"، الذي ارتبط بتغطية أرندت الصحافية لمحاكمة أدولف أيخمان في القدس عام 1961 لصالح مجلة "نيويوركر"، وهي التغطية التي تحولت لاحقا إلى كتابها الأشهر "أيخمان في القدس" عام 1963. وتوضح ستونبريدج أن أرندت لم تكن تقلل فظاعة الجرائم النازية، وإنما كانت تشير إلى حقيقة مقلقة: أن الشر قد يصدر أحيانا عن أشخاص عاديين توقفوا عن التفكير النقدي واكتفوا بطاعة الأوامر.

لا تنظر أرندت إلى السياسة بوصفها صراعا دائما على السلطة فحسب، بقدر ما هي فضاء لإبداع أشكال جديدة من الحياة المشتركة

تناقش ستونبريدج أيضا علاقة أرندت المعقدة بمارتن هايدغر، الفيلسوف الذي أحبته ودرست معه قبل أن ينضم إلى الحزب النازي، كما تناقش بعض مواقفها الخاطئة في شأن قضايا العرق في الولايات المتحدة. تصور أرندت بوصفها مفكرة للحرية والأمل أكثر من كونها مجرد منظرة للشمولية، ولا تنظر إلى السياسة بوصفها صراعا دائما على السلطة فحسب، بقدر ما هي فضاء لإبداع أشكال جديدة من الحياة المشتركة.

غلاف "دروس حنة آرندت في الحب والعصيان"

لماذا أفلاطون مهم اليوم

السؤال الذي تطرحه الباحثة البريطانية أنجي هوبز المتخصصة في الفلسفة اليونانية وفلسفة الحياة العامة، في كتابها "لماذا أفلاطون مهم اليوم" (منشورات بلومزبيري) يهم الجميع: لماذا يجب أن نقرأ أفلاطون اليوم بعد مرور كل هذا الزمن؟

ترى هوبز أن أهمية أفلاطون تكمن في طرحه أسئلة لا تزال تشكل جوهر الحياة الإنسانية: كيف نعيش حياة جيدة؟ ما العدالة؟ ما الغرض من التعليم؟ وكيف يمكن أن تنحرف الديمقراطية نحو الاستبداد؟ وتناقش مفهوم الازدهار الإنساني، ففي مقابل الثقافة المعاصرة التي تربط النجاح غالبا بالمال أو المتعة أو الشهرة، يقدم أفلاطون تصورا أعمق للحياة الجيدة. فالحياة المزدهرة هي التي تتطور فيها قدرات الإنسان العقلية والأخلاقية والعاطفية بصورة متوازنة. وتستفيد هوبز من هذا المفهوم لمناقشة قضايا معاصرة، كأزمة المعنى وضغوط النجاح المهني وهيمنة الثقافة الاستهلاكية، مبينة أن أفلاطون يذكرنا بأن السؤال الأهم ليس ماذا نملك؟ بل ماذا نصبح؟

غلاف "لماذا أفلاطون مهم اليوم"

يحتل موضوع الديمقراطية مكانة مركزية في الكتاب. فأفلاطون اشتهر بانتقاده الحاد للديمقراطية الأثينية، لكن هوبز، بحسب بعض مراجعي الكتاب، تقرأ هذه الانتقادات بطريقة مختلفة، إذ تركز على تحليله للكيفية التي يمكن أن يستغل بها الشعبويون مشاعر الجماهير للوصول إلى السلطة، ثم استخدام تلك السلطة لتقويض النظام الديمقراطي نفسه، وهي قراءة تكتسب أهمية خاصة في اللحظة السياسية الراهنة. كما تناقش المؤلفة موضوعات الحب والصداقة والبطولة والشهرة والتعليم، وفي كل حالة تنجح في إبراز الصلة بين النصوص الأفلاطونية وأسئلة العصر الرقمي، فمناقشاته للبطولة والشهرة، على سبيل المثل، تبدو ذات صلة مباشرة بعصر المشاهير ووسائل التواصل الاجتماعي.

في كل حالة تنجح هوبز في إبراز الصلة بين النصوص الأفلاطونية وأسئلة العصر الرقمي

كما تبرز المؤلفة جانبا أقل شهرة من فكر أفلاطون، بحسب أحد مراجعي الكتاب، وهو رؤيته لدور الفن والشعر في بناء الشخصية الأخلاقية للمواطن، فمع أن أفلاطون اشتهر بحذره الشديد من الشعراء والفنانين في جمهوريته المثالية، تظهر هوبز أن هذا الموقف لم يكن معاداة للجمال بقدر ما كان وعيا مبكرا بالدور القوي الذي يلعبه السرد والصورة في تشكيل الرأي العام، وهو ما يبدو شديد الصلة بمخاوفنا المعاصرة حيال المعلومات المضللة وخوارزميات المنصات الرقمية. إنه تذكير قوي بأن بعض الأسئلة الفلسفية لا تشيخ أبدا، وبأن أفلاطون لا يزال محاورا حيا في النقاشات المعاصرة حول السياسة والتربية والحياة الجيدة.

حياة وفكر أعظم متشائم في تاريخ الفلسفة

كيف يمكن فيلسوفا اعتبر الحياة سلسلة متلاحقة من حالات الألم والملل أن يستمر تأثيره حتى اليوم؟ هذا هو السؤال الذي يقود سيرة ديفيد باثر وودز لشوبنهاور، أحد أكثر مفكري القرن التاسع عشر إثارة للجدل، التي صدرت بعنوان "آرثر شوبنهاور: حياة وفكر أعظم متشائم في تاريخ الفلسفة" (مطبعة جامعة شيكاغو).

غلاف "آرثر شوبنهاور: حياة وفكر أعظم متشائم في تاريخ الفلسفة"

كان شوبنهاور يرى أن العالم تحركه قوة عمياء وغير عقلانية أسماها الإرادة، وهذه الإرادة تدفع جميع الكائنات إلى الرغبة المستمرة، مما يجعل الإشباع الكامل مستحيلا. فما إن تتحقق رغبة حتى تنشأ أخرى، ليبقى الإنسان عالقا بين الألم الناتج من النقص والملل الناتج من الإشباع المؤقت. لكن وودز يقول إن اختزال شوبنهاور في التشاؤم وحده أمر مضلل، ففلسفته اشتملت أيضا على رؤية أخلاقية قائمة على الشفقة والرحمة. وبما أن جميع البشر يشتركون في المعاناة، فإن التعاطف معهم يصبح أساس السلوك الأخلاقي.

بما أن جميع البشر يشتركون في المعاناة، فإن التعاطف معهم يصبح أساس السلوك الأخلاقي

يتتبع الكتاب حياة شوبنهاور منذ نشأته في أسرة تجارية ثرية في دانتزغ، مرورا بتمرده على حياة التجارة التي أرادها له والده، ثم دراسته الفلسفة، ويولي اهتماما خاصا بشخصيته وقسوته ومزاجه الصعب ومواقفه العدائية تجاه النساء. ويقول الكاتب إن شهرة شوبنهاور كانت إلى حد كبير ثمرة جهود قرائه اللاحقين، فقد عاش معظم حياته مهمشا نسبيا وبلا تأثير يذكر في حياته المهنية الأكاديمية، بينما تحقق تأثيره الأكبر بعد وفاته من خلال نيتشه، الذي تأثر به تأثرا عميقا قبل أن يتمرد على تشاؤمه، وفرويد الذي استلهم منه فكرة الإرادة اللاعقلانية في بناء نظريته عن اللاوعي، والأدب الحديث الذي وجد في فلسفته صدى لأزمة المعنى في العالم الحديث.

كتاب بنغوين في الفلسفة الوجودية

جمع الباحث البريطاني جوناثان ويبر، المتخصص في تاريخ الفلسفة الفرنسية، في "كتاب بنغوين في الفلسفة الوجودية" نصوصا اختارها من أعمال كيركيغارد ونيتشه وهايدغر وسارتر وسيمون دو بوفوار وفرانز فانون، وقدم الى القارئ رحلة عبر تاريخ الفلسفة الوجودية وتنوعها الفكري والسياسي.

يصحح الكتاب ما يشاع عن الوجودية بأنها فلسفة قلق وكآبة ويأس، فالوجوديون لم يكونوا منشغلين بالموت والعبث فقط، بل اهتموا قبل كل شيء بالحرية والمسؤولية وإيجاد المعنى في عالم مضطرب.

غلاف "كتاب بنغوين في الفلسفة الوجودية"

يخصص الكتاب مساحة واسعة لسارتر ودو بوفوار، الشخصيتين الأكثر ارتباطا بما يسمى اللحظة الوجودية في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. ففي مواجهة الدمار الذي خلفته الحرب، سعى الاثنان إلى إعادة التفكير في الحرية البشرية وحدودها ومسؤولية الفرد عن اختياراته في عالم فقد يقينياته القديمة. لكن المختارات لا تبدأ بهما، فالقسم الأول يعود إلى كيركيغارد ونيتشه وهايدغر وفرويد، ويوضح الجذور الفكرية التي مهدت لظهور الوجودية. وهذا يمنح القارئ رؤية تاريخية أوسع للحركة بدلا من اختزالها في مجموعة أسماء فرنسية محددة، ويظهر أن الوجودية لم تولد فجأة في مقاهي باريس، بل كانت ثمرة تراكم فلسفي امتد لأكثر من قرن.

يقدم الكتاب ساحة جدل فلسفي حي، يذكره بأن الفلسفة الوجودية هي دعوة متجددة لكل فرد لأن يواجه بنفسه سؤال المعنى

تكشف المختارات عن اختلافات جوهرية داخل التيار الوجودي، مما يفند فكرة أن الوجودية مذهب موحد ذو موقف واحد من الوجود ، فكيركيغارد يرى أن الإيمان هو الجواب على القلق الوجودي، بينما فلسفة سارتر إلحادية بالكامل وتقوم على فكرة أن الوجود يسبق الماهية، ويدعو نيتشه إلى خلق قيم جديدة بعد موت الإله، في حين تؤكد دو بوفوار البعد الأخلاقي والاجتماعي للحرية. وبهذا التنوع، يقدم الكتاب للقارئ ساحة جدل فلسفي حي، يذكره بأن الفلسفة الوجودية هي دعوة متجددة لكل فرد لأن يواجه بنفسه سؤال المعنى.

font change