الأرجنتين... خافيير ميلي يواجه حلفاءه بسبب "جزر فوكلاند"

أربك تدخل دونالد ترمب الموقف الذي اعتادت واشنطن تبنيه تجاهها

رويترز
رويترز
أحد أفراد حرس الشرف التابع لفوج غراناديروس عند النصب التذكاري لضحايا حرب مالفيناس عام 1982 بين بريطانيا والأرجنتين في جزر فوكلاند، التي تُعرف في الأرجنتين باسم جزر مالفيناس، في بوينس آيرس، الأرجنتين، 4 سبتمبر 2026

الأرجنتين... خافيير ميلي يواجه حلفاءه بسبب "جزر فوكلاند"

يبدو خافيير ميلي مدافعا غير متوقع عن مطالبة الأرجنتين بجزر فوكلاند. فعلى الرغم من إعجابه بمارغريت تاتشر، وتقاربه مع دونالد ترمب وإسرائيل، وضع الرئيس الليبرتاري الجزر، المعروفة في الأرجنتين باسم مالفيناس، في قلب السياسة الوطنية.

وفي خطاب إلى الأمة في 3 سبتمبر/أيلول، وصف ميلي المشروع المزمع لتطوير حقل "سي لايون" النفطي بأنه تهديد داهم للسيادة الأرجنتينية. ثم مضت الحكومة في فرض عقوبات وتقديم شكاوى جنائية بحق شركات مرتبطة بالمشروع، بالتوازي مع أمر منفصل أصدرته محكمة فيدرالية يطالب المطورين البريطانيين والإسرائيليين بوقف العمل إلى حين إجراء مراجعة بيئية.

وبما أن الأنشطة في الموقع تجري خارج نطاق السيطرة الفعلية للأرجنتين، فإن إنفاذ هذه الإجراءات يتوقف على تعاون دولي أو امتثال طوعي، وكلاهما يبدو بعيد الاحتمال بعدما رفضت بريطانيا اختصاص القضاء الأرجنتيني، وتعهدت بمساندة الشركات المشاركة، فيما أكدت الشركتان عزمهما المضي في المشروع. وتتيح هذه التطورات لميلي الرد على منتقديه ومخاطبة الناخبين، فيما يقترب الحقل من بدء التشغيل، ويعيد التوتر بين واشنطن ولندن تشكيل السياق الاستراتيجي.

لماذا يغير "سي لايون" حسابات النزاع؟

لم تختف مطالبة الأرجنتين بالسيادة يوما، وإن تفاوت حضورها في الحياة السياسية. غير أن احتمال بدء استخراج النفط أعادها بقوة إلى الواجهة، إذ أضاف إلى قضية صيغت طوال أجيال بلغة التاريخ والهوية صراعا راهنا على ملكية الموارد والاختصاص البحري والسيطرة الإقليمية.

وبعد سنوات من الاستكشاف والتأخير، اتخذت شركتا "نافيتاس بتروليوم" و"روكهوبّر إكسبلوريشن" في ديسمبر/كانون الأول 2025 قراريهما الاستثماريين النهائيين بشأن حقل "سي لايون"، الواقع على مسافة نحو 220 كيلومترا شمال الجزر.

ومضت سلطات جزر فوكلاند بعد ذلك في تنفيذ الموافقات الخاصة بالمرحلتين الأولى والثانية من منطقة التطوير الشمالية، على أن يبدأ إنتاج النفط، وفق التوقعات، عام 2028. كما عالجت السلطات ملفات الضرائب وتقييم النفط وضمانات المستثمرين وإتاحة الأراضي اللازمة للمنشآت المرتبطة بالمشروع.

تكشف القضية حدود اصطفافات ميلي الدولية أمام قومية الموارد. فعندما يتعلق الأمر بالسيادة، تصبح هذه المسألة استثناء من ليبراليته الاقتصادية، بما يبرر تدخل الدولة حتى عندما يصطدم بمصالح حلفاء مقربين

وتمثل هذه الموافقات والقرارات الاستثمارية تحولا حاسما عن مرحلة الاستكشاف السابقة، التي أثبتت وجود احتياطيات قابلة للاستخراج من دون أن تلزم الشركاء بالمضي في تطويرها. فإدخال الحقل مرحلة التشغيل يتطلب رؤوس أموال وعقودا وبنية تحتية، وتزداد كلفة التراجع عن المشروع كلما تقدمت أعمال الإنشاء.

رويترز
منصة الحفر شبه الغاطسة "أوشن غارديان" تطفو بعد ثلاثة أيام من بدء حفر بئر الاستكشاف الثاني على بُعد أكثر من 100 كيلومتر قبالة جزر فوكلاند، 19 أبريل 2010

وقد تسهم العائدات المحتملة في تنويع اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على صيد الأسماك، وتعزيز القدرات المالية للحكومة المحلية، ودعم قدرة الوضع القائم في الجزر على الاستمرار، بما يقوي الموقف البريطاني. ولذلك ترى الأرجنتين أن القضية تتجاوز الوصول إلى احتياطيات تعتبرها ملكا لها، إذ يمكن للحقل أن يدعم نظاما سياسيا واقتصاديا لا يُعترف فيه لبوينس آيرس بأي سلطة على المياه المحيطة بالجزر. وهذا ما يفسر سعي الحكومة إلى التحرك قبل أن يصبح تغيير الوضع القائم أكثر صعوبة.

أين تنتهي تحالفات ميلي الخارجية؟

يكشف الرد على مشروع "سي لايون" ترتيب الأولويات في سياسة ميلي الخارجية، إذ تتقدم السيادة الإقليمية والسيطرة على الموارد الطبيعية على التقارب الأيديولوجي مع الشركاء في الخارج. فقد استدعت الإدارة السفيرين البريطاني والإسرائيلي، وقدمت شكاوى جنائية، وهددت بفرض عقوبات على الشركات والمستثمرين والموردين المشاركين في المشروع، مؤكدة التزاما دستوريا يصعب على أي رئيس أرجنتيني تجاوزه.

وتمتد الحملة داخل البلاد إلى إصلاح مؤسسي يشمل اقتراح إنشاء مجلس للأمن القومي وإجراءات أخرى تهدف إلى تنسيق سياسات الدفاع والاستخبارات والشؤون الخارجية والاقتصاد وحماية البنية التحتية الحيوية. ويكتسب هذا التركيز للسلطة في يد الدولة دلالة خاصة لدى رئيس يقوم برنامجه الأوسع على تقليص دور الحكومة في الاقتصاد.

وتكشف القضية أيضا حدود اصطفافات ميلي الدولية أمام قومية الموارد. فعندما يتعلق الأمر بالسيادة، تصبح هذه المسألة استثناء من ليبراليته الاقتصادية، بما يبرر تدخل الدولة حتى عندما يصطدم بمصالح حلفاء مقربين.

قضية وطنية وعائد انتخابي لم يثبت بعد

تربط مالفيناس ميلي بتقليد وطني أقدم بكثير من الحركة الليبرتارية، وهو تقليد راسخ في الدستور الأرجنتيني، وجرى تكريسه جيلا بعد جيل في المدارس والاحتفالات العامة والخرائط والعملات والثقافة الشعبية. وقد صمد هذا الإرث عبر الحكم العسكري والانتقال الديمقراطي والحكومات البيرونية، وكذلك في عهد إدارات سعت إلى علاقات أوثق مع بريطانيا.

أ.ف.ب
جنود أرجنتينيون في طريقهم إلى احتلال قاعدة مشاة البحرية الملكية التي استولوا عليها في بويرتو أرجنتينو/بورت ستانلي بعد أيام من استيلاء الديكتاتورية العسكرية الأرجنتينية على جزر فوكلاند، في 13 أبريل 1982

ويتيح هذا الاستمرار لميلي الاستناد إلى تصور راسخ للتراب الوطني، وتقديم موقفه من "سي لايون" باعتباره وفاء بواجب موروث. وعندما يؤكد أن مالفيناس لا تخص حزبا بعينه، فإنه يضع القضية فوق الانقسامات السياسية، ويرد على الاتهامات التي رأت في مديحه لتاتشر وتفضيله المبكر للمفاوضات التدريجية دليلا على إهمال مسألة السيادة.

أربك تدخل دونالد ترمب الموقف الذي اعتادت واشنطن تبنيه تجاه جزر فوكلاند. فقد امتنعت الإدارات الأميركية المتعاقبة عن اتخاذ موقف من مطالب السيادة المتعارضة، مع إقرارها بسيطرة بريطانيا الفعلية على الجزر

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأرجنتينية المقبلة عام 2027، قد يوفر الدفاع عن الأرض والموارد الطبيعية أرضية مشتركة لمواطنين يعارضون جوانب من البرنامج الداخلي للحكومة، ولا سيما في ظل الكلفة الكبيرة للإصلاحات الاقتصادية وتصاعد الانتقادات لخفض الإنفاق والضغوط الواقعة على مستويات المعيشة.

غير أن هذه الإمكانية لا ينبغي المبالغة فيها. فتأييد السيادة الأرجنتينية على الجزر لا يعني بالضرورة تأييد ميلي، أو العقوبات على الشركات، أو تبني نهج أكثر تشددا تجاه بريطانيا.

وكثيرا ما شكلت مالفيناس مبدأ وطنيا جامعا من دون أن تنعكس بصورة ثابتة على خيارات الناخبين. واستنادا إلى هذا السجل، ومع غياب استطلاعات حديثة، يمكن القول بحذر إن ميلي يسعى إلى تعزيز رصيده القومي، من دون وجود ما يثبت حتى الآن أن هذه الاستراتيجية حققت له مكاسب انتخابية.

صراع على الاختصاص والسيادة

لأن بوينس آيرس لا تستطيع فرض سلطتها في المياه التي تديرها حكومة جزر فوكلاند، فقد اتجهت إلى استهداف الشبكة الدولية التي يعتمد عليها الحقل في التمويل والتأمين والإمداد والتشغيل. وتقول وزارة الخارجية إنها وجهت نحو 180 إنذارا إلى أفراد ومؤسسات في 30 دولة، وفتحت 60 إجراء إداريا، وقدمت ثلاث شكاوى جنائية تشمل عشر شركات ومسؤوليها التنفيذيين. وتهدف هذه الإجراءات إلى رفع الكلفة القانونية والمالية للمشاركة في المشروع، حتى إذا استمرت الأعمال البحرية.

أ.ف.ب
أحد أعضاء نقابة عمال النفط مرتديا قميصا يحمل صورا لجزر فوكلاند خلال مظاهرة نقابية احتجاجا على حكومة الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، بوينس آيرس، 30 أبريل 2026

وفي مسار منفصل، أقام محامون مختصون بالشؤون البيئية ومحاربون قدامى دعوى مدنية، قالوا فيها إن النشاط المزمع تنفيذه ينطوي على مخاطر بيئية. واستنادا إلى احتمالات الضرر الناجم عن أعمال الإنشاء وحركة السفن والضوضاء تحت الماء والتسربات النفطية، أمر القاضي بوقف العمل إلى حين إجراء مراجعة بيئية أرجنتينية. ويزيد الحكم الضغوط على المشروع، لكنه لا يكفي وحده لوقف النشاط في الموقع.

وفي المقابل، أصدرت بريطانيا توجيهات رسمية ترفض تطبيق القانون الأرجنتيني، وتعهدت بمساندة الشركات التي تواجه إجراءات أرجنتينية في دول أخرى. ويستند الطرفان إلى القانون الدولي وقانون البحار، فيما يدور الخلاف حول أي سلطة تملك صلاحية الترخيص لعمليات الاستخراج وتنظيمها.

وتتركز أوراق الضغط العملية المتاحة للأرجنتين أساسا على الموردين الذين لديهم أصول أو موظفون أو عمليات تقع ضمن نطاق ولايتها. وستتوقف النتيجة على ما إذا كان عدد كاف من الموردين سينسحب بما يعرقل مشروع "سي لايون"، أم إن الضمانات البريطانية ستبقيهم مشاركين فيه.

ما الذي يغيره ترمب؟

أربك تدخل دونالد ترمب الموقف الذي اعتادت واشنطن تبنيه تجاه جزر فوكلاند. فقد امتنعت الإدارات الأميركية المتعاقبة عن اتخاذ موقف من مطالب السيادة المتعارضة، مع إقرارها بسيطرة بريطانيا الفعلية على الجزر. وعلى خلفية الخلافات مع لندن بشأن إيران، وضع ترمب هذه السياسة قيد المراجعة، ما أتاح لميلي تصوير موازين القوى الدولية على أنها لم تعد ثابتة.

وقد يؤدي تراجع واشنطن عن حيادها الرسمي في مسألة السيادة لمصلحة بوينس آيرس إلى إضعاف مكانة بريطانيا في الأمم المتحدة، وإعطاء زخم جديد للدعوات إلى التفاوض، وتشجيع الجمعية العامة على طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية. ومع ذلك، فإن مثل هذا التحول لن يحسم أصل النزاع، ولن يجبر بريطانيا على نقل السيادة.

الأرجنتين ترى في كل خطوة تقرب المشروع من التشغيل مزيدا من ترسيخ وضع ترفضه، بينما تنظر سلطات الجزر إلى الحقل نفسه كوسيلة لتوسيع الخيارات الاقتصادية المحلية ودعم الحكم الذاتي

كما أن قدرة واشنطن على التأثير تصطدم بعقبات قانونية وسياسية كبيرة. فعلى سبيل المثال، يرى تحليل لـ"تشاتام هاوس" أن الحجة البريطانية أكثر إقناعا، مستندا إلى استمرارية الإدارة البريطانية، ونقاط الضعف في الحجة الأرجنتينية القائلة إنها ورثت الجزر عن إسبانيا، وإلى المبدأ الحديث لتقرير المصير. وترفض بريطانيا كذلك مناقشة السيادة من دون موافقة سكان الجزر، وتستشهد باستفتاء عام 2013 الذي اختار فيه 99.8 في المئة من المشاركين الإبقاء على وضع الجزر كإقليم بريطاني وراء البحار.

وإذا عدلت واشنطن نهجها، فقد تكسب الأرجنتين هامشا أوسع للمناورة، من دون أن تقترب بدرجة ملموسة من بسط السيطرة. ومن المرجح أن تتركز أي مفاوضات على الموارد أو الضمانات البيئية أو مصائد الأسماك أو التعاون البحري. وبينما يصور ميلي هذا الاحتمال على أنه فرصة تاريخية، تشير المعطيات المتاحة إلى أن استئناف الحوار يظل أكثر ترجيحا من انتقال السيادة.

تصعيد بلا حسم

سرّع مشروع "سي لايون" وتيرة نزاع على الأرض والسيادة يمتد منذ عقود. فالأرجنتين ترى في كل خطوة تقرب المشروع من التشغيل مزيدا من ترسيخ وضع ترفضه، بينما تنظر سلطات الجزر إلى الحقل نفسه كوسيلة لتوسيع الخيارات الاقتصادية المحلية ودعم الحكم الذاتي. ويتيح هذا التباين لميلي أن يقدم مقاومة المشروع تعبيرا عن قيادة وطنية، حتى عندما يضع ذلك علاقات الأرجنتين الخارجية في موقف غير مريح.

رويترز
خريطة تجمع بيانات من وكالة ناسا و"حكومة جزر فوكلاند"، تُظهر حقل "سي لايون" النفطي قبالة جزر فوكلاند، في بوينس آيرس، 15 سبتمبر 2026

وفي المحصلة، أعادت المواجهة صياغة معضلة فوكلاند، فنقلتها من قضية دستورية موروثة إلى اختبار مباشر لسلطة الرئيس. والمفارقة الأبرز أن بوينس آيرس تنظر بتفاؤل إلى حال عدم اليقين في واشنطن، في وقت قد يشكل فيه النفط ركيزة اقتصادية لمجتمع تمتد جذوره في الجزر إلى قرابة قرنين. ومع تمسك بريطانيا باحترام نتيجة استفتاء عام 2013، قد تزداد قضية مالفيناس قيمة سياسية لميلي كلما أصبح التوصل إلى تسوية أبعد منالا.

font change

مقالات ذات صلة