كلما انتهيت من قراءة كتاب جميل، أقول لنفسي: من حسن الحظ أن الكتب الجميلة التي لم أقرأها ستظل كثيرة. وأحيانا يخطر في بالي أن أتساءل: ماذا لو فقدت متعة القراءة؟ أو ماذا لو تعذر علي، لسبب أو لآخر، الحصول على كتاب جميل، جديد أو قديم؟
وقعت مؤخرا على هذه العبارة للكاتب الفرنسي فلوبير(1821-1880) صاحب الرواية الشهيرة "مدام بوفاري": "عندما لا أحمل كتابا أو لا أرغب في أن أكتب... يغمرني شعور كبير بالملل". لا أدري لماذا غمرني شعور بالراحة والغبطة إزاء هذه العبارة. ربما لأنها استجابت لنزعتي إلى مواجهة الملل بالقراءة، أو بالأحرى نزعتي إلى تحويل الوقت من عبء إلى وعد، من ثقل إلى رشاقة، من تململ إلى بهجة. القراءة، في عملية التحويل هذه، تعمل على نحو فريد، تفعل فعلا لا يتحقق بطريقة أخرى، أو بطقس آخر. والقراءة هنا مرتبطة بالكتاب. إنها القراءة التي سبقت ظهور الكمبيوتر بقرون طويلة. القراءة على شاشة الكمبيوتر هي طقس جديد، قد يتوازى مع الطقس التقليدي، وقد يحد منه، من كميته أو شيوعه، إلا أنه لا يزاحمه أو ينافسه في النوعية. إن دفء القراءة وحميميتها لا يتأتيان عبر الشاشة كما يتأتيان من الكتاب. ومع أن فلوبير لم يكن في وسعه أن يتخيل القراءة بلا كتاب، أو في معزل عن الكتاب،
فإن ذلك لا يخفف من قوة كلمته ووقعها في أيامنا هذه.
الكمبيوتر سهل الكثير من سبل القراءة والكتابة. إنه تطور تقني هائل، قدم للناس خدمات جلى في نواح كثيرة. إلا أنه يظل خارج كلامنا، أو بعيدا عنه، عندما نتكلم على القراءة ومتعة القراءة والتسلية والملل والدفء والغبطة وتزجية الوقت. هذا ما أظنه، اعتمادا على تجربتي الشخصية، إذ إن أجمل وأغلى ما تقدمه القراءة هو التسلية. وقد يصح هذا القول، أكثر ما يصح، على قراءة الكتب الأدبية. حتى الفائدة، إنما يقع
تحصيلها، على نحو تلقائي أو مقصود، في باب البحث عن التسلية. ألا يوصف الكتاب القيم بأنه يجمع بين المتعة والفائدة؟ وبحسب هذا الوصف، أليس هو الكتاب الذي يحقق التسلية؟ أليست كلمة "تسلية" جديرة بأن تنوب هنا، في معرض الكلام على القراءة والكتب، عن كلمتي المتعة والفائدة؟
أليست كلمة "تسلية" جديرة بأن تنوب هنا، في معرض الكلام على القراءة والكتب، عن كلمتي المتعة والفائدة؟
يحلو لي أن أقول إن المرء يعيش حياته كلها عاملا، في كل ما يقوم به، على تدبر أسباب ووسائل للتسلية. إن المرء يعيش حياته كلها في مواجهة مع الزمن، بل في مراوغة له، يحاول دائما التخفيف من وطأته، وملأه بما يجعل مروره لطيفا، أو محتملا على الأقل. وتأتي القراءة في طليعة الوسائل الناجعة في هذا السبيل. وهنا، في معرض الكلام على القراءة ومدى تأثيرها في إحساسنا بالزمن، يمر في بالي هذا البيت المشهور للمتنبي:
أعز مكان في الدنى سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب
في رواية ثانية لهذا البيت، يرد الشطر الثاني كما يأتي: "وخير جليس في الأنام كتاب". إلا أنني أفضل الصيغة الأولى، لأنني أرى أن استبدال الزمان بالأنام يفقد كلام المتنبي على الكتاب قدرا من القوة والإيحاء.
الجلسة مع الكتاب هي جلسة في الزمان. أليس طريفا أن يجعل الشاعر الزمان مكانا للجلوس؟ الطريف والبديع في هذه العبارة هو إيحاؤها بما للجلسة مع الكتاب من أثر أو تأثير في الزمان. قد يكون اللافت في عبارة المتنبي (في الشطر الثاني من البيت المذكور) تشخيص الكتاب بجعله جليسا. إلا أن التأمل في هذا الشطر يجعلنا نكتشف أن تعيين الزمان مكانا للجلوس هو الذي أعطى ذلك التشخيص أبعاده الشعرية الرائعة.
تفسير بيت المتنبي يقود إلى تأويله على النحو الآتي: القراءة التي هي جلوس مع الكتاب تتخطى كل الحدود، لا يحدها مكان أو زمان، إنها انطلاق أو تفلت من حدود المكان والزمان. فالقارئ، إذ يجالس الكتاب، لا يهمه مكان الجلوس أو المجالسة، لأنه إذاك جالس في الزمان. الزمان يغدو هو المكان. هكذا تمحى الحدود. هذا هو الاستغراق في القراءة التي تتيح للقارئ أن لا يشعر بالمكان ولا بالزمان الذي هو جالس فيه. هل هناك، بعد هذا، مديح للقراءة أسمى من هذا المديح؟
القراءة التي هي جلوس مع الكتاب تتخطى كل الحدود، لا يحدها مكان أو زمان، إنها انطلاق أو تفلت من حدود المكان والزمان
إذا كان لبيت واحد من الشعر، بل لشطر منه، أن يفتح لنا آفاقا رحبة للتأويل والتمتع، فماذا عسانا نقول عن قصيدة كقصيدة المتنبي التي تحتوي البيت المذكور أعلاه؟ وماذا نقول عن كتاب جميل، عن كتاب بأكمله، من نوع الأدب أو غيره؟
إذن، من حسن حظنا نحن محبي القراءة، أن الكتب التي لم نقرأها ستظل كثيرة. هذه الكتب الجميلة التي لم نقرأها ستظل لنا وعودا جميلة في الزمان.