ثلاث سنوات من الحرب غيرت معنى الحياة اليومية في غزة بصورة جذرية. لم يعد المنزل يعني الأمان في الضرورة، وأصبح الحصول على مياه نظيفة أمرا شاقا، فيما بات تأمين الغذاء يعتمد بشكل أساس على المساعدات الإنسانية. أما بالنسبة إلى مئات آلاف الأطفال، فقد غابت المدرسة عن إيقاع حياتهم اليومية.
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبح الموت واقعا ملازما للحياة في غزة. وتعكس حصيلة الضحايا فقدان الآباء والأمهات والأطفال والمعيلين، مخلفة وراءها عائلات ومجتمعات مثقلة بالفقد والحزن. ومع مرور كل شهر، تتسع دائرة الأسر التي تجد نفسها أمام واقع جديد، تضطر فيه إلى إعادة بناء حياتها حول خسارات لا يمكن تعويضها.
أما من نجوا، فأصبح بقاؤهم مرهونا بفقدان أبسط مقومات الحياة اليومية. حرم النزوح ملايين الأشخاص من أمان المنزل الدائم، فيما تحول الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للمياه والقيود المفروضة على الوصول إلى المياه الآمنة من حاجة أساسية إلى معاناة يومية. ويكشف الاعتماد الواسع على المساعدات الغذائية انهيار سبل العيش وتراجع قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها بصورة مستقلة.
ولن تنتهي آثار الحرب على الأطفال بانتهائها، فما فاتهم خلال السنوات الثلاث المنصرمة سيبقى حاضرا في حياتهم. فسنوات الانقطاع عن التعليم المنتظم تعني فجوات تعليمية متراكمة، وتأخرا في النمو، وفرصا أقل في المستقبل. فالمدرسة لا توفر التعليم فحسب، بل تمنح الأطفال الاستقرار والتواصل الاجتماعي، وتمهد لهم طريقا نحو مرحلة النضج، وغيابها يترك جيلا ينشأ في ظل اضطراب ممتد، ويهدد فرصه التعليمية وآفاقه المستقبلية.
قبل عام، أعادت خطة مدعومة من الولايات المتحدة الأمل في أن تقود نهاية الحرب إلى انتقال سياسي وإنساني. ومع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أُفرج عن رهائن وأسرى، وشهدت غزة زيادة كبيرة في المساعدات الإنسانية. كما رسمت الخطة مسارا أطول مدى، شمل انسحابا إسرائيليا، وإقامة إدارة فلسطينية انتقالية، وترتيبات أمنية دولية، وإعادة إعمار غزة.
لكن هذا الانتقال ظل منقوصا. فقد استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية، مع مقتل أكثر من 1,400 فلسطيني، وفق تقارير، منذ بدء وقف إطلاق النار. ولا تزال عناصر أساسية من الخطة عالقة، بينها نزع سلاح "حماس"، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار. كما لم تبدأ إعادة الإعمار على الأرض بالمستوى الذي كان مرتقبا، فيما لا يزال جزء كبير من سكان غزة يعيشون وسط بنية تحتية مدمرة ومآو مؤقتة.
وحصل "مجلس السلام في غزة"، الذي أُنشئ بوصفه الإطار الدولي المركزي لتنفيذ الخطة، على تعهدات بقيمة 17 مليار دولار لإعادة الإعمار من الدول الأعضاء والشركاء. ويقدر تقييم مشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي أن غزة ستحتاج إلى 71.4 مليار دولار على مدى العقد المقبل للتعافي وإعادة الإعمار. ويكشف هذا الرقم عمق الدمار وحجم الموارد والالتزام المستدام المطلوب لإعادة بناء مقومات الحياة. وفي سبتمبر/أيلول 2026، أعلن المجلس حزمة أولية بقيمة 2.45 مليار دولار تشمل 66 مشروعا، من بينها مشاريع للبنية التحتية الأساس والتعافي الاقتصادي.
وتكشف الفجوة بين حجم التعهدات والاحتياجات الفعلية لغزة عن حجم التحدي المقبل. فإعادة الإعمار ستتطلب أكثر بكثير من إعادة بناء المباني المتضررة، فهي في جوهرها تعني استعادة المنازل والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والطرق وسبل العيش، وتهيئة الظروف التي تتيح للسكان العودة إلى حياة مدنية مستقرة. ولم يعد السؤال يقتصر على حجم ما تحتاجه غزة لإعادة البناء، وإنما ما إذا كانت الظروف السياسية والأمنية ستسمح ببدء هذه العملية واستمرارها.
