الإيرانيون... محنة جيفاغو

الإيرانيون... محنة جيفاغو

استمع إلى المقال دقيقة

قبل 130 عاماً، في الأول من مايو/أيار 1896، أقدم المواطن الإيراني البسيط ميرزا رضا كرماني على قتل ناصر الدين شاه قاجار، شاه إيران، بمسدس قديم اشتراه مصادفةً قبل الحادثة بوقت قصير، لا بغرض التخطيط لها. وقتئذ، وخلال أسبوعين كاملين قبل إلقاء القبض على الجاني، تضاربت الأنباء حول دوافع الجريمة. فكرماني سبق أن حضر حلقات الدرس التي كان يعقدها الشيخ المسيَّس جمال الدين الأفغاني، فيما كانت حركة تحديث إيران على الطراز الغربي في أوج فاعليتها، وكان الشاه ناصر الدين يُتّهم بالليبرالية المفرطة، وكانت إيران تموج بحركات تطالب بدسترة الحكم ورفض إملاءات القوى الكبرى، ومنها ما عُرف بـ"ثورة التبغ"، فوُجّهت أصابع الاتهام إلى تلك الجهات كلها.

حين أُلقي القبض على كرماني، تبيّن للمحققين أنه لا يعرف شيئاً عن تلك المداخل والدوافع، فأجاب عن أسئلتهم الكثيرة بجملة واحدة: "لقد سئمت من شدة الظلم الذي وقع عليّ وعلى عائلتي".

منذ ذلك الحين، شهدت إيران أكثر من 15 هبة شعبية كبرى، بمعدل واحدة كل ثماني سنوات، تراوحت بين الاحتجاجات الكبرى والانتفاضات الشعبية والثورات السياسية، كان بعضها حاسماً تماماً وتمكّن من قلب أنظمة الحكم، وشهد كثير منها أعمال عنف وصدامات رهيبة بين المجتمع والسلطة. لكن النخب الحاكمة اتّهمتها كلها بالتبعية للخارج والتعبئة السياسية والانزياح الأيديولوجي، رغبة في ربط هذه التحركات بدوافع ومؤامرات وتدخلات كبرى، غير أن الصورة حين كانت تتضح، كانت تكشف خلفها جميعاً جذوراً مطابقة لما علّل به كرماني إقدامه على فعلته.

فطوال هذه الحقبة المديدة، التي زامنت أكثر مراحل التحديث العالمي حيوية، عاشت إيران تجربة شديدة الغرابة. فهذا البلد، الذي ظل دوماً في المراتب الأولى عالمياً من حيث الثروات والموارد الطبيعية، ويضم طيفاً سكانياً متنوعاً ونابضاً يتمحور حول وعي تاريخي بالولاء للذات الجمعية الواحدة، ويحتل موقعاً جغرافياً مركزياً بين بقاع العالم، لم تعش مجتمعاته الداخلية أي تجربة تجمع الاستقرار الأمني بالوفرة الاقتصادية بالتنمية البشرية، مع شيء مقبول من الحقوق السياسية والحريات المدنية. وهي الشروط الأساسية التي تتيح لأي مجتمع عادي أن يتعامل مع ظروفه وتحدياته، فيصبح قادراً على مراكمة الإمكانات والمهارات والأدوات اللازمة لتشييد حياة عادية.

محنة الإيرانيين تشبه محنة "الدكتور جيفاغو" صاحب التطلعات العادية. لكن السلطة السياسية تظهر دوماً كسيل جارف يجتاح عالمه ومجاله الشخصي، ويمنعه من ممارسة حقه الأولي والأصلي في العيش بهدوء اجتماعي وسلام داخلي


يمكن العثور على دلائل ومؤشرات ووقائع من هذا القبيل في كل التفاصيل التي عاشتها المجتمعات الإيرانية خلال هذه السنوات الكثيرة. فقد كان ثمة دوماً قهر فوقي متأتٍّ من السلطة السياسية العليا، التي تعكر وتحطم تفاصيل حيوات أبناء المجتمع وطبقاته وحساسياته، وتشكل حاجزاً مانعاً بينهم وبين قدرتهم على تحسين شروط عيشهم العادية. والأدب والسينما والموسيقى والحكايات الشعبية الإيرانية متخمة بذلك. إذ تعاقب على الحكم دوماً إما حكامٌ أرادوا فرض تحديث فوقي وشكلي، وإما آخرون شيّدوا أعتى قلاع الأيديولوجيات الدينية الصدامية مع محيط إيران الأوسع، وبينهما حكام سعوا إلى استعادة إمبراطوريات قديمة متخيَّلة عبر جحافل الجيوش وحدها.

لا يزخر التاريخ السياسي العالمي المعاصر بنماذج شبيهة بما عاشه الإيرانيون في هذا السياق. صحيح أن مجتمعات كثير من الدول عاشت حقباً صعبة: صراعات أهلية وحروباً خارجية، ومجاعات وديكتاتوريات وأنظمة أيديولوجية مغلقة، وما شابه ذلك. لكنها جميعاً عاشت ذلك لفترة محدودة من عقودها المعاصرة، ثم ما لبثت أن لأمت جراحها وأعادت ترتيب أوضاعها وتجاوزت ماضيها. وهي جميعاً مجتمعات واجهت تلك المعضلات لأسباب موضوعية، جغرافية وتاريخية وسياسية وأيديولوجية، ما كان يُمكن تجاوزها دون تجارب قاسية.

لكن التجربة الإيرانية تقول إن كل ذلك قد يحدث بشكل مستدام، ودون أي أسباب موضوعية مفهومة.  

منذ اغتيال الشاه ناصر الدين حتى اليوم، يعايش الإيرانيون شيئاً يشبه محنة "الدكتور جيفاغو" في رواية الكاتب الروسي الشهير بوريس باسترناك التي حملت اسمه. فذلك الطبيب الماهر، صاحب الموهبة الشعرية الفذة، لا يحمل أي أحلام سوى بناء حياته الخاصة البسيطة، في دائرة ضيقة وبتطلعات عادية. لكن السلطة السياسية تظهر دوماً كسيل جارف يجتاح عالمه ومجاله الشخصي، ويمنعه من ممارسة حقه الأولي والأصلي في العيش بهدوء اجتماعي وسلام داخلي. فخلال حياته القصيرة، تعيش بلاده روسيا أحداثاً سياسية عارمة: ثورات وحروباً وصراعات وانهيارات وأيديولوجيات قسرية، لا علاقة له بها جميعاً، لكنها تخلق مزيجاً من الخوف والفوضى والأعداء وأنواع التحطم من حوله، فتسحق أحلامه البسيطة، وتحرمه من كل ما هو عادي وبسيط ومستحق: العائلة والاستقرار والعيش والعمل والأصدقاء، وقبل ذلك كله الحب.

font change