من حيث المسار والمضمون، وحتى من حيث الشكل، تطابقت المعلومات المسربة عن الاجتماع الأخير الذي "قيل" إن "المرشد" الإيراني مجتبى خامنئي قد عقده مع كبار قادة جيش بلاده، وطلب فيه منهم "الرد الفوري والفعال على أي تهديد دون قيود جغرافية"، تطابقت مع مخرجات "المؤتمر الإمبراطوري الياباني الأخير"، الذي عُقد في 8 يونيو/حزيران عام 1945، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان التامة بنحو عشرة أسابيع، وحضره الإمبراطور هيروهيتو، والذي أقر سياسة "مواصلة الحرب حتى آخر رجل"؛ ما فتح الباب واسعاً أمام "استراتيجية الحرب المدمرة"، التي دفعت عشرات الآلاف من الطيارين وربابنة السفن اليابانيين ليخوضوا مواجهات انتحارية ضد جيوش الحلفاء، مدفوعين بمزيج مركب من "الإيمان الأعمى" والبؤس الحياتي وغياب البديل.
بعد ثمانية عقود كاملة، ماذا لو بحثنا عن طيار انتحاري ياباني "كاميكاز"، كان قد نجا بأعجوبة في اللحظة الأخيرة أثناء تلك المعارك، ولم يقم بما أقدم عليه رفاقه الآخرون، الذين كانوا يهاجمون البوارج والسفن الأميركية بطائراتهم الانتحارية، منعاً لوصول الحلفاء إلى أراضي ومستعمرات إمبراطوريتهم اليابانية التقليدية وقتئذ. وسألناه عن مجموع المشاعر والأفكار التي تراوده اليوم؟ بالذات وهو يعاين نهضة بلاده التنموية والثقافية والعلمية الشاملة، التي تأتت في الكثير من أبعادها وأسبابها من هزيمة بلاده لا نصرها، ومن علاقة الصداقة والتحالف الخاصة التي جمعت بلاده طوال هذه العقود مع من كان يُعتبر "عدواً مطلقاً" وقتئذ، والذي كان الطيار الياباني مستعداً للتضحية بحياته في سبيل الحد من تقدمه نحو بلاده.
الطيار الناجي سيكون اليوم شيخاً معمراً يقارب عمره المئة عام (كثيرون في اليابان يتجاوزون ذلك العمر)، يعايش أبناءه وأحفاده من أبناء الأجيال اليابانية الجديدة، الذين صارت حياتهم أكثر رفاهية وحيوية بما لا يقاس، مقارنة بالكثير من المجتمعات العالمية، وحتى بالحياة التقليدية اليابانية التي كانت في زمانه. سيعرف جيداً أن أكثر من 92 في المئة من أبناء الشعب الياباني يشعرون بالامتنان والعرفان تجاه الولايات المتحدة، ويعتقدون أن معاهدة الأمن اليابانية-الأميركية التي وُقعت عقب الحرب حفظت، وما تزال، سلام اليابان وأمنها، حسب آخر إحصاء رسمي نُشر في أوائل العام الجاري، وأن الولايات المتحدة هي الشريك الأول في صادرات بلاده، حيث تجاوز التبادل التجاري معها خلال العام الماضي 220 مليار دولار.
ملايين الإيرانيين ليسوا بعيدين عن تلك الحلقة الخانقة، تحديدا عن "دفع الثمن"، الذي لا يمكن تقديره قبل الجلوس على الأطلال، ولمدة طويلة
سيتذكر الطيار الياباني الآلاف من رفاقه السابقين، الذين قضوا نحبهم في عمليات انتحارية رهيبة، وكانوا معبئين بروح أيديولوجية تقدس الإمبراطورية التقليدية اليابانية، وتجد في الإمبراطور الرمز المبجل، الذي لا حياة "دون نوره"، غارقين ومستلبين بفعل ضخ ترسانة الدعاية القومية الرسمية ومضامينها، التي كانت تغلف كل أشكال الحياة العامة، وتقول إن تخلي اليابان عن سطوتها العسكرية وسيطرتها الميدانية على الكثير من المستعمرات، سيعني إبادة الشعب الياباني!
بعد عقود كثيرة من انتهاء الحرب، أدرك الطيار الياباني، ومثله كل الأجيال اليابانية اللاحقة، حقيقتين بسيطتين، كان غيابهما سبب مأساة اليابان، التي حجبتهما استجابة لـ"الأوهام الإمبراطورية" وقتئذ: فالمشكلة الجوهرية لم تكن في الآخرين، بل في نوعية الروح الاستحواذية التي تشكل عماد الأوهام الإمبراطورية. فاليابان كانت ترى لنفسها الحق في احتلال 14 دولة في محيطها، مساحة بعضها كان يتجاوز خمسة أضعاف مساحة اليابان نفسها، ومجموع سكان تلك المستعمرات عشرة أضعاف سكان اليابان. كذلك عرفوا أن الشراكة والتعاون الإيجابي مع باقي العالم لا يعني محق الإرادة الكيانية أو إبادة الذات الثقافية والقومية، بل ربما العكس تماماً هو الصحيح، خصوصاً لو كان ذلك قائماً على مبدأ الندية الإيجابية بين الدولة والشعوب المتعاونة، وهو متوفر بسهولة للشعوب التي تملك تاريخاً عريقاً، مثل الشعب الياباني.
احتاجت اليابان لحرب طويلة ومؤلمة، راح ضحيتها عشرات الملايين من القتلى، ودُمرت اليابان بشكل شبه تام، إلى أن أُدركت تلكما الحقيقتان البسيطتان. لكن الكاميكاز كانوا مأخوذين بتاريخ مديد من تلاقي مسارين "مُهلكين" في تاريخ أي شعب، حينما تتقاطع قداسة الذات الجمعية مع شيطنة الآخرين.
في حياة شعوب كثيرة، لم يكن الكاميكاز مجرد مقاتلين انتحاريين على جبهات الحرب، ربما كان هؤلاء التعبير الأكثر بؤساً عنهم، لكن الكاميكاز باعتبارهم مجموعة ضخمة من الناس والمؤسسات المستعدة للفناء في سبيل أوهام إمبراطورية، المليئة بكثير من أشكال معاداة العالم المحيط، سواء بشكل علني أو مضمر، كانوا موزعين على طبقات واسعة من الهامشيين والفقراء والبسطاء، المأخوذين بـ"الأكاذيب الرسمية".
ليس ملايين الإيرانيين بعيدين عن تلك الحلقة الخانقة، تحديدا عن "دفع الثمن"، الذي لا يمكن تقديره قبل الجلوس على الأطلال، ولمدة طويلة.