يمتد تاريخ الطاعون في روسيا إلى نحو 5500 عام، حين ظهرت آثاره قرب بحيرة بايكال في سيبيريا، ليظل شبحا يطارد البلاد عبر القرون. ففي عام 1352، اجتاح "الموت الأسود" الأراضي الروسية، ووصل إلى موسكو عام 1353، حاصدا آلاف الأرواح، بينهم الأمير سيميون، حاكم موسكو.
وعاد الوباء ليضرب موسكو عام 1771، مخلفا عشرات الآلاف من الضحايا ومشعلا اضطرابات دامية استدعت تدخل الإمبراطورة كاترين الثانية.
ومع الحرب الباردة، تحول الطاعون من عدو تحاربه روسيا إلى موضوع لأبحاث عسكرية سوفياتية سعت إلى استخدامه سلاحا بيولوجيا. ورغم التقدم الطبي، ظلت بكتيرياه كامنة في براري سيبيريا، وكأن التاريخ يأبى أن يطوي صفحته الأخيرة.
واليوم، تعيد وفاة باحثة روسية في معهد متخصص بالأمراض المعدية الخطيرة في سيبيريا مخاوف الطاعون إلى الواجهة، بعدما رجحت تقارير إصابتها بالطاعون الرئوي. ورغم تأكيد موسكو احتواء المخاطر، فإن غموض أسباب الوفاة دفع منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمطالبة بمزيد من المعلومات، محولا الحادث إلى قضية تتداخل فيها اعتبارات الأمن البيولوجي والشفافية الدولية.
بدأت الأزمة بوفاة الباحثة داريا شيبيلوفا البالغة 28 عاما، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد إصابتها بأعراض تشبه نزلات البرد تطورت سريعا إلى التهاب رئوي حاد استدعى وضعها على جهاز تنفس اصطناعي. وتزايدت الشكوك إثر تقارير تحدثت عن كسرها أنبوب اختبار يحوي بكتيريا حية داخل معهد "إيركوتسك" لمكافحة الطاعون، دون تأكيد رسمي لارتباط الحادث بوفاتها.
عزل ومراقبة
تكمن خطورة الواقعة في طبيعة المعهد المتخصص بدراسة الطاعون ومسببات الأمراض الخطيرة، وموقعه بمنطقة تحتضن بؤرا طبيعية للبكتيريا بين الحيوانات البرية. ورغم أن ذلك يثير احتمال التعرض المهني للعدوى، فإنه لا يثبت حدوث تسرب مختبري أو ارتباط الوفاة بالطاعون.
احترازا، فرضت السلطات الروسية العزل والمراقبة الطبية على نحو 200 مخالط للباحثة، بينهم أكثر من 100 داخل مرافق طبية، إلى جانب الحجر الصحي على مستشفى بمدينة شيليخوف وإلغاء فعاليات عامة.
كما أشارت تقارير إلى فتح تحقيق في شأن مخالفات محتملة لقواعد السلامة، في إجراءات تعكس جدية التعامل مع الخطر رغم غياب تشخيص مؤكد لطبيعة العدوى.





