الأقمار الصناعية تعيد رسم موازين القوة العالمية

سباق محموم

Reuters
Reuters
النموذج الذي يضع الأرض في مركز الكون، هو النموذج الذي وضعه عالم الفلك السكندري كلوديوس بطليموس في القرن الثاني الميلادي

الأقمار الصناعية تعيد رسم موازين القوة العالمية

لم يعد سباق الفضاء مجرد منافسة بين القوى الكبرى على إطلاق الصواريخ والأقمار الصناعية وإثبات التفوق التكنولوجي، بل تحول إلى واحد من أهم ميادين المنافسة الاقتصادية والاستخباراتية والعسكرية في العالم. فالأقمار التي تدور فوق الأرض لم تعد مجرد أدوات للاتصالات أو مراقبة الطقس، وإنما أصبحت بنية تحتية تعتمد عليها قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي، ومصدرا للمعلومات التي تستطيع التأثير في قرارات الشركات والحكومات والجيوش.

تبرز أهمية هذا التحول مع الاحتفال بأسبوع الفضاء العالمي، الذي بدأ في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول وينتهي في العاشر من الشهر نفسه. ويرتبط التاريخ الأول بإطلاق الاتحاد السوفياتي القمر الصناعي "سبوتنيك 1" عام 1957، بينما يوافق الثاني دخول معاهدة الفضاء الخارجي حيز التنفيذ عام 1967، وهي المعاهدة التي وضعت الأسس القانونية الرئيسة لتنظيم أنشطة الدول في الفضاء واستخدامه للأغراض السلمية.

خلال السنوات الأولى من عصر الفضاء، انحصرت المنافسة بصورة أساس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، حيث كان إطلاق قمر صناعي أو إرسال إنسان إلى الفضاء يمثل إنجازا سياسيا وعلميا يعكس قدرات الدولة الصناعية والعسكرية. أما اليوم، فقد تغيرت طبيعة السباق بصورة جذرية، وأصبح الوصول إلى المدار مجرد خطوة أولى في منظومة أكثر تعقيدا تشمل تشغيل الأقمار وجمع البيانات وتحليلها وبيع الخدمات المرتبطة بها.

لا يكفي عدد الأقمار الصناعية وحده لقياس القوة الفضائية، إذ تختلف الأقمار في وظائفها ودقتها وقدرتها على جمع المعلومات.

تكشف الأرقام حجم هذا التغير، فقد أظهر تقرير لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي صدر في يوليو/تموز 2025 أن عدد الأقمار الصناعية النشطة ارتفع من نحو 1400 قمر عام 2015 إلى أكثر من 11 ألف قمر في مارس/آذار 2025. ويعكس هذا التوسع انخفاض تكلفة إطلاق الأقمار، وتطور تقنيات التصنيع، ودخول الشركات الخاصة بقوة إلى سوق كانت تهيمن عليها الحكومات والمؤسسات العسكرية.

وبحسب إحصاءات وكالة الفضاء الأوروبية المحدثة حتى 31 يوليو/تموز 2026، بلغ عدد الأقمار الصناعية التي أطلقت إلى مدار الأرض منذ بداية عصر الفضاء نحو 27500 قمر، بقي منها في الفضاء نحو 18850 قمرا، بينها قرابة 15900 قمر لا تزال تعمل.

القوة الفضائية

لا تعكس الزيادة في الأعداد مجرد نشاط صناعي متنام، بل تشير إلى تغير عميق في طبيعة الاعتماد البشري على الفضاء. فآلاف الأقمار توفر خدمات الإنترنت والملاحة والتوقيت، بينما تراقب أقمار أخرى المحاصيل الزراعية والغابات والمحيطات والموانئ والمنشآت الصناعية. وتستخدم البيانات الناتجة منها في إدارة الاستثمارات والتجارة ومراقبة الحدود والتخطيط العسكري والاستجابة للكوارث، مما يجعل البنية الفضائية جزءا من الأمن الاقتصادي للدول.

لا يكفي عدد الأقمار الصناعية وحده لقياس القوة الفضائية، إذ تختلف الأقمار في وظائفها ودقتها وقدرتها على جمع المعلومات. وقد تكون مجموعة صغيرة من أقمار المراقبة المتقدمة أكثر قيمة استخباراتية من آلاف أقمار الاتصالات، تبعا لنوعية المستشعرات والتكنولوجيا الموجودة عليها.

AFP
فني يضع اللمسات الأخيرة على القمر الصناعي "سبوتنيك-1"، وهو أول قمر صناعي تطلقه البشرية

تحمل الأقمار الصناعية أنواعا مختلفة من أجهزة الاستشعار، تشمل الكاميرات البصرية والرادارات والمستشعرات الطيفية وأجهزة استقبال إشارات السفن والطائرات. وتحدد هذه التجهيزات طبيعة المعلومات التي يمكن جمعها، ومدى قدرة القمر على مراقبة الأرض في ظروف مختلفة، وبالتالي قيمته الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

وتوضح أقمار "لاندسات 8 و9" الأميركية هذه الفروق، إذ توفر صورا بدقة تبلغ 30 مترا في معظم النطاقات الطيفية، وتصل إلى 15 مترا في النطاق البانكروماتي. وتناسب هذه الدقة مراقبة التوسع العمراني والتغيرات الزراعية ومستويات المياه والحرائق، لكنها لا تكفي لرصد التفاصيل الصغيرة داخل المواقع.

أما الأقمار التجارية الحديثة فتقدم دقة أعلى بكثير. وتقول شركة "بلانيت" إن أقمار "بيليكان" الحالية توفر صورا من فئة 50 سنتيمترا، مع خطط للوصول إلى 30 سنتيمترا في الجيل التالي. وتبلغ مسافة أخذ العينات الأرضية في الجيل الثالث من أقمار "بلاك سكاي" نحو 35 سنتيمترا.

يتيح هذا التطور الانتقال من مراقبة التغيرات الواسعة إلى رصد تفاصيل أصغر، مثل ظهور مركبات ومعدات أو إنشاء مرافق داخل المواقع الصناعية والعسكرية. وتزداد قيمة المعلومات عند مقارنة صور متتابعة، مما يسمح بمتابعة حركة الحاويات داخل الموانئ، وتقدير النشاط الاقتصادي، ورصد التغيرات الميدانية، مع بقاء القدرة على تمييز الأجسام مرتبطة بجودة التصوير وظروفه.

لا تتحدد قيمة الأقمار الصناعية بوضوح الصور فقط، بل بنوعية المعلومات التي تستطيع استخراجها. فبينما تكشف الكاميرات البصرية شكل الأجسام والتغيرات الظاهرة، يسمح الرادار بالمراقبة في ظروف جوية مختلفة، ويساعد التصوير الفائق الطيف في دراسة خصائص المواد، مما يجعل الجمع بين هذه التقنيات أكثر فائدة من الاعتماد على إحداها وحدها

لا تستطيع الكاميرات البصرية مراقبة الأرض بكفاءة في جميع الظروف، لأنها تعتمد على ضوء الشمس وتتأثر بالسحب والظلام. ولهذا تبرز أهمية تقنية رادار الفتحة الاصطناعية "سار" التي ترسل موجات رادارية نحو الأرض وتحلل الإشارات المرتدة، مما يسمح بتصوير السطح ليلا ونهارا وعبر الغطاء السحابي.

تستخدم هذه التقنية في مراقبة الفيضانات والانهيارات الأرضية والتغيرات الناتجة من الزلازل والنشاط البركاني، إلى جانب متابعة السفن وبعض الأنشطة الصناعية والعسكرية. ويمكن الرادار اكتشاف تغيرات لا تظهر في الصور البصرية، لكن تفسير بياناته يحتاج إلى تحليل متخصص يراعي زاوية الرصد وخصائص السطح والمواد الموجودة فيه.

توفر تقنية التصوير الفائق الطيف قدرات مختلفة، إذ تحلل الضوء المنعكس من سطح الأرض عبر مئات النطاقات الطيفية الضيقة، مما يساعد في التمييز بين المواد اعتمادا على خصائصها. وتستخدم في الدراسات الجيولوجية واستكشاف المعادن ومراقبة المحاصيل والغطاء النباتي والكشف عن بعض أنواع التلوث والانبعاثات.

فواصل زمنية

وهكذا، لا تتحدد قيمة الأقمار الصناعية بوضوح الصور فقط، بل بنوعية المعلومات التي تستطيع استخراجها. فبينما تكشف الكاميرات البصرية شكل الأجسام والتغيرات الظاهرة، يسمح الرادار بالمراقبة في ظروف جوية مختلفة، ويساعد التصوير الفائق الطيف في دراسة خصائص المواد، مما يجعل الجمع بين هذه التقنيات أكثر فائدة من الاعتماد على إحداها وحدها.

تعد سرعة إعادة تصوير المواقع عاملا رئيسا في تحديد قيمة الأقمار الصناعية، خصوصا عند مراقبة أنشطة سريعة التغير. فقد تفقد الصور الدقيقة أهميتها إذا استغرق القمر أياما للعودة إلى الموقع، بعد أن تكون السفن أو المعدات قد تحركت أو تغير النشاط المراد متابعته.

ولهذا تعتمد الشركات على مجموعات من الأقمار لتقليل الفواصل الزمنية بين عمليات التصوير. فقد صممت منظومة "سنتينل 1" المكونة من قمرين لإعادة زيارة المواقع كل ستة أيام عند خط الاستواء، بينما تسعى الشركات التجارية إلى تقليص هذه المدة إلى ساعات باستخدام أقمار موزعة على مدارات متعددة.

وتقول "بلاك سكاي" إن الجيل الثالث من أقمارها يستطيع مراقبة المواقع ذات الأولوية بمعدل قد يصل إلى مرة كل ساعة، بينما صممت "بلانيت" منظومة "بيليكان" للتصوير المتكرر خلال اليوم. وتتوقف المعدلات الفعلية على عدد الأقمار ومواقعها المدارية وظروف التشغيل وطبيعة المنطقة المستهدفة.

وتسمح هذه القدرات بمتابعة الأنشطة بصورة متتابعة، مثل حركة السفن داخل الموانئ أو التغيرات في المنشآت الصناعية والمواقع العسكرية. ويمكن الشركات والمؤسسات المالية والجهات الأمنية استخدام الصور المتكررة لرصد الأنشطة القصيرة المدة وتقدير التغيرات الاقتصادية والميدانية، بدلا من الاعتماد على لقطات متباعدة زمنيا.

تزداد القيمة الاستخباراتية عند الجمع بين مصادر مختلفة للمعلومات. فالتصوير البصري يكشف موقع السفن، والإشارات الملاحية توفر بيانات عن هويتها ومساراتها المعلنة، بينما يسمح الرادار بمراقبتها في ظروف جوية مختلفة

لا تقتصر قيمة الأقمار الصناعية على جمع الصور والإشارات، بل تعتمد على تحويل البيانات الخام إلى معلومات قابلة للاستخدام. فقد تنتج الشبكات الفضائية كميات هائلة من البيانات يوميا، مما يجعل البرمجيات والحوسبة والذكاء الاصطناعي عناصر أساسية في تحليلها واستخراج المعلومات المهمة منها.

وتستطيع خوارزميات التعلم الآلي مقارنة الصور وتحديد الأجسام واكتشاف التغيرات بصورة آلية، وإصدار تنبيهات عند ظهور نشاط غير معتاد في موقع معين. وتختصر هذه الأنظمة الوقت اللازم لتحليل ملايين الصور، لكنها تظل معرضة للأخطاء، مما يستدعي التحقق من النتائج الحساسة باستخدام مصادر إضافية.

وتزداد القيمة الاستخباراتية عند الجمع بين مصادر مختلفة للمعلومات. فالتصوير البصري يكشف موقع السفن، والإشارات الملاحية توفر بيانات عن هويتها ومساراتها المعلنة، بينما يسمح الرادار بمراقبتها في ظروف جوية مختلفة. وتساعد مقارنة هذه المصادر في كشف التناقضات بين المواقع المرصودة والبيانات التي ترسلها السفن.

وتكتسب هذه القدرات أهمية عسكرية متزايدة في التخطيط والإنذار المبكر ومتابعة التحركات وتقييم الأضرار. ورغم أن الأقمار لا توفر مراقبة كاملة لجميع المواقع بسبب قيود المدارات والتغطية والاتصالات، فإن الجمع بين المستشعرات المتقدمة والذكاء الاصطناعي يساعد في تقليص هذه الفجوات وتسريع الحصول على المعلومات.

القيمة الحقيقية

لم تعد صناعة الفضاء تقتصر على تصنيع الأقمار والصواريخ وإطلاقها، بل امتدت إلى خدمات تعتمد على البيانات والإشارات الفضائية في النقل والزراعة والتجارة والتأمين والاتصالات. وتساعد هذه التطبيقات الشركات في تحسين الإنتاجية وخفض التكاليف واتخاذ القرارات، مما يجعل الأقمار جزءا من البنية التحتية للاقتصاد العالمي.

وتستخدم "أوبر" بيانات تحديد المواقع لتوجيه السائقين وتتبع الرحلات وتقدير أزمنة الوصول، بينما تعتمد شركات النقل على الملاحة الفضائية لمراقبة أساطيلها. وفي الزراعة، توفر أنظمة "ستارفاير" المستخدمة لدى "جون دير" دقة تصل إلى 2.5 سنتيمترا في بعض الحالات، مما يساعد في توجيه المعدات وتحسين استخدام الوقود والبذور والأسمدة.

وفي النقل البحري، تجمع "كبلر" بيانات تتبع أكثر من 300 ألف سفينة يوميا باستخدام الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية، مما يساعد في مراقبة التجارة وازدحام الموانئ ومخاطر سلاسل الإمداد. أما "ستارلينك" فقد تجاوز عدد عملائها تسعة ملايين في نهاية 2025 في أكثر من 155 دولة وسوقا.

REUTERS
انطلاق مركبة SpaceX Starship وSuper Heavy v3 Booster في رحلتها التجريبية الرابعة عشرة من مجمع الإطلاق

وتوضح هذه التطبيقات أن القمر الصناعي ليس المنتج النهائي، بل بنية تحتية تسمح بتقديم خدمات مستمرة طوال سنوات تشغيله. فالشركات تستطيع تحقيق إيرادات من الاشتراكات وبيع البيانات والتحليلات، بدلا من الاكتفاء بعوائد تصنيع الأقمار وإطلاقها، وهو ما يوسع القيمة الاقتصادية للصناعة الفضائية.

تستحوذ خدمات الملاحة بالأقمار الصناعية على نحو 77 ٪ من السوق اللاحقة، مقارنة بنحو 22٪ للاتصالات الفضائية، ونحو 1٪ لمراقبة الأرض

تكشف تقديرات وكالة الفضاء الأوروبية الفارق بين حجم صناعة الأقمار والصواريخ والأسواق التي تعتمد على خدماتها. ففي عام 2025، بلغت قيمة السوق الأولية، التي تشمل تصنيع المركبات الفضائية وخدمات الإطلاق، نحو 75 مليار يورو، مقابل نحو 490 مليار يورو للسوق اللاحقة، التي تضم الاتصالات ومراقبة الأرض وخدمات الملاحة.

ويعكس هذا الفارق اتساع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالأقمار بعد إطلاقها، إذ تتحول إلى مصدر للبيانات والاتصالات والملاحة التي تعتمد عليها قطاعات متعددة. ولا يعني ذلك أن عوائد التصنيع تتحول تلقائيا إلى أرباح مضاعفة، وإنما أن القيمة الاقتصادية للفضاء تمتد إلى خدمات وأسواق أكبر من صناعة الأقمار نفسها.

السيطرة على حلقات الصناعة والخدمات

وتستحوذ خدمات الملاحة بالأقمار الصناعية على نحو 77 ٪ من السوق اللاحقة، مقارنة بنحو 22٪ للاتصالات الفضائية، ونحو 1٪ لمراقبة الأرض. وتوضح هذه النسب أن الاستخدام الاقتصادي الأكثر انتشارا للإشارات الفضائية لا يرتبط بالصور أو الاستطلاع، وإنما بخدمات تحديد المواقع والملاحة والتوقيت التي تدخل في عدد كبير من الأنشطة اليومية.

لا تعني المقارنة بين سوق تصنيع الأقمار وسوق خدماتها أن الإنفاق على التصنيع يتحول تلقائيا إلى عوائد مضاعفة، لاختلاف الأنشطة والتكاليف وهوامش الربح. لكنها توضح أن القيمة الاقتصادية للأقمار تستمر بعد إطلاقها طوال عمرها التشغيلي، من خلال الخدمات والبيانات التي توفرها.

وتتسع هذه القيمة مع استخدام البيانات الفضائية في قطاعات متعددة. فشركات التأمين تستعين بالصور لتقييم أضرار الفيضانات، والمؤسسات الزراعية لمراقبة المحاصيل، والمستثمرون لتحليل حركة السفن والنشاط الصناعي. كما تستفيد شركات البرمجيات من شراء البيانات وتحويلها إلى تقارير وخدمات تجارية، دون الحاجة إلى امتلاك أقمار خاصة.

توسع الصين نشاطها الفضائي عبر نموذج يجمع بين البرامج الحكومية والشركات التجارية، ويشمل تطوير الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام ومصانع الإنتاج الكمي للأقمار وشبكات الإنترنت والاستشعار عن بعد

تستفيد الولايات المتحدة من منظومة متكاملة تشمل تصنيع الأقمار والصواريخ والإطلاق وتشغيل الشبكات وتحليل البيانات. وتضم شركات تعمل في مختلف مراحل الصناعة، مما يمنحها القدرة على تحقيق عوائد من تصنيع الأقمار وتشغيلها والخدمات الناتجة عنها، بدلا من الاعتماد على نشاط واحد داخل السوق الفضائية.

وبحسب مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي، بلغ إجمالي إنتاج اقتصاد الفضاء الأميركي نحو 240٫9 مليار دولار عام 2023، بمساهمة قدرها 142٫5 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي، تعادل نحو 0٫5 في المئة من الاقتصاد، مع دعم نحو 373 ألف وظيفة في القطاع الخاص. وتشمل هذه الأرقام التصنيع والاتصالات والخدمات والبحث والتطوير وأنشطة حكومية مرتبطة بالفضاء.

وفي عام 2025، صنعت الشركات الأميركية نحو 83 في المئة من الأقمار المشتراة تجاريا التي أطلقت عالميا، بينما ارتفع الاستثمار الخاص في القطاع بنسبة 177 في المئة مقارنة بعام 2024. وساعد تطوير الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام في خفض بعض تكاليف الإطلاق وزيادة وتيرته، مما يدعم نشر الكوكبات الفضائية وتجديد أقمارها باستمرار.

ويمنح هذا التكامل الشركات الأميركية حضورا في أسواق متعددة، من تصنيع الأقمار وإطلاقها إلى تشغيل شبكات الإنترنت وبيع الصور والتحليلات. كما تتحول بعض الخدمات الأميركية إلى بنية تحتية تعتمد عليها مؤسسات في دول أخرى، مما يوسع تأثير الصناعة الفضائية الأميركية اقتصاديا وتكنولوجيا خارج حدودها.

في المقابل، توسع الصين نشاطها الفضائي عبر نموذج يجمع بين البرامج الحكومية والشركات التجارية، ويشمل تطوير الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام ومصانع الإنتاج الكمي للأقمار وشبكات الإنترنت والاستشعار عن بعد. ويرتبط هذا التوسع بسياسات صناعية واستثمارات تستهدف تعزيز القدرات التكنولوجية وتقليل الاعتماد على البنية التحتية الأجنبية.

AFP
لقطة مشروحة لسماء الليل من مرصد "بارانال" التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في وقت الغسق

وتسعى الصين إلى بناء كوكبات ضخمة للاتصالات تتطلب تصنيع أعداد كبيرة من الأقمار وإطلاقها وتجديدها. وفي تقرير صدر في 29 يوليو/تموز 2026، وصف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي نمو القطاع الفضائي التجاري الصيني بأنه سريع وواسع النطاق، مع تكامل متزايد بين الشركات والمستثمرين والمؤسسات البحثية والبرامج الحكومية.

ويتجاوز الهدف الصيني توفير الخدمات محليا إلى بناء شبكات مستقلة وإمكان تصدير خدمات الاتصالات والمراقبة إلى أسواق أخرى. لكن نجاح هذه الاستثمارات يتوقف على جذب العملاء وتحقيق إيرادات تغطي تكاليف التصنيع والإطلاق والتشغيل، إلى جانب مواجهة تحديات الترددات والتراخيص والمنافسة التجارية.

أصبحت الأقمار الصناعية جزءا أساسيا من البنية العسكرية والأمنية، لأن تقنيات التصوير والملاحة والاتصالات المستخدمة مدنيا تصلح أيضا للاستطلاع والتخطيط العسكري. ووفقا لوكالة الفضاء الأوروبية، يمثل الدفاع نحو 80 في المئة من الطلب المؤسسي في السوق الأولية العالمية، مما يعكس الدور الكبير للإنفاق العسكري في دعم الصناعة الفضائية.

وتعتمد الجيوش على الأقمار في تبادل المعلومات وتحديد المواقع والتوقيت ومراقبة التحركات وتقييم الأضرار. لكن هذه الخدمات تواجه مخاطر التشويش والهجمات الإلكترونية وتعطيل الإشارات، مما يدفع إلى توزيع القدرات على مجموعات أكبر من الأقمار لتقليل أثر فقدان بعضها وضمان استمرارية العمليات.

ومع ذلك، لا يضمن امتلاك آلاف الأقمار الحماية الكاملة، لأن تشغيلها يعتمد على محطات أرضية وروابط اتصالات وأنظمة تحكم ومعالجة بيانات. وقد يؤدي تعطيل أحد هذه المكونات إلى اضطراب الخدمات رغم استمرار الأقمار في العمل، مما يجعل أمن البنية الفضائية مرتبطا بسلامة النظام بأكمله.

font change