تربى الروائي الفرنسي الكبير ألبير كامو من دون عائلة، يتيم الأب الذي قتل في إحدى المعارك، مع أم جاهلة تماما، ومنكفئة على نفسها، لكن على امتداد رواياته عبر عن العلاقة الخاصة بين الأم وولدها، حيث ألبس شخصياته أدوارا تتابع مجرى العلاقة بينه وبين أمه، على حقيقتها وعلى تحولها. نشأ في حي فقير في الجزائر، وكانت والدته تعمل غسالة في المنازل، وهو يعيش حياة قاسية من الفقر المدقع.
الأم قاسية لأن الفقر يجعل الإنسان قاسيا، تتكلم كأنها لا تريد ذلك، ولأنها أولا لا تسمع جيدا، ولأنها ليس عندها سوى القليل لتقوله. نشأ كامو قرب هذه الأم الغريبة، واقتصرت السعادة لديه على مرأى البحر والشمس الساطعة في الجزائر. وعندما بدأ يكتب الرواية، اشتغل على صمت والدته، وعلى سلوكها.
ويمكن متابعة ذلك في كتابه الأول "الجانب الخطأ والجانب الصواب" الذي صدر في الجزائر عام 1937، حيث نتعرف في مشهد أساسي على قلق الطفل إزاء لا مبالاة أمه الغريبة، فنستشف منه علاقة الابن الناضج وأمه، العجوز اليائسة، وعزلة الاثنين.
في روايات أخرى نقرأ مشاهد تصور حنان الابن نحو والدته، كما أنه يصور الشعور المشترك الغائب أصلا بينهما. فشخصية الأم ظاهرة بوضوح من دون استخدام الكلام، هذا الشعور يكبر في روايته "الرجل الأول".
تعبر الشخصية بطرق عدة في أعماله عن لحظات من طفولته، نجد الحنان يخرج من الواقع، ويعبر عن حب بطرق عدة، بإعجابه بأمه، في لحظات طفولته، ويصرح: "إنها تحبني تحبني". نلاحظ من خلال أعماله، أنه يحاول طمس حقيقة والدته، وغرابتها، وتطور علاقته بها، ليس كمجرد ابن بل كصانع شخصيات، فالواقع شيء والكتابة شيء آخر. وهنا تنتصر شخصية الأم بمعناها التاريخي على شخصية الأم في صفحات الكتابة.
إنه تحول جذري تابعناه عبر فصول نحو سبع روايات، على خلاف الاتجاهات الواقعية التي برزت في أيامه والتي ترسم الحياة والمجتمع، والأشخاص بطريقة كأنها آلة تصوير، عند كتاب موصوفين بالواقعية المحض في كتاباتهم. وسواء اتبعنا الوضع المباشر أو المتخيل، فإن الرواية الحداثية كما نعرفها تجاوزت هذه الثنائية، ودخلت إما في المجال اللغوي أو الأيديولوجي، أو الاجتماعي المفتوح، فاختلطت فيها الأسس، وتشابكت، سواء في الرواية أو المسرح، حيث انتقلت من التصوير الفوتوغرافي إلى المدارس المسرحية العديدة، أو تصنيع الشخصيات إما بطريقة مشوهة وفارغة، أو خاضعة، أو متمردة.
نلاحظ من خلال أعماله، أنه يحاول طمس حقيقة والدته، وغرابتها، وتطور علاقته بها، ليس كمجرد ابن بل كصانع شخصيات
ونعود إلى ألبير كامو وأمه، وكيف صنع في كتاباته شخصية أم مثالية حنونة وألغى شخصية أمه الحقيقية تحت تأثير عاطفة البنوة المثالية. هنا الواقع يتجلبب بالخيالي، والحياة والشخصيات بتفاوتاتها، تصبح صنيع العملية الإبداعية. أوليس هذا واقع الرواية في كل زمان ومكان، حتى الملحمية منها، التي تصنع التاريخ على هواها، وقد نصدقها! فأي الصورتين نصدق عند كامو: الأم القاسية، أم الأم الحنون؟
إن لعبة المتخيل في السرديات الذاتية والأعمال الأدبية، هي السائدة، بتشكيلاتها، وغلوها، ومفاجآتها وأسرارها، ترافق كل كتابة حتى النقدية عندما تبالغ في إطرائها أو سلبيتها، بل يمكن أن نجدها في أحاديثنا السياسية والاجتماعية: فكل يصنع حقيقته.