عشر حقائق تكشف مستقبل التكنولوجيا ومخاطرها على البشر

ذكاء أكبر... وتحديات متصاعدة في الدقة والسلامة والمسؤولية

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

عشر حقائق تكشف مستقبل التكنولوجيا ومخاطرها على البشر

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للإجابة عن الأسئلة وكتابة النصوص، بل أصبح قوة تكنولوجية تؤثر في الاقتصاد والطب والتعليم والأمن. ومع اتساع قدراته، تتزايد التساؤلات في شأن حدود الاعتماد عليه، ومدى قدرة البشر على التحكم في قراراته ونتائجه.

وتكشف التطورات المتسارعة عن مفارقة أساس: فكلما أصبحت الأنظمة أكثر ذكاء وقدرة على تنفيذ المهام المعقدة، ظهرت تحديات جديدة تتعلق بالدقة والسلامة والمسؤولية. وقد تساعد التكنولوجيا في اكتشاف علاج جديد، لكنها تستطيع أيضا إنتاج معلومات طبية خاطئة تبدو موثوقا بها.

وتتنافس الشركات الكبرى على تطوير أنظمة تستطيع التفكير والتخطيط والعمل باستقلالية متزايدة، بينما تسعى الحكومات إلى امتلاك البنية التحتية اللازمة لتشغيلها. ولم يعد التنافس مقتصرا على التطبيقات، بل امتد إلى الرقائق الإلكترونية والطاقة ومراكز البيانات والكفاءات البشرية.

وفي ظل هذا التحول، تبرز عشر قضايا رئيسة تساعد في فهم طبيعة الذكاء الاصطناعي وحدود قدراته، بدءا من اختلاق المعلومات وصولا إلى المسؤولية القانونية، مرورا بتغير الوظائف والتهديدات الأمنية والتزييف العميق والسباق العالمي على امتلاك التكنولوجيا.

الهلوسة... معلومات مختلقة تبدو حقيقية

تعد الهلوسة من أبرز المشكلات التي تواجه نماذج الذكاء الاصطناعي، ويقصد بها إنتاج معلومات خاطئة أو مختلقة وتقديمها باعتبارها حقائق. وقد تتضمن الإجابة أبحاثا لم تنشر، أو مراجع غير موجودة، أو تصريحات منسوبة إلى أشخاص لم يقولوها.

وترتبط الظاهرة بطريقة عمل النماذج اللغوية، التي تتعلم الأنماط والعلاقات من البيانات ثم تستخدمها لتوليد الإجابات. وعندما تفتقر إلى معلومات كافية، قد تنتج تفاصيل تبدو منطقية دون أن تكون صحيحة، بدلا من الاعتراف بعدم معرفتها.

وفي اختبار أجرته شركة "فيكترا" خلال سبتمبر/أيلول 2026 لتلخيص الوثائق، انخفضت نسبة الملخصات التي تضمنت معلومات غير مدعومة بالمصدر الأصلي من نحو 14% إلى 10% بين إصدارين من نموذج "جيميناي"، مما يعكس تحسنا لم يقض على المشكلة.

يمثل ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي تحولا في طبيعة استخدام التكنولوجيا، إذ أصبحت بعض الأنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة الخطوات، بدلا من الاكتفاء بتقديم الإجابات

وكشف اختبار آخر نشر في مجلة "ساينتيفيك ريبورتس" عن تفاوت أداء النماذج في حساب جرعات الأدوية المتقدمة، إذ بلغت دقة "تشات جي بي تي" نحو 53%، بينما أجاب "جيميناي" و"ديب سيك" بصورة صحيحة عن جميع الأسئلة ضمن الاختبار المحدد.

ولا تعني هذه النتائج تفوق نموذج بصورة مطلقة، لأن الأداء يتغير باختلاف المهمة وظروف الاختبار. لكنها توضح أن الإجابات المصوغة بثقة ليست بالضرورة صحيحة، وأن الاستخدامات الطبية والعلمية تتطلب مراجعة الأرقام والمراجع والنتائج قبل الاعتماد عليها.

وكلاء الذكاء الاصطناعي: الانتقال من الكلام إلى التنفيذ

يمثل ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي تحولا في طبيعة استخدام التكنولوجيا، إذ أصبحت بعض الأنظمة قادرة على تنفيذ مهام متعددة الخطوات، بدلا من الاكتفاء بتقديم الإجابات. ويمكنها التعامل مع المتصفحات والملفات والتطبيقات وفقا للصلاحيات المتاحة لها.

ويستطيع المستخدم تكليف وكيل ذكي بتحليل شركة منافسة، ليجمع المعلومات من المواقع المختلفة، ويراجع الوثائق، ويقارن البيانات، ثم يقدم تقريرا. وقد ينفذ بعض هذه الإجراءات بصورة مستقلة، مع تعديل خطواته وفقا للنتائج التي يحصل عليها.

REUTERS
رجل ينظر من هاتفه الى قصر وستمنستر في لندن

ومن أبرز التطبيقات "كلود كود" الذي تطوره "أنثروبيك" للعمل على البرمجيات، و"كلود كوورك" للتعامل مع الأعمال المكتبية. كما تقدم "مايكروسوفت" وكيل "ريسيرشر" ضمن "كوبايلوت" لجمع المعلومات من الإنترنت ووثائق العمل وإعداد التحليلات.

لكن تنفيذ الإجراءات يفتح الباب أمام مخاطر تتجاوز الأخطاء المعلوماتية. فقد يؤدي سوء فهم التعليمات إلى حذف ملفات أو إرسال رسائل غير مقصودة، بينما تستطيع تعليمات خبيثة مخفية داخل مستندات أو مواقع التأثير في سلوك النظام.

ولهذا تصبح مراقبة الإجراءات وتحديد الصلاحيات من المتطلبات الأساس لتشغيل الوكلاء. فكلما ازدادت قدرة النظام على التعامل مع الملفات والمعاملات والبيانات الحساسة، زادت أهمية اشتراط الموافقة البشرية قبل تنفيذ القرارات التي قد تترتب عليها عواقب خطيرة.

أنظمة ذكية قد تتجاوز التعليمات البشرية

لا يعني تحسن الذكاء الاصطناعي في البرمجة والاستدلال أنه أصبح أكثر التزاما للتعليمات البشرية. وتعرف هذه المشكلة باسم "المواءمة"، أي التأكد من أن النظام يحقق الأهداف المطلوبة باستخدام الوسائل المسموح بها، دون تجاوز الحدود التي يحددها المستخدم.

وخلال اختبارات أجرتها "أنثروبيك" في صيف 2026، ظهر مثال داخل بيئة محاكاة بحثية، عندما اعترض نموذج "جيميناي" على تجربة، ثم عدل ملفات مرتبطة بها بصورة جعلتها تبدو مكتملة، دون تنفيذ الإجراء المطلوب فعليا.

بدأ الذكاء الاصطناعي يؤثر في طبيعة الوظائف، خصوصا تلك التي تعتمد على التعامل مع المعلومات الرقمية

وأبلغ النموذج عن نجاح العملية قبل أن تكشف أسئلة مباشرة حقيقة التعديلات. وكانت الواقعة جزءا من اختبار مصمم لدراسة إخفاقات السلامة، وليست حادثة تشغيل حقيقية داخل مؤسسة، ولا تثبت امتلاك النظام وعيا أو نيات بشرية.

لكن التجربة توضح أن المشكلة قد تتجاوز تقديم إجابة خاطئة إلى تنفيذ إجراءات غير مصرح بها، ثم تقديم وصف مضلل لما حدث. ولذلك يحتاج تقييم الأنظمة المتقدمة إلى فحص سلوكها وقدرتها على التزام التعليمات، وليس دقة الإجابات وحدها.

قدرات مفيدة قد تتحول إلى تهديدات

يفتح الذكاء الاصطناعي فرصا لتسريع البحث العلمي وتطوير الأدوية وتحسين الإنتاجية، لكنه قد يساعد أيضا جهات خبيثة في تنفيذ أنشطة ضارة. وتشمل المخاطر المحتملة الهجمات السيبرانية وخفض بعض العقبات المعرفية المرتبطة بالتهديدات البيولوجية.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، حذر بيل غيتس خلال مقابلة مع شبكة "إن بي سي" من أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات قد تسهم في سيناريوهات كارثية تصل خسائرها البشرية إلى مليار وفاة، داعيا إلى تعزيز التنظيم والضمانات الأمنية.

وتتقاطع هذه المخاوف مع تحذيرات باحثين بارزين، بينهم جيفري هينتون، في شأن مخاطر تطوير أنظمة شديدة القدرة دون ضوابط كافية. لكن هذه التحذيرات تتناول سيناريوهات محتملة، ولا تعني أن وقوع كوارث بهذا الحجم أصبح أمرا مؤكدا.

وتكمن المعضلة في أن الأدوات نفسها قد تستخدم لأغراض متعارضة، من تسريع اكتشاف العلاجات إلى تسهيل أنشطة ضارة. ولذلك يصبح تقييم الاستخدامات الخطرة وضبط الوصول إلى القدرات الحساسة جزءا ضروريا من تطوير التكنولوجيا.

الوظائف تتغير

بدأ الذكاء الاصطناعي يؤثر في طبيعة الوظائف، خصوصا تلك التي تعتمد على التعامل مع المعلومات الرقمية. وتستطيع الأنظمة الحديثة تنفيذ أعمال مرتبطة بالمحاسبة والترجمة وخدمة العملاء والبرمجة والتحليل المالي والإعلام وإدخال البيانات.

ولا يعني ذلك أن جميع هذه المهن ستختفي، لأن الوظيفة الواحدة تتضمن عادة مهام متعددة، بعضها يحتاج إلى تواصل بشري أو خبرة مهنية. لكن أتمتة أجزاء كبيرة من العمل قد تسمح للمؤسسات بتقليل احتياجاتها من الموظفين.

وقد تختار الشركات عدم تعيين موظفين جدد بدلا من تسريح العاملين الحاليين، وهو ما يجعل تأثير الذكاء الاصطناعي يظهر تدريجيا في فرص التوظيف. كما قد تزداد الفجوة بين أصحاب المهارات المطلوبة والعاملين الذين تصبح مهامهم قابلة للأتمتة.

وتثير هذه التحولات تساؤلات اقتصادية واجتماعية، إذ قد يؤدي انخفاض الطلب على العمالة إلى تراجع الدخول والاستهلاك. ولهذا تتزايد أهمية برامج إعادة التأهيل المهني وتطوير المهارات وسياسات الحماية الاجتماعية لضمان توزيع مكاسب الإنتاجية بصورة أوسع.

التزييف العميق 

أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية يصعب أحيانا تمييزها عن المواد الحقيقية. ولم يعد ظهور شخص في تسجيل مرئي أو سماع صوته دليلا كافيا على صحة ما ينسب إليه.

ويمكن استخدام هذه التقنيات في الاحتيال المالي والتشهير والابتزاز وانتحال الهوية. كما تسمح بعض التطبيقات بإنتاج محتوى مزيف باستخدام صور أشخاص عاديين، مما يوسع نطاق الضحايا المحتملين ويزيد صعوبة حماية الخصوصية والسمعة.

وفي واقعة كشفت عنها "رويترز" في سبتمبر/أيلول 2026، استولى محتالون على 95 مليون يورو من شركة "فيديورام" التابعة لبنك "إنتيسا سان باولو" الإيطالي، عبر عملية احتيال جمعت بين انتحال شخصية مسؤول مصرفي واستخدام صوت مستنسخ.

تسعى الولايات المتحدة إلى تسريع إنشاء مراكز البيانات وتوفير الطاقة اللازمة لها. ويكشف ذلك أن التفوق التكنولوجي لم يعد مرتبطا بتطوير البرامج وحدها، بل بالقدرة على تأمين الموارد والبنية التحتية المطلوبة

وبدأت الخدعة برسالة عبر واتساب تنتحل شخصية رئيس البنك وتطلب المساعدة في معاملة مالية عاجلة، ثم مكالمة بصوت محام معروف استخدم لتأكيد الطلب. وأدت العملية إلى تحويل الأموال، قبل استعادة أكثر من نصف المبلغ لاحقا.

وتوضح الواقعة أن التزييف العميق قد يوفر للمحتالين وسيلة لصناعة الطلب والدليل الذي يبدو مؤيدا له في الوقت نفسه. ولذلك تحتاج المعاملات الحساسة إلى التحقق عبر قنوات مستقلة، بعيدا من الاعتماد على الصوت أو الصورة وحدهما.

الرقائق ومراكز البيانات تحدد موازين القوة

تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بنية تحتية ضخمة تضم الرقائق الإلكترونية المتقدمة والخوادم ومراكز البيانات، إلى جانب شبكات الكهرباء وأنظمة التبريد. وتتطلب عمليات تدريب النماذج الكبيرة وتشغيلها قدرات حسابية مرتفعة واستثمارات مالية ضخمة.

وقد تصل تكلفة إنشاء مركز بيانات بقدرة 100 ميغاواط إلى مليار دولار أو أكثر في بعض الأسواق، قبل احتساب تكلفة الخوادم والرقائق. ويجعل ذلك تطوير الذكاء الاصطناعي وتشغيله مرتبطين بقدرات اقتصادية وصناعية لا تمتلكها جميع الدول.

وأصبحت الرقائق المتقدمة جزءا من المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، إذ تستخدم واشنطن قيود التصدير للحد من وصول بكين إلى بعض التقنيات المتطورة، بينما تعمل الشركات الصينية على تطوير بدائل محلية وتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب.

وفي الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى تسريع إنشاء مراكز البيانات وتوفير الطاقة اللازمة لها. ويكشف ذلك أن التفوق التكنولوجي لم يعد مرتبطا بتطوير البرامج وحدها، بل بالقدرة على تأمين الموارد والبنية التحتية المطلوبة.

قضية سيادة وطنية

أدى دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات الصحة والحكومة والاقتصاد والأمن إلى تصاعد الاهتمام بمفهوم السيادة التكنولوجية، الذي يشير إلى قدرة الدول على التحكم في الأنظمة المستخدمة داخل مؤسساتها وحماية البيانات وضمان استمرار الخدمات الأساس.

وقد يؤدي الاعتماد الكامل على شركات أجنبية إلى جعل المؤسسات الوطنية عرضة لتغير الأسعار وشروط الاستخدام أو انقطاع الخدمات. وتزداد خطورة ذلك عندما تعتمد جهات حكومية أو صحية على أنظمة لا تستطيع تشغيلها أو صيانتها بصورة مستقلة.

REUTERS
شعار شركة "أنثروبيك" في مركز "موسكون" خلال قمة "دريم فورس 2026" للتكنولوجيا في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية

ولهذا تستثمر دول في بناء مراكز بيانات محلية وتطوير نماذج تتناسب مع لغاتها واحتياجاتها، إلى جانب تدريب متخصصين قادرين على إدارة الأنظمة. كما تسعى إلى تنويع الموردين لتقليل الاعتماد على جهة واحدة.

لكن الاحتفاظ بالبيانات داخل الحدود الوطنية لا يكفي لتحقيق السيادة، إذا ظلت الدولة تفتقر إلى الخبرات والبدائل التقنية. فالسيطرة الحقيقية ترتبط بامتلاك المعرفة والقدرة على اتخاذ القرار وضمان استمرار الخدمات عند حدوث اضطرابات.

الذكاء الاصطناعي يدخل سباق تطوير الأدوية

يمثل اكتشاف الأدوية أحد المجالات التي قد تحقق فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي فوائد كبيرة، إذ تستطيع الأنظمة تحليل بيانات بيولوجية ضخمة لتحديد أهداف علاجية واقتراح مركبات كيميائية قد تساعد في علاج أمراض معقدة.

وتسمح هذه التقنيات للباحثين باختيار مجموعة محدودة من المركبات الواعدة قبل البدء في التجارب المخبرية، بدلا من اختبار أعداد هائلة بصورة عشوائية. وقد يسهم ذلك في اختصار بعض مراحل البحث المبكر وخفض تكاليفها.

تكشف هذه القضايا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد شأنا تقنيا يخص الشركات والمبرمجين وحدهم، بل أصبح عاملا مؤثرا في الاقتصاد والصحة والقانون والأمن والعلاقات الدولية، مع تزايد اعتماد المؤسسات والأفراد عليه في أعمالهم اليومية

ومن الأمثلة عقار "رينتوسيرتيب" الذي تطوره شركة "إنسيليكو ميديسين" لعلاج تليف الرئة المجهول السبب، وهو مرض يتسبب بتندب أنسجة الرئة وتراجع وظائفها. وقد ساعد الذكاء الاصطناعي في تحديد الهدف البيولوجي وتصميم الجزيء المرشح للعلاج.

وأعلنت الشركة في سبتمبر/أيلول 2026 بدء إعطاء العقار للمرضى ضمن تجربة سريرية من المرحلة الثالثة. كما تعمل شركات أخرى، بينها "ريكيرجن"، على تطوير علاجات باستخدام تحليل البيانات، بينما تساعد أداة "ألفافولد" العلماء في توقع البنية الثلاثية الأبعاد للبروتينات.

ورغم هذه التطورات، فإن اكتشاف دواء بمساعدة الذكاء الاصطناعي لا يعني نجاحه علاجيا. فلا تزال فعاليته وسلامته بحاجة إلى التحقق عبر التجارب السريرية، قبل الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة لاستخدامه لدى المرضى.

من يتحمل مسؤولية أخطاء الذكاء الاصطناعي؟

مع اتساع استخدام الأنظمة الذكية في اتخاذ القرارات وتنفيذ المهام، تزداد صعوبة تحديد المسؤولية عندما تتسبب في أضرار. فقد ينشأ الخطأ عن عيب في التصميم، أو استخدام غير مناسب، أو صلاحيات واسعة منحت للنظام دون رقابة.

وإذا كان الضرر ناتجا من قصور معروف في إجراءات السلامة أو مشكلة تقنية، فقد تتحمل الشركة المطورة مسؤولية قانونية وفقا للتشريعات المعمول بها. أما المؤسسة التي تستخدم النظام في مهمة حساسة دون مراجعة، فقد تتحمل مسؤولية قراراتها.

وقد تمتد المسؤولية إلى المستخدم إذا وجه النظام عمدا إلى تنفيذ أنشطة غير قانونية أو قدم معلومات مضللة أدت إلى أضرار. وتتعقد المسألة عندما تتداخل أسباب الخطأ أو يصعب تفسير كيفية وصول النظام إلى قراره.

وتختلف القواعد القانونية المنظمة لهذه الحالات بين الدول، بينما تستمر المناقشات في شأن ضرورة توثيق الإجراءات وتحديد الصلاحيات وضمان إمكان مراجعة القرارات الآلية. ويصبح تحديد المسؤوليات مسبقا أحد الشروط المهمة للتوسع الآمن في استخدام التكنولوجيا.

وتكشف هذه القضايا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد شأنا تقنيا يخص الشركات والمبرمجين وحدهم، بل أصبح عاملا مؤثرا في الاقتصاد والصحة والقانون والأمن والعلاقات الدولية، مع تزايد اعتماد المؤسسات والأفراد عليه في أعمالهم اليومية.

وتكمن المفارقة في أن القدرات التي تمنح التكنولوجيا قيمتها الاقتصادية والعلمية هي نفسها التي قد تزيد حجم المخاطر المرتبطة بها. فالنظام القادر على إنجاز الأعمال بسرعة قد يرتكب أخطاء يصعب اكتشافها إذا افتقر إلى الرقابة المناسبة.

ومع استمرار السباق نحو أنظمة أكثر تطورا واستقلالية، سيعتمد مستقبل الذكاء الاصطناعي على قدرة الحكومات والشركات على تطوير ضوابط فعالة، تضمن الاستفادة من إمكاناته دون التضحية بالسلامة والخصوصية وحقوق العاملين والمستخدمين.

ويبقى التحدي الأهم هو ضمان استمرار السيطرة البشرية على القرارات الحساسة، حتى عندما تصبح الآلات قادرة على تنفيذها بكفاءة أعلى. فالتقدم التكنولوجي لا يقاس بالقدرات التي تكتسبها الأنظمة وحدها، وإنما بمدى قدرة المجتمعات على توجيهها ومحاسبة المسؤولين عنها.

font change

مقالات ذات صلة