طفرة الذكاء الاصطناعي تربك انتخابات أميركا

إدارة ترمب تدفع نحو تسريع بناء مراكز البيانات، في مقابل تصاعد الضغوط على السياسيين للمطالبة بتقييد التوسع فيها

المجلة
المجلة

طفرة الذكاء الاصطناعي تربك انتخابات أميركا

تحولت مراكز البيانات التي كانت الولايات المتحدة تتباهى باستقطاب استثماراتها إلى مصدر متزايد للغضب الشعبي، بعدما أصبحت المجتمعات المحلية تواجه أسئلة صعبة في شأن استهلاك الكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف المعيشة. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، انتقل الجدل من اجتماعات المجالس البلدية إلى الحملات الانتخابية في ولايات رئيسة.

وتكشف هذه التطورات عن مفارقة سياسية واقتصادية تواجه الولايات المتحدة، التي تسابق الصين لتعزيز تفوقها في الذكاء الاصطناعي، بينما يعترض بعض مواطنيها على المنشآت اللازمة لتشغيل هذه التكنولوجيا. وفي حين تدفع إدارة الرئيس دونالد ترمب نحو تسريع بناء مراكز البيانات، تتصاعد الضغوط على سياسيين محليين للمطالبة بتقييد التوسع فيها.

ولم تعد المعارضة مقتصرة على الديمقراطيين أو الجماعات البيئية، بعدما امتدت إلى مناطق محافظة اعتادت التصويت للجمهوريين. ويعكس هذا التحول طبيعة الأزمة، إذ تتجاوز المخاوف الانتماءات الحزبية لتشمل ارتفاع فواتير الكهرباء واستهلاك الأراضي الزراعية والمياه، ومدى استفادة السكان من استثمارات ضخمة تحصل الشركات مقابلها على تسهيلات حكومية.

وتعد مراكز البيانات العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الحديث، فهي منشآت تضم آلاف الخوادم والرقائق الإلكترونية وأنظمة التخزين والاتصالات، وتعتمد عليها محركات البحث والخدمات السحابية ومنصات التواصل الاجتماعي. ومع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ازدادت الحاجة إلى قدرات حاسوبية هائلة لتدريب النماذج وتشغيلها والاستجابة لاستفسارات ملايين المستخدمين.

التفوق الأميركي

توضح البيانات حجم الهيمنة الأميركية على هذه الصناعة. فبحسب الأرقام الواردة في "مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي" لعام 2025، ضمت الولايات المتحدة نحو 5,427 مركز بيانات، مقارنة بنحو 529 مركزا في ألمانيا و449 في الصين، مما يعكس اتساع البنية التحتية الرقمية الأميركية مقارنة بالاقتصادات المنافسة.

ولا يتعلق التفوق الأميركي بعدد المنشآت وحده، بل يمتد إلى قدرتها التشغيلية. فقد أظهرت بيانات "شركة سينرجي للأبحاث" أن الولايات المتحدة استحوذت على نحو 55 في المئة من القدرة العالمية لمراكز البيانات العملاقة في نهاية 2025، ارتفاعا من 52 في المئة قبل ثلاثة أعوام، مدفوعة بالاستثمارات المتزايدة لكبرى شركات الحوسبة السحابية.

قد تتضاعف القدرة الإجمالية لمراكز البيانات الأميركية خلال ثلاثة أعوام، مع وجود مشروعات ضخمة قيد التخطيط

وتشير البيانات إلى أن هذه المراكز أصبحت عنصرا محوريا في المنافسة التكنولوجية العالمية، خصوصا مع توسع شركات مثل "أمازون" و"مايكروسوفت" و"غوغل" في إنشاء مرافق جديدة. ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على تقديم الخدمات الرقمية، بل تشمل تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تدخل تدريجيا في قطاعات الصناعة والطب والبحث العلمي والدفاع.

وتشهد السوق الأميركية توسعا استثنائيا في المشروعات الجديدة. فقد أظهرت بيانات شركة الخدمات العقارية "سي بي آر إي" أن القدرة قيد الإنشاء في أكبر ثمانية أسواق لمراكز البيانات بأميركا الشمالية بلغت نحو 7.5 جيغاواط خلال النصف الأول من 2026، بزيادة تقارب 25% مقارنة بنهاية العام السابق.

أ.ف.ب
متظاهرون يلوحون بلافتات خلال احتجاج على مستوى البلاد ضد توسيع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في إمبريال، كاليفورنيا، 18 يوليو/تموز 2026

واللافت أن أكثر من 80 في المئة من القدرة الجديدة كانت محجوزة بالفعل قبل اكتمال الإنشاءات، وهو ما يعكس قوة الطلب على المنشآت التي تستضيف أنظمة الذكاء الاصطناعي. كما يشير إلى استعداد شركات التكنولوجيا لتوقيع تعاقدات طويلة الأجل لضمان حصولها على الطاقة الحاسوبية اللازمة لمشروعاتها المستقبلية.

وتحتفظ فرجينيا الشمالية بمكانتها باعتبارها أكبر تجمع لمراكز البيانات في أميركا الشمالية، بعدما وصلت قدرتها التشغيلية إلى نحو 4.5 جيغاواط خلال النصف الأول من 2026. وتستفيد المنطقة من شبكات الألياف الضوئية المتطورة وقربها من العاصمة واشنطن، إلى جانب تمركز شركات ومؤسسات تعتمد بصورة مكثفة على الخدمات السحابية.

الطلب على الكهرباء

لكن خريطة الصناعة لم تعد تقتصر على فرجينيا. فقد أصبحت أتلانتا ودالاس وفينيكس وجهات رئيسة للاستثمارات الجديدة، بينما تتجه شركات أخرى إلى تكساس وولايات الغرب الأوسط، بحثا عن مساحات واسعة من الأراضي ومصادر كهرباء يمكنها استيعاب الطلب المتزايد الذي تفرضه المنشآت العملاقة.

وتشير تقديرات "سينرجي" الصادرة في يوليو/تموز 2026 إلى أن القدرة الإجمالية لمراكز البيانات الأميركية قد تتضاعف خلال ثلاثة أعوام، مع وجود مشروعات ضخمة قيد التخطيط. غير أن هذا النمو السريع يضع شبكات الكهرباء والمرافق المحلية أمام تحديات غير مسبوقة، خصوصا في المناطق التي تستقبل مشروعات عدة متزامنة.

وتكمن المشكلة في أن مراكز البيانات لا تحتاج إلى الكهرباء خلال ساعات العمل التقليدية فقط، بل تستهلك كميات كبيرة من الطاقة على مدار الساعة. وتعمل الخوادم والرقائق المتخصصة باستمرار، بينما تحتاج المعدات إلى أنظمة تبريد للحفاظ على درجات حرارة مناسبة، وهو ما يجعل هذه المنشآت مستهلكا رئيسا للكهرباء.

وبحسب تقرير أصدرته وزارة الطاقة الأميركية، استهلكت مراكز البيانات نحو 4.4 في المئة من إجمالي الكهرباء في الولايات المتحدة خلال 2023، مقارنة بمستويات أقل بكثير قبل عقد. وقدرت الوزارة أن حصتها قد ترتفع إلى ما بين 6.7 و12 في المئة في 2028، مع استمرار التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

يرى مراقب سوق الكهرباء الإقليمي أن الطلب المرتبط بمراكز البيانات يمثل عاملا رئيسا في ارتفاع تكاليف تأمين القدرة الكهربائية

وتعني هذه التقديرات أن مراكز البيانات قد تستحوذ خلال سنوات قليلة على جزء كبير من الزيادة في الطلب على الكهرباء. ولا تتوقف التكلفة عند تشغيل المنشآت نفسها، بل تشمل الحاجة إلى محطات توليد وخطوط نقل ومحولات جديدة، فضلا عن استثمارات إضافية لضمان استقرار الشبكات الكهربائية.

وهنا ظهر السؤال الذي غير طبيعة النقاش الأميركي وهو من يدفع ثمن هذه البنية التحتية؟ فبينما تحقق شركات التكنولوجيا عوائد من خدماتها، يخشى السكان أن تتحمل الأسر والشركات الصغيرة جزءا من تكاليف تحديث الشبكات، من خلال زيادات في فواتير الكهرباء أو الرسوم التي تفرضها شركات المرافق.

وعززت أبحاث اقتصادية هذه المخاوف. فقد وجد بحث صادر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في يونيو/حزيران 2026 أن دخول مراكز البيانات إلى مناطق خدمة شركات الكهرباء بين 2010 و2024 ارتبط بارتفاع متوسط أسعار الكهرباء بنسبة 2.7 في المئة، بينما بلغ الأثر المقدر على أسعار الكهرباء للمستهلكين المنزليين نحو 2.1 في المئة.

فواتير المستخدمين

سجل البحث تأثيرات متفاوتة بين فئات المستهلكين، إذ بلغت الزيادة المقدرة نحو 2.8 في المئة للعملاء التجاريين و4.2 في المئة للعملاء الصناعيين. وتوضح النتائج أن تكلفة النمو التكنولوجي قد تتوزع على أطراف لا تستفيد مباشرة من استثمارات مراكز البيانات، وفقا للقواعد المنظمة لتسعير الكهرباء وتمويل البنية التحتية.

وتبدو هذه القضية أكثر وضوحا في المنطقة التي تديرها شبكة الكهرباء الإقليمية "بي جيه إم" وتشمل أجزاء واسعة من شرق الولايات المتحدة ووسطها. فقد ارتفع سعر تأمين القدرة الكهربائية اللازمة لفترة الذروة من نحو 29 دولارا لكل ميغاواط يوميا لموسم 2024-2025 إلى 329 دولارا لموسم 2026-2027.

ولا تعني هذه القفزة أن فواتير المستهلكين ارتفعت بالنسبة نفسها، لأن أسعار الكهرباء النهائية تتحدد وفق عناصر متعددة. لكنها تكشف الضغوط المتزايدة على سوق الطاقة، عندما يرتفع الطلب بسرعة تفوق قدرة الشركات على إضافة محطات توليد وخطوط نقل، وهو اختلال قد ينعكس تدريجيا على الأسعار.

ويرى مراقب سوق الكهرباء الإقليمي أن الطلب المرتبط بمراكز البيانات يمثل عاملا رئيسا في ارتفاع تكاليف تأمين القدرة الكهربائية. ومع ذلك، لا يمكن تحميل هذه المنشآت المسؤولية منفردة، إذ تتأثر السوق أيضا بأسعار الوقود وإغلاق المحطات القديمة وزيادة الطلب من المصانع والسيارات الكهربائية وأنشطة أخرى.

في 23 يوليو 2025، وقع الرئيس أمرا تنفيذيا يهدف إلى تسهيل التصاريح الفيديرالية لمراكز البيانات ومشروعات الطاقة المرتبطة بها، إلى جانب إتاحة استخدام أراض حكومية مناسبة وتبسيط بعض إجراءات المراجعة البيئية

إلى جانب الكهرباء، برز استهلاك المياه باعتباره أحد مصادر الخلاف. فبعض مراكز البيانات تستخدم أنظمة تبريد تعتمد على المياه، بينما يرتبط جانب آخر من بصمتها المائية بمحطات توليد الكهرباء التي تغذيها. ويختلف حجم الاستهلاك باختلاف التكنولوجيا المستخدمة والمناخ المحلي ومصدر الطاقة.

ولا تتوافر أدلة كافية على أن مراكز البيانات ترفع أسعار المياه بصورة عامة في أنحاء الولايات المتحدة، لكن آثارها قد تكون أكبر في المناطق التي تعاني ندرة الموارد المائية. فإقامة منشأة كبيرة في منطقة جافة قد تزيد المنافسة بين الاستخدامات الصناعية والسكنية والزراعية على الإمدادات المتاحة.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثا حول "تعهد حماية دافعي الرسوم" خلال اجتماع مستدير في مقر وكالة حماية البيئة في واشنطن العاصمة، 23 يوليو/تموز 2026

وأثار وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك جدلا في الثاني من سبتمبر/أيلول 2026، عندما قال خلال مقابلة تلفزيونية إن مراكز البيانات لا تستخدم المياه، معتبرا الانتقادات الموجهة إليها دعاية تهدف إلى إبطاء التقدم الأميركي. لكن هذا التصريح يتعارض مع الأدلة التي توثق استهلاك المياه في بعض أنظمة التبريد.

ويعكس الجدل حول تصريحات لوتنيك الفجوة المتزايدة بين الخطاب الحكومي والمخاوف المحلية. فبالنسبة إلى الإدارة الأميركية، تمثل مراكز البيانات ضرورة لتعزيز القدرة التنافسية، بينما ينظر إليها بعض السكان باعتبارها منشآت صناعية ضخمة قد تستنزف الموارد وتغير طبيعة مناطقهم دون ضمان حصولهم على فوائد اقتصادية مباشرة.

واقع مختلف

تؤكد إدارة ترمب أن تسريع بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يمثل أولوية اقتصادية وأمنية. ففي 23 يوليو/تموز 2025، وقع الرئيس أمرا تنفيذيا يهدف إلى تسهيل التصاريح الفيديرالية لمراكز البيانات ومشروعات الطاقة المرتبطة بها، إلى جانب إتاحة استخدام أراض حكومية مناسبة وتبسيط بعض إجراءات المراجعة البيئية.

وشملت الإجراءات مشروعات مراكز البيانات التي تتطلب أكثر من 100 ميغاواط من الأحمال الكهربائية الجديدة، إلى جانب استثمارات أخرى مرتبطة بأشباه الموصلات ومعدات الشبكات والطاقة. وتعتبر الإدارة أن تقليص العقبات التنظيمية يساعد الشركات الأميركية في توسيع قدراتها بسرعة، في مواجهة المنافسة الصينية المتزايدة.

لكن هذه الاستراتيجيا تواجه واقعا مختلفا في المدن والمقاطعات الأميركية، حيث يتعين على المسؤولين المحليين التعامل مع اعتراضات السكان. فالمشروع الذي يبدو من واشنطن استثمارا استراتيجيا قد يظهر محليا في صورة مبان ضخمة تشغل أراضي زراعية، وتتطلب خطوط كهرباء جديدة وتؤثر في المشهد العمراني.

تجاوز الاعتراض مستوى الحملات الانتخابية إلى تحركات شعبية للمطالبة بمنح السكان دورا أكبر في الموافقة على المشروعات الصناعية الجديدة

ومن هنا بدأت المعارضة تتخذ طابعا سياسيا عابرا للانقسامات التقليدية. فبينما ينتقد بعض الديمقراطيين التأثيرات البيئية ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، يعترض جمهوريون محليون على ارتفاع تكاليف الطاقة والتوسع الصناعي في المناطق الريفية، فضلا عن التساؤلات المتعلقة باستخدام الأموال العامة لدعم الشركات العملاقة.

وبرزت ولاية أوهايو بوصفها إحدى أبرز ساحات هذا الجدل خلال الحملة الانتخابية لعام 2026. فقد جعل المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ شيرود براون مراكز البيانات قضية أساسية في منافسته مع السيناتور الجمهوري جون هوستيد، وربط انتشار هذه المنشآت بتكاليف الكهرباء والحوافز التي تحصل عليها الشركات.

واتهم براون منافسه بدعم سياسات شجعت التوسع في مراكز البيانات، بينما رفضت حملة هوستيد تحميله مسؤولية بعض الإعفاءات والحوافز الضريبية التي ينتقدها الديمقراطيون. ويعكس السجال محاولة الطرفين التعامل مع قضية اقتصادية جديدة تتداخل فيها مصالح المستثمرين واحتياجات شبكات الكهرباء ومخاوف الناخبين.

وفي بعض المجتمعات الريفية بأوهايو، تجاوز الاعتراض مستوى الحملات الانتخابية إلى تحركات شعبية للمطالبة بمنح السكان دورا أكبر في الموافقة على المشروعات الصناعية الجديدة. ويخشى معارضون أن يؤدي بيع الأراضي الزراعية إلى شركات التكنولوجيا إلى تغيير هوية مناطقهم وتقليص المساحات المخصصة للأنشطة الزراعية.

وامتد الجدل إلى ولايات أخرى مثل ميشيغان وتكساس وويسكونسن وبنسلفانيا، حيث تواجه مشروعات مراكز البيانات تدقيقا متزايدا. وأصبح بعض المرشحين يطالبون بوقف مؤقت للتوسع أو بمراجعة شروط التصاريح، بينما يركز آخرون على إلزام الشركات تحمل تكاليف الكهرباء والمرافق التي تحتاجها منشآتها.

العوائد المستقبلية

وتضع هذه التطورات الجمهوريين أمام معادلة سياسية معقدة. فمن ناحية، يدعم ترمب بناء مراكز البيانات بوصفه جزءا من استراتيجيا التفوق التكنولوجي الأميركي. ومن ناحية أخرى، يواجه بعض المرشحين الجمهوريين ناخبين محافظين يرفضون إقامة مشروعات ضخمة بالقرب من منازلهم أو يخشون انعكاساتها الاقتصادية.

أما الديمقراطيون، فيحاول بعضهم استخدام القضية لتوجيه انتقادات إلى السياسات التي تمنح شركات التكنولوجيا تسهيلات واسعة. ومع ذلك، فإن المعارضة ليست موحدة داخل الحزب، لأن الولايات التي يقودها ديمقراطيون تسعى أيضا إلى جذب استثمارات التكنولوجيا وتوفير فرص عمل جديدة وتعزيز إيراداتها الضريبية.

أ.ف.ب
أعمال بناء مركز بيانات جديد تابع لشركة "ماك دين" المتخصصة في التكنولوجيا والهندسة في مدينة أشبورن بولاية فرجينيا، 25 أغسطس/آب 2026

وتكشف هذه الانقسامات أن القضية لا تتعلق برفض التكنولوجيا في حد ذاتها، بقدر ما ترتبط بتوزيع مكاسبها وتكاليفها. فالشركات تعرض استثمارات بمليارات الدولارات ووظائف أثناء البناء وإيرادات ضريبية، بينما يسأل السكان عن عدد الوظائف الدائمة وحجم استهلاك الموارد والتكاليف التي قد تتحملها مجتمعاتهم.

وتكتسب مسألة الوظائف أهمية خاصة، لأن إنشاء مراكز البيانات يوفر فرصا في أعمال البناء والهندسة والتجهيزات الكهربائية، لكن تشغيلها بعد اكتمال الإنشاءات لا يتطلب بالضرورة أعدادا ضخمة من العاملين مقارنة بمصانع تقليدية تستخدم المساحة نفسها. ولهذا تختلف تقييمات جدواها الاقتصادية بين المجتمعات المستضيفة.

مع اقتراب انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أصبحت مراكز البيانات اختبارا لقدرة السياسيين على التوفيق بين دعم الابتكار وحماية مصالح الناخبين

ولا تقف التداعيات عند السياسة المحلية. فقد حذر ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي لمجموعة "غولدمان ساكس"، في أكتوبر/تشرين الأول 2026 من احتمالات تقلبات مرتبطة بالانتخابات تؤثر في قطاع مراكز البيانات. ويأتي ذلك مع اتساع احتياجات تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتزايد التساؤلات في شأن العوائد المستقبلية لهذه الاستثمارات.

وتواجه شركات التكنولوجيا بذلك تحديا يتجاوز توفير الرقائق والخوادم، إذ أصبحت مطالبة بإقناع المجتمعات المحلية بأن مشروعاتها لن ترفع فواتير الكهرباء بصورة غير عادلة. وقد يتطلب ذلك تمويل محطات كهرباء جديدة أو تحمل حصة أكبر من تكاليف الشبكات، فضلا عن تحسين كفاءة التبريد واستهلاك المياه.

وتطرح الأزمة أيضا أسئلة في شأن قدرة النظم التنظيمية الحالية على مواكبة السرعة التي تتوسع بها الصناعة. فالموافقات على مشروعات مراكز البيانات قد تتقدم بوتيرة أسرع من إنشاء خطوط الكهرباء ومحطات التوليد، بينما تحتاج الجهات التنظيمية إلى تقديرات دقيقة للطلب قبل تحديد الاستثمارات اللازمة وتوزيع تكاليفها.

ومع اقتراب انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أصبحت مراكز البيانات اختبارا لقدرة السياسيين على التوفيق بين دعم الابتكار وحماية مصالح الناخبين. وقد تؤثر القضية في بعض السباقات المتقاربة، وإن كان من المبكر الجزم بحجم تأثيرها مقارنة بقضايا أوسع، مثل التضخم والوظائف والرعاية الصحية.

وتكشف التجربة الأميركية عن تحد قد تواجهه دول أخرى مع توسع الذكاء الاصطناعي، وهو أن البنية التحتية الرقمية ليست منفصلة عن الاقتصاد المادي. فكل نموذج متطور يحتاج إلى الكهرباء والأراضي والمياه والاستثمارات، وتصبح طريقة توفير هذه الموارد وتوزيع تكلفتها عنصرا حاسما في تقبل المجتمعات للتكنولوجيا.

وفي النهاية، لم يعد الخلاف الأميركي يدور حول ضرورة تطوير الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما حول الثمن الذي يتعين دفعه لتحقيق هذا التطور. وبينما ترى واشنطن في مراكز البيانات طريقا إلى التفوق العالمي، يطالب سكان محليون بضمان ألا تتحول هذه الطفرة إلى أعباء إضافية على حياتهم اليومية.

font change

مقالات ذات صلة