لم تكن الحرب بداية المأساة اليمنية، بل كانت أحد الفصول، حيث احتدت الانقسامات في البلاد، لتتسلل من السياسة والهوية إلى داخل البيت الواحد. ولعل حكاية علي البخيتي تختصر جانبا من القصة، فهو الذي انتقل من موقع القريب من الحوثيين إلى موقع المعارض لهم، ليجد نفسه في مواجهة مشروع سياسي كان يوما جزءا منه. لكن التحول لم يكن سياسيا فحسب، إذ تكشف روايته عن عائلة اتخذ أبناؤها مسارات متباينة، حتى غدا الخلاف على مستقبل اليمن حاضرا في العلاقات بينهم.
ولفهم هذه الحكاية، لا بد من العودة إلى جذورها، إلى اليمن الذي تشكلت فيه تيارات سياسية وفكرية متباينة، من الزيدية التي تمتد جذورها قرونا في شمال البلاد، إلى الاشتراكية التي حكمت الجنوب بعد استقلاله عام 1967، مرورا بتيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها "الإخوان المسلمين". وبين هذه التيارات، تعاقبت الصراعات والتحالفات والانشقاقات، وظلت الأسئلة في المشهد اليمني.
في ظل هذا الانقسام، نشأ علي البخيتي في محافظة ذمار، داخل أسرة زيدية، لكنه اتجه في شبابه نحو الفكر الاشتراكي واليساري. لاحقا، قادته تحولات المشهد السياسي إلى التقارب مع الحوثيين، ليصبح أحد أهم وجوههم السياسية والإعلامية، وممثلا للجماعة في مؤتمر الحوار الوطني عام 2013 والمتحدث باسمهم فيه، وعضوا في مكتبهم السياسي، قبل أن تنقلب علاقته بالجماعة إلى خلاف انتهى بإعلانه الانشقاق عنها في يناير/كانون الثاني عام 2015.
لم يكن ذلك مجرد انتقال من موقع سياسي إلى آخر، بل محطة في مسار رجل اختبر التحولات الحادة في اليمن، من التعاطف مع جماعة رأى فيها قوة موازنة لخصومه، إلى معارضتها بعدما رأى أنها انقلبت على تعهداتها ومشروعها السياسي. وبالتوازي، كان لأشقائه رأي آخر، فقد اتخذ شقيقاه محمد وحسين مسارا مختلفا تماما، ليصبح التباين بينهم صورة مصغرة عن الانقسامات التي عصفت بالبلاد.
محطات مفصلية... كيف دربت إيران محمد البخيتي؟
بدأت إحدى المحطات المفصلية في هذه الحكاية عام 2004، مع اندلاع المواجهات بين الرئيس علي عبد الله صالح والحوثيين في صعدة. ثم جاءت احتجاجات عام 2011، فسقوط صالح من الحكم، وسيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من الصراع، تتبدل فيها التحالفات وتتعدد فيها المشاريع المتنافسة، بينما يدفع اليمنيون ثمن حرب لم تنجح التسويات المتعاقبة في وضع حد لها.

يستعيد البخيتي بدايات تشكّل وعيه السياسي، متحدثا عن نشأته في ذمار، وعن تنقله وشقيقه محمد البخيتي معا في شبابهما من "الحزب الاشتراكي" وصولا إلى لعبهما دورا قياديا في جماعة الحوثي. ورغم انطلاقهما من البيئة العائلية والحزبية نفسها، افترق الشقيقان ليصبح علي من أبرز معارضي "داعش الزيدية"، كما وصفها في حديثه مع "المجلة"، ومحمد قياديا في ميليشيا الحوثي وعضوا في مكتبها السياسي يتحدث باسمها عبر الشاشات ووسائل الإعلام. ولعلي شقيق ثالث يدعى حسين، اتخذ موقفا في الصراع اليمني إلى جانب الحوثي، وقرر أن يتبنى روايته في الإعلام ويتولى الدفاع عنها.





