تخيم غيوم كثيفة في سماء العلاقات المغربية-الأسبانية، التي تسعى الرباط ومدريد لتجاوزها بأقل الأضرار. زار الملك الأسباني فيليبي الثاني وعقيلته سبتة ومليلية في أقصى شمال المغرب، هذا الأسبوع. لكن العاهل الأسباني، الذي نادرا ما يدلي بمواقف سياسية، قال إن سبتة ومليلية تشكلان "جزءا لا يتجزأ" من أسبانيا، وشدد على ضرورة أن تحافظ أسبانيا على "علاقات حسن جوار" مع المغرب، بعد أزمة التدفق غير المسبوق للمهاجرين إلى سبتة في يوليو/تموز الماضي.
ويطالب المغرب بفتح مفاوضات سياسية بشأن مستقبل الثغرين المحتلين. واعتبرت مصادر تواصلت معها "المجلة" أن "المغاربة يدينون الزيارة الملكية ويعتبرونها استفزازية ومن دون فائدة". ودافع رئيس الحكومة الأسباني بيدرو سانشيز عن الحفاظ على علاقات جيدة مع المغرب، واعتبرها "ضرورية لتفادي مشكلات أكبر".
خصص الملك محمد السادس جزءا من خطاب افتتاح السنة التشريعية الجديدة أمام البرلمان مساء الجمعة الماضي، للحديث عن علاقات الشراكة والتعاون المغربية-الأوروبية. ووجه رسائل قوية إلى أسبانيا بشأن موضوع الهجرة غير النظامية. واعتبر السيادة المغربية خطا أحمر "لا يقبل الضغط أو التهديد أو الابتزاز".
وقد تزامن خطاب الملك مع الترتيبات التي سبقت الزيارة الأولى من نوعها للملك فيليبي السادس إلى مدينة سبتة المحتلة شمال المغرب. ما يضفي أهمية بالغة على الرسائل التي تضمنها خطاب الملك، عشية تنصيب حكومة جديدة في الرباط.
رسائل ملكية للجارة الأسبانية
قال محمد السادس: "لقد تمكنت المملكة من ترسيخ مكانتها على الصعيد الدولي، كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته.. لكن يجب أن نعترف بأن النموذج الحالي للتعاون أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك".
وأقر الملك بأن الشراكة مع أسبانيا العضو في التكتل الأوروبي "عرفت تطورات مهمة، في مختلف المجالات، بما في ذلك محاربة الهجرة غير الشرعية". لافتا إلى أن هذا التعاون يواجه اليوم، تحديات كبيرة "مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، التي تحول دون ترحيل الأطفال القصر، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية".
وانتقد الملك تصريحات بعض الأوساط السياسية والإعلامية في أسبانيا واعتبرها "تصرفات غير مسؤولة"، وقال: "إن الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز".
وكشف أن المغرب سيقدم لشركائه الأوروبيين وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية، تؤسس لتوجه جديد "يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي".
واهتمت الصحف الأسبانية بالرسائل الواردة في الخطاب المغربي، وقالت صحيفة "El País": "إن الملك محمد السادس يرفض أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز، عشية زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية"، واعتبرت أن خطاب افتتاح البرلمان المغربي أول تدخل علني للملك منذ أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة نهاية يوليو الماضي.

ونقلت الصحيفة انتقاد العاهل المغربي لتصريحات بعض الأوساط الأسبانية والإعلامية، وبعض القرارات القضائية التي تستغلها شبكات الهجرة الدولية. وذكرت صحيفة "LaVanguardia" أن تزامن الخطاب الملكي المغربي مع الاستعدادات الأسبانية للزيارة الملكية إلى سبتة ومليلية، "يضفي برأيها أهمية كبيرة على التحذير المغربي من أي ضغط أو ابتزاز".
الانتخابات الأسبانية بخلفية مغربية
يعتقد محللون أن ملف المغرب سيكون حاضراً بقوة في الانتخابات الأسبانية المقبلة نهاية الشهر المقبل، بسبب وجود علاقات متداخلة جغرافياً وتاريخياً وثقافياً وبشرياً، إضافة إلى المصالح الاقتصادية والتجارية والشراكة الجيواستراتجية في غرب المتوسط.
وستميل الجالية المغربية الكبيرة في أسبانيا للتصويت لصالح "الحزب العمالي الاشتراكي"، بينما تركز أحزاب اليمين على المخاوف من صعود نفوذ المغرب وسعيه إلى استعادة مدن سبتة ومليلية، واستغلال ازدواجية الهوية لتحويل أسبانيا إلى دولة مسلمة.


