بيدرو سانشيز... رئيس الوزراء الذي يجعل من فلسطين امتحانا لضمير أوروبا

اعترافه بدولة فلسطين تعبير عن نهج ديمقراطي اجتماعي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز يلقي خطابا خلال الاجتماع الختامي لحملة الحزب الاشتراكي الباسكي (PSE) في بلباو في 19 أبريل 2024، قبيل الانتخابات الإقليمية في إقليم الباسك

بيدرو سانشيز... رئيس الوزراء الذي يجعل من فلسطين امتحانا لضمير أوروبا

نادرا ما بدا بيدرو سانشيز سياسيا كتب له البقاء طويلا، فقد دأب خصومه على وصفه بالانتهازية، أو التهور الاستراتيجي، أو الاعتماد على تحالفات هشة. غير أن رئيس الوزراء الإسباني صار واحدا من أكثر زعماء الديمقراطية الاجتماعية ثباتا في أوروبا، بعدما تجاوز تمردا داخل حزبه، ونكسات انتخابية، واضطرابا ائتلافيا، وهجمات متواصلة من اليمين الإسباني، ولا تتحدد ملامحه السياسية بالنقاء الأيديولوجي، بقدر ما تتحدد بالغريزة، والقدرة على التكيف، وتحويل الهشاشة إلى مصدر سلطة.

وتفسر هذه الغريزة، بروز سانشيز واحدا من أكثر زعماء أوروبا الغربية جهرا بدعم الدولة الفلسطينية. ففي 28 مايو/أيار 2024، اعترفت إسبانيا بدولة فلسطين بالتنسيق مع النرويج وأيرلندا، وقدمت الخطوة بوصفها إسهاما في السلام، ودفاعا عن القانون الدولي، ورفضا للشلل الدبلوماسي. وشدد سانشيز على أن الاعتراف لا يستهدف إسرائيل، ولا يمثل تأييدا لـ"حماس"، وإنما يشكل خطوة نحو حل الدولتين القابل للتحقق.

تجاوزت فلسطين، في حسابات سانشيز، حدود الملف الخارجي التقليدي. فقد صارت اختبارا لاتساق الغرب. وحجته في ذلك واضحة: إذا كانت أوروبا تستدعي القانون الدولي للدفاع عن أوكرانيا، فلا يمكنها التخلي عن اللغة نفسها في غزة. وفي يوليو/تموز 2024، حذر من ازدواجية المعايير، مؤكدا أن تطبيق القانون الدولي لا ينبغي أن يخضع لاعتبارات الملاءمة الجيوسياسية.

لهذا الموقف جذور أعمق. فسانشيز، المولود في مدريد عام 1972، انضم إلى "حزب العمال الاشتراكي" الإسباني عام 1993. وتقدمه سيرته الرسمية بوصفه اقتصاديا، وقائدا حزبيا، ورئيسا للوزراء منذ يونيو/حزيران 2018. غير أن القصة الأبلغ، تكمن في الكيفية التي صعد بها داخل "حزب" حاول لاحقا إقصاءه.

تولى سانشيز قيادة "حزب العمال الاشتراكي" الإسباني للمرة الأولى عام 2014، في لحظة كانت الديمقراطية الاجتماعية الإسبانية تمر فيها بأزمة عميقة. فقد أنهكت الحزب تبعات الأزمة المالية، وسياسات التقشف، وتآكل الثقة بفعل قضايا الفساد، فضلا عن صعود "بوديموس"، الحزب المناهض للتقشف الذي زاحم الاشتراكيين من يسارهم. في الوقت نفسه، كان النظام الحزبي الثنائي في إسبانيا، الذي ظل لعقود قائما على التنافس بين "حزب العمال الاشتراكي" و"حزب الشعب المحافظ"، آخذا في التصدع. وبعد انتخابات 2015 و2016 التي لم تمنح أي طرف تفويضا حاسما، رفض سانشيز تمهيد الطريق أمام حكومة محافظة بقيادة ماريانو راخوي، رئيس الوزراء آنذاك وزعيم "حزب الشعب". وأثار موقفه رفضا واسعا داخل قيادة "الحزب الاشتراكي"، فانتهى به الأمر إلى الاستقالة من زعامته عام 2016، تاركا انطباعا بأنه خرج من المشهد السياسي.

لكنه لم يخرج. ففي واحدة من اللحظات الفاصلة في السياسة الإسبانية الحديثة، توجه سانشيز مباشرة إلى أعضاء الحزب، واستعاد قيادته عام 2017، عائدا بوصفه تجسيدا لتمرد قواعد الحزب على هرميته القيادية. وقد صقلت تلك التجربة أسلوبه السياسي، فهو يقدم نفسه مدافعا عن الديمقراطية في مواجهة القوى الرجعية، فيما يتحرك في الوقت نفسه بمرونة غير مألوفة.

وفي 2018، صار رئيسا للوزراء بعد حجب الثقة عن راخوي على خلفية فضيحة فساد طالت "حزب الشعب". وقد تولى منصبه بقاعدة برلمانية ضئيلة، لكنه حول الضعف إلى فرصة، ومنذ ذلك الحين، حكم عبر ترتيبات الأقلية، وصفقات الائتلاف، وحسابات برلمانية كان من شأنها أن تطيح بغيره.

لهذا الموقف جذور أعمق. فسانشيز، المولود في مدريد عام 1972، انضم إلى "حزب العمال الاشتراكي" الإسباني عام 1993. وتقدمه سيرته الرسمية بوصفه اقتصاديا، وقائدا حزبيا، ورئيسا للوزراء منذ يونيو 2018

الديمقراطية الاجتماعية عبر الائتلاف

يكمن تناقض سانشيز في أنه ديمقراطي اجتماعي أوروبي ملتزم، بينما اعتمد بقاؤه السياسي أيضا على برغماتية دفعته إلى التحالف مع أحزاب تقع خارج النطاق التقليدي لـ"حزب العمال الاشتراكي". فقد استندت حكوماته إلى دعم سومار، التحالف الانتخابي اليساري، والشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي، إلى جانب أحزاب إقليمية وداعية للاستقلال، بينها قوى كاتالونية ينظر إليها كثير من الناخبين الإسبان بريبة. وتطلبت عودته إلى السلطة عام 2023 إصدار عفو مثير للجدل عن ضالعين في مسار الاستقلال الكاتالوني الفاشل، مما فجّر اتهامات بأنه يقايض المبدأ الدستوري بالبقاء في المنصب. وهكذا غدت السانشيزية أيديولوجيا ومنهجا في آن، تمزج اللغة التقدمية بالصبر التكتيكي.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (يسار) مع ملك إسبانيا فيليبي السادس في مراسم أداء اليمين الدستورية، وذلك بعد يوم من إعادة انتخابه رئيسا للحكومة، في قصر لا زارزويلا الملكي بمدريد، في 17 نوفمبر 2023

ويمكن فهم أيديولوجيا سانشيز بوصفها ديمقراطية اجتماعية أوروبية، تأقلمت مع عصر التشرذم. فهو يؤمن بالرعاية الاجتماعية، وحماية العمل، والمساواة بين الجنسين، والتحول الأخضر، والتكامل الأوروبي، ودور أكثر فاعلية للدولة. غير أن ذلك لا يجعله مناضلا اشتراكيا بالطراز القديم. فهو سياسي تنفيذي النزعة، متمرس في الظهور التلفزيوني، ومتصالح مع لغة المؤسسات. لذلك تبدو سياسته مشبعة بلغة أخلاقية، لكنها محكومة أيضا بحساب استراتيجي، وتسعى إلى التموضع بين الكفاءة التكنوقراطية والمقاومة المناهضة للسلطوية.

فلسطين اختبارا لأوروبا

ينسجم ملف فلسطين مع هذه البنية الأيديولوجية. فقد أتاح اعتراف إسبانيا بدولة فلسطين لسانشيز أن يربط بين القانون الدولي، والمشاعر المناهضة للحرب، ومصداقية أوروبا، والهوية المتوسطية لإسبانيا، والدفاع عن الدبلوماسية متعددة الأطراف. كما منحه ساحة في السياسة الخارجية تميز مدريد عن قوى أوروبية غربية أكثر حذرا. ورأى سانشيز في تلك اللحظة، فرصة لإسبانيا كي تقود من موقع القناعة الدبلوماسية، منسقة مع أيرلندا والنرويج، ومشجعة آخرين على الاقتداء بها.

ومع استمرار الحرب في غزة، ازدادت استجابة سانشيز صرامة. فقد انضمت إسبانيا إلى قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في غزة، وقدمت إعلان تدخل في يونيو 2024. وفي 2025، ذهب سانشيز أبعد من ذلك، فأعلن تشديد الحظر على توريد السلاح إلى إسرائيل، ومنع استيراد بضائع المستوطنات غير القانونية.

وجاءت لغته قوية على نحو غير مألوف لدى زعيم في أوروبا الغربية. فقد اتهم سانشيز أوروبا بالفشل في غزة، وجادل بأن ازدواجية المعايير تهدد المكانة العالمية للغرب. ولم يكن ذلك خطابا إنسانيا وحده، وإنما حجة جيوسياسية أيضا. فمن وجهة نظره، لا تستطيع أوروبا أن تطلب من الجنوب العالمي الدفاع عن المعايير الدولية في أوكرانيا، ثم تبدو انتقائية إزاء المعاناة الفلسطينية. وتلقى هذه الحجة صدى يتجاوز إسبانيا، خصوصا في أميركا اللاتينية، والعالم العربي، وأجزاء من أفريقيا، حيث تنظر قطاعات واسعة إلى مناشدات الغرب للقواعد والحقوق من خلال ذاكرة الاستعمار، والتدخل، والإنفاذ الانتقائي.

ومع استمرار الحرب في غزة، ازدادت استجابة سانشيز صرامة. فقد انضمت إسبانيا إلى قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في غزة

الحساب الداخلي والطموح الدبلوماسي

تفسر السياسة الداخلية أيضا قوة نهج سانشيز. فقد اتسم الرأي العام الإسباني تاريخيا بتعاطف مع القضية الفلسطينية، تشكل جزئيا بفعل التوجه المتوسطي لإسبانيا والتقاليد اليسارية المناهضة للاستعمار. وداخل ائتلاف سانشيز، ضغط اليسار باتجاه تشديد الموقف من إسرائيل. وبذلك، يخدم الخط الحازم حيال فلسطين أغراضا أيديولوجية وائتلافية، فيعزز أوراق اعتماده التقدمية، ويميزه عن اليمين الإسباني.

أ.ف.ب
بيدرو سانشيز، زعيم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) والمرشح في الانتخابات العامة المقررة في 20 ديسمبر، خلال اجتماع انتخابي في ملعب فوينتي سان لويس في فالنسيا في 13 ديسمبر 2015

غير أن اختزال سياسة سانشيز تجاه فلسطين في الحساب الداخلي يظل قراءة ضيقة. فقد أظهر مرارا أنه يرى في السياسة الخارجية مسرحا تستطيع إسبانيا من خلاله التحرك بما يتجاوز وزنها التقليدي. وسعت حكومته إلى تقديم البلاد جسرا بين أوروبا وأميركا اللاتينية والمتوسط، ومدافعة عن تعددية الأطراف في زمن يتزايد فيه الاضطراب. وتتيح له فلسطين أن يقول إن إسبانيا لا تكتفي باتباع الإجماع الأوروبي، بل تسهم في تشكيله.

مخاطر الدبلوماسية الأخلاقية

تحمل هذه الدبلوماسية القائمة على القيم مخاطرها. فقد تفاعلت إسرائيل بغضب مع اعتراف إسبانيا بدولة فلسطين والإجراءات اللاحقة. ويتهم المحافظون الإسبان سانشيز بالإضرار بالعلاقات مع الحلفاء، وباستخدام السياسة الخارجية لصرف الانتباه عن فضائح داخلية. كما يجادل نقاد بأن الاتساق الأخلاقي أسهل إعلانا في الخارج منه ممارسة في الداخل، حيث تغذي التحالفات البرلمانية الهشة اتهامات بالانتهازية المؤسسية.

ولن تختفي تلك الانتقادات. فلا يزال سانشيز شخصية مستقطبة، تتجاور فيها نقاط القوة ومواطن الضعف على نحو يصعب فصله. فالمرونة ذاتها التي مكنته من إحياء "حزب العمال الاشتراكي" وإبعاد اليمين عن السلطة، تغذي أيضا اتهامات بأنه مستعد لدفع أثمان باهظة للبقاء في المنصب. وتعرضه ثقته الأخلاقية بشأن غزة لاتهامات بانتقائية السخط، بينما قد تبدو أوروبيته، في نظر خصومه، لغة فضيلة تخفي حسابا استراتيجياً.

هنا تتضح الدلالة السياسية لموقفه من الدولة الفلسطينية. فالأمر يتجاوز فعلا دبلوماسيا صادرا عن مدريد، ليكشف هوية سانشيز الأوسع: ديمقراطي اجتماعي، أوروبي النزعة، صدامي، مؤطر أخلاقيا، وبرغماتي. وقد جعل من فلسطين سؤالا يتصل بسلام الشرق الأوسط وبصورة أوروبا عن ذاتها في الوقت نفسه. وبالنسبة إلى سانشيز، يطرح هذا الملف سؤالا جوهريا: هل النظام القائم على القواعد مبدأ فعلي أم شعار للاستهلاك؟

قد لا يكون بيدرو سانشيز أنقى زعماء أوروبا أيديولوجيا، ولا أقلهم إثارة للجدل. لكنه صار واحدا من أكثرهم تعبيرا عن تحولات السياسة الأوروبية الحديثة. وتكشف تجربته كيف تعمل الديمقراطية الاجتماعية في عصر متشظ، عبر الائتلاف، والمواجهة، والحجة الأخلاقية، والمرونة المؤسسية. وفي قضية فلسطين، التقت هذه السمات كلها. وكانت النتيجة رئيس وزراء إسبانياً جعل الاعتراف بدولة فلسطين أكثر من بادرة رمزية متأخرة، وحوله إلى سمة مركزية في حضوره الدولي.

font change