استكمال حكومة الزيدي في العراق... السلاح مقابل المناصب؟

اكتملت حكومة علي الزيدي بمشاركة فصائل مسلحة أعلنت التخلي عن سلاحها، وسط تساؤلات عن مقايضة السلاح بالمناصب، وتناقض استحداث مواقع حكومية جديدة مع الأزمة الاقتصادية وضغوط حصر السلاح بيد الدولة

أ ف ب
أ ف ب
متظاهر عراقي يلوح بالعلم الوطني خلال مظاهرة ضد فساد الدولة وتدهور الخدمات العامة والبطالة، في العاصمة العراقية بغداد في 5 أكتوبر 2019

استكمال حكومة الزيدي في العراق... السلاح مقابل المناصب؟

اكتملت التشكيلة الحكومية بعد خمسة أشهر على منح الثقة لحكومة علي الزيدي، مع تأجيل التصويت على منصب النائب الرابع لرئيس الوزراء، الذي هو حصة "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، ووزارة الهجرة والمهجرين، التي هي حصة المكون المسيحي. وبذلك تكون الحكومة قد حسمت المقاعد الشاغرة وتوضحت ملامحها.

لم تكن ولادة الحكومة التاسعة التي ترأسها الزيدي ولادة طبيعية، بل كانت عملية قيصرية معقدة، لا سيما بعد تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب مباشرة برفض تكليف "الإطار التنسيقي" نوري المالكي برئاسة الوزراء، ليأتي علي الزيدي بديلاً عن المالكي بقبول وترحيب من الرئيس ترمب، الذي بارك ترشيحه وتفاخر بأنه هو من عيّنه في هذا المنصب. وتم ذلك بقبول ورضا القوى السياسية الشيعية.

وكانت بداية الحكومة تؤشر إلى ضغوط واشتراطات أميركية على اختيارات الوزراء، ورفض مشاركة جماعات السلاح داخل "الإطار التنسيقي"، وضرورة حسم سلاح الفصائل المسلحة. وأيضاً كانت الاستجابة واضحة من قوى السلاح "الإطارية" التي قبلت بتأجيل التصويت على مناصبها الوزارية. وفي مقابل ذلك، كان هناك رفض قاطع لتسليم السلاح من قبل الفصائل المسلحة. كذلك تأجل حسم بقية الوزارات بسبب الخلافات السياسية.

وبعد شهر من توليه المنصب، التقى الزيدي الرئيس ترمب في البيت الأبيض. لم يتغير شيء من الاشتراطات الأميركية الرافضة لتسلّم قوى السلاح "الإطارية" المناصب السياسية، حتى بعد إعلانها التخلي عن سلاحها في بيانات رسمية أعلنتها في بداية تشكيل الحكومة. وتم التأكيد على موعد 30 سبتمبر/أيلول لإنهاء وجود السلاح خارج سيطرة الدولة.

من مفارقات حكومة الزيدي وجود ثلاث شخصيات حكومية لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بقوائم العقوبات الأميركية


لكن يبدو أن القيود بدأت تتفكك والتوقيتات تم تأجيلها في زيارة الزيدي الثانية، في سبتمبر/أيلول، للولايات المتحدة الأميركية، على هامش حضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقائه الرئيس ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو، إذ تم ترحيل ملف حصر السلاح بيد الدولة من 30 سبتمبر/أيلول إلى 30 يونيو/حزيران 2027. وأعلن توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، إشادته بما حققه الزيدي من خطوات لحصر السلاح، والاتفاق على ترحيل التاريخ المحدد إلى منتصف العام القادم.

السلاح مقابل المناصب

بعد عودة الزيدي من الزيارة الثانية لأميركا، أصبح الحديث أكثر جدية عن استكمال تشكيل حكومته، وظهرت أيضاً تصريحات عن ذوبان جليد الرفض الأميركي لمشاركة القوى "الإطارية" التي تعمل بثنائية السلاح والسياسة. وبدأ الحديث عن استحداث مناصب وزارية جديدة لترضية القوى التي تخلت عن سلاحها، وحتى التي كان لها موقف رافض، ولكنّ لها حضورا بين أطراف "الإطار التنسيقي".

ومن ثم، تراجعت كثيراً سجالات حصر السلاح بيد الدولة وصولات محاربة الفساد في أخبار العراق، وحلّت محلها نقاشات قرار الحكومة برفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، واستكمال الكابينة الحكومية واستحداث مناصب نواب رئيس الوزراء، وكذلك وزارات جديدة، حتى صوّت البرلمان يوم الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول على الوزارات الشاغرة وثلاثة نواب لرئيس الوزراء.

رويترز
رجل يحمل راية "كتائب حزب الله" خلال تشييع عناصرها الذين قُتلوا في غارة جوية استهدفت مقراً لـ"الحشد الشعبي" بالقرب من قضاء القائم (غرب العراق) على الحدود مع سوريا

ويكون الحضور الأقوى لقوى السلاح في تشكيلة الحكومة التاسعة، إذ حصلت "عصائب أهل الحق" على منصب نائب رئيس الوزراء ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، في حين كانت حصة "كتائب سيد الشهداء" استحداث وزارة السياحة، وتكون وزارة الاقتصاد الرقمي التي تم استحداثها من نصيب "كتائب الإمام علي"، لتكون حصة فصائل "الإطار التنسيقي" التي أعلنت التخلي عن السلاح 3 وزارات من أصل 14 وزارة للشيعة، بالإضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء.

الحكومة وعقوبات "الخزانة الأميركية"

من مفارقات حكومة الزيدي وجود ثلاث شخصيات حكومية لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بقوائم العقوبات الأميركية. فالسيد رئيس الوزراء يملك "مصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار والتمويل"، وهو مشمول بعقوبات وزارة الخزانة الأميركية، وقد قرر البنك المركزي منع التعامل معه بالدولار في 2024. وكذلك في 11 سبتمبر/أيلول 2026، أصدرت وزارة الخزانة قائمة بأسماء شخصيات عراقية، من بينها اثنان من أشقاء نائب رئيس الوزراء محسن المندلاوي، الذي صوّت عليه البرلمان ضمن تشكيلة حكومة الزيدي، إلى جانب شركات وشخصيات مقربة من "كتائب حزب الله" تنشط في العراق ودولإقليمية. ووصف بيان وزارة الخزانة الأميركية الشخصيات المدرجة على قائمة العقوبات الأخيرة بأنها جزء من "شبكة إقليمية من الميليشيات المدعومة من إيران".

خارطة الشرق الأوسط تتفاعل مع صراع إرادات النفوذ والرغبة في السيطرة وتغيير توازنات القوى في المنطقة. والطبقة الحاكمة في العراق تتصارع في ما بينها على الوزارات الشاغرة في حكومة علي الزيدي


أما ليث الخزعلي، الذي صُوِّت عليه نائباً لرئيس الوزراء، فهو من الشخصيات المدرجة في قوائم عقوبات وزارة الخزانة الأميركية في 6 ديسمبر/كانون الأول 2019، بتهمة "التورط في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في العراق، تشمل المسؤولية عن قمع واستهداف المتظاهرين السلميين خلال احتجاجات 2019". وكذلك تم تصنيف الخزعلي من قبل وزارة الخارجية الأميركية ضمن فئة "الإرهابيين العالميين المصنفين". وأيضاً تم ذكر الخزعلي في بيان عقوبات وزارة الخزانة الأميركية على أنه وكيل وزير النفط السابق، والمدان بقضايا فساد بعد اعتقاله في "صولة الفجر" التي نفذتها الحكومة ضد متورطين بتهم فساد، إذ اتهم البيان إحدى الشخصيات المتورطة بالعمل مع علي معارج، وذكر أنه يعمل "مباشرة مع ليث الخزعلي المدرج سابقاً على قائمة العقوبات".

معضلة السلاح خارج الدولة

قرأت قبل أيام المقال الأسبوعي للدكتور توفيق السيف في صحيفة "الشرق الأوسط"، وكان عنوانه: "عقلك المحافظ وعقلك المتمرد". وفي سياق مناقشة فكرة المقال، عرض تبسيطاً شديداً، كما يصفه السيف، للرؤية العدمية، واختصرها بالقول: "إنه لا شيء يستحق الاهتمام، ولا شيء يستحق الغضب".

العدمية السياسية في العراق بدأت تنطق من جديد مع كل دورة انتخابية، لتصبح الانتخابات مناسبة لبقاء المجموعة الحاكمة وإعادة تقاسمها وزارات ومؤسسات الدولة. وتكون وظيفة رئيس الوزراء في هذه المنظومة تقسيم الحصص وإدارة الصفقات بين الأطراف السياسية. ومن ثم، تعود الحكومة والقوى السياسية لتحدثنا عن برنامجها لحصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفساد والإصلاح الاقتصادي.

رويترز
قيس الخزعلي، زعيم جماعة "عصائب أهل الحق"، يتحدث خلال تجمع قبيل الانتخابات البرلمانية، في بغداد، العراق، 10 أكتوبر 2025

مشكلة السلاح خارج نطاق الدولة كانت متلازمة مع كل دورة حكومية، حتى جاءت لحظة سقوط ثلاث محافظات عراقية بيد تنظيم "داعش"، ليجد السلاح مساحة واسعة لشرعنة مبررات وجوده، من "مقاومة" الأميركيين إلى مواجهة التنظيم الإرهابي. ومن ثم، أصبح السلاح يضع قدماً في الدولة، وأخرى خارجها، وينتج سردية جديدة عنوانها "الدفاع عن النظام السياسي".

قد تكون هذه التوصيفات مملة لكثرة تكرارها، لكن العراق الآن أصبح في قلب العاصفة، من دون أن يكون هناك أفق سياسي واقتصادي ينطلق من حلول جدية وواضحة المعالم. خارطة الشرق الأوسط تتفاعل مع صراع إرادات النفوذ والرغبة في السيطرة وتغيير توازنات القوى في المنطقة. والطبقة الحاكمة في العراق تتصارع في ما بينها على الوزارات الشاغرة في حكومة علي الزيدي، واستحداث مناصب نواب رئيس الوزراء، واستحداث مناصب وزارية لترضية الأطراف التي رُفع عنها الرفض الأميركي للمشاركة في الحكومة!

يمكن تخيل أن حكومة تتخذ قراراً برفع سعر صرف الدينار العراقي أمام الدولار، ويتحمل المواطن تكلفة هذا القرار، لأن الحكومة اتخذته كخيار لمواجهة أزمة نقص تمويل الرواتب، وتبحث عن موارد مالية لتعزيز رصيد الموازنة العامة. وفي الوقت ذاته، تريد استحداث أربعة نواب لرئيس الوزراء ووزارتين. ولكنها تبرر ذلك بأن نواب رئيس الوزراء سيعملون بشكل تطوعي من دون أخذ رواتب أو نفقات مالية من الدولة.

لا يوجد في قاموس النظام البرلماني ما يبرر اشتراك كل الأحزاب والكتل السياسية في الحكومة. أما تجربة النظام البرلماني في العراق، فقد أسست لنموذج سياسي جديد عنوانه "الكل في الحكومة والجميع في المعارضة"


هذا تناقض، لأن المتضرر الأول والأخير من قرار رفع سعر صرف الدولار هو المواطن العراقي، الذي سيخسر من قيمة دخله الشهري 15 في المئة، ويقابل ذلك ارتفاع في قيمة السلع والخدمات أيضاً بنسبة 15 في المئة، وذلك بسبب وجود فجوة بين سعر الصرف الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية. في المقابل، يوجه رئيس الوزراء كتاباً إلى مجلس النواب لتحديد موعد للتصويت على المرشحين لمناصب نواب رئيس مجلس الوزراء، الذين سيكونون بلا رواتب ولا تخصيصات مالية ولا تعيينات جديدة لمكاتبهم. وهنا يبدو أن الحكومة والأطراف السياسية تدرك تماماً أن الشارع يعتقد بعدم جدوى هذا الاستحداث في المناصب، في ظل وجود تخمة وترهل في الوظائف والعناوين الحكومية، ولكن تتم التغطية على ذلك بالقول إن مناصب نواب رئيس الوزراء "لن تكلف خزينة الدولة شيئاً"، وإنما هي استحقاق سياسي للقوى السياسية التي حصلت على مقاعد برلمانية في الانتخابات!

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، خلال اجتماع ثنائي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 14 يوليو 2026

المفارقة تكمن هنا، في إنتاج سرديات جديدة لتبرير هيمنة الفاعلين السياسيين على المناصب العليا في الدولة. فالحديث عن تسلّم مناصب حكومية عليا دون أن يكلف ذلك الدولة أعباء مالية هو خطاب جديد لشرعنة السيطرة على مقاليد الدولة. إذ بعد 2003، كانت القوى السياسية ترفع شعار أحقيتها في تقاسم السلطة وإدارة الدولة وترشيح قياداتها للمناصب العليا، تحت عنوان "معارضة النظام الدكتاتوري". ويأتي هذا للتغطية على حقيقة عدم قدرتها على إسقاط نظام صدام لولا التدخل العسكري الأميركي. ومن ثم، بدأت بإنتاج سردية أخرى تحت عنوان "المقاومة" للوجود الأميركي في العراق، وفيما بعد شعارات التصدي لتنظيم "داعش" وتحرير الأراضي من الإرهاب.

اليوم يُرفع شعار "العمل من دون راتب"، الذي يحمل دلالات على أن الطبقة السياسية لا تهتم بالأموال بقدر اهتمامها بخدمة الدولة والشعب، وكأنما الرواتب، وليس الفساد، هي التي أهدرت وسرقت أموال العراق منذ 2003 حتى يومنا هذا.

أيضاً، هناك مفارقة في الطرح عندما يتم الحديث عن "الاستحقاق الانتخابي"، إذ لا يوجد شيء في قاموس النظام البرلماني يبرر اشتراك كل الأحزاب والكتل السياسية في الحكومة، وأن لا تكون هناك معارضة. أما تجربة النظام البرلماني في العراق، فقد أسست لنموذج سياسي جديد عنوانه "الكل في الحكومة والجميع في المعارضة". وفي هذه التجربة أيضاً، تعجز الكتل السياسية منذ عام 2018 عن تقديم مرشحها لرئاسة الحكومة، وهي حصة القوى السياسية الشيعية تحديداً، ولكنها تتصارع على تقاسم الوزارات. لذلك نجد ثلاثة رؤساء للحكومات، هم السيد عادل عبد المهدي، والسيد الكاظمي، والسيد علي الزيدي، لم يشاركوا في الانتخابات، وليس لديهم حزب أو تكتل سياسي داخل البرلمان.

font change

مقالات ذات صلة