الخطيبي كما عرفته... وكما لم أعرفه

صداقة بدأت بكتاب مستعمل

 Getty Images
Getty Images

الخطيبي كما عرفته... وكما لم أعرفه

لم يخطر ببالي يوما، وأنا يافع، أن تربطني بعبد الكبير الخطيبي علاقة متينة ستمتد لسنوات وسيكون لها أبلغ الأثر على مساري الثقافي والفكري، كما على اهتماماتي وتوجهاتي. بل إني لم أفكر يوما أن أحكي بالتفصيل مسيرا ربطني بهذا المثقف الخصوصي لمدة طويلة امتزج فيها الاشتغال على فكره وكتاباته المتنوعة بالاشتغال معه في الإدارة وفي ترجمة كتاباته إلى اللغة العربية، لولا أن بعض الأصدقاء ألحوا علي بذلك، خاصة بعد صدور كتابي عنه منذ سنتين.

الحقيقة أن عبد اللطيف اللعبي كان، في يفاعتي، أقرب إلي فكرا وسياسة، وكنا ننتمي معا إلى التوجه اليساري نفسه، فيما كان الخطيبي، بالرغم من مواقفه المميزة، قد مزق شرنقة الدوغمائية الماركسية محافظا منها فقط على بعدها النقدي. في عام 1977 كنت قد بدأت النشر في الصفحة الثقافية الأخيرة من جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، ثم في الملحق الثقافي الأسبوعي الذي كان يشرف عليه الكاتب أحمد المديني، وكنت حينئذ في السنة الأولى من المرحلة الثانوية (القسم الخامس). وأنا أتوجه الى الجمعية المسرحية التي كنت أنتمي إليها، قاطعا المدينة القديمة كلها عبر زقاق الطالعة الكبرى أو الصغرى، الشريانين الرئيسين لمدينة فاس العتيقة.

حدث سيغير حياتي

كنت مولعا بارتياد مكتبة متخصصة في عرض الكتب المستعملة. وكانت قراءاتي باللغة الفرنسية قد بدأت منذ سنوات، أي بعد انخراطي في الشهادة الابتدائية في مكتبة ملحق المركز الثقافي الفرنسي بالبطحاء في أعالي المدينة القديمة. واستمر هذا الولع من خلال انتقائي لما يعرضه صاحب هذه المكتبة. لقد التهمت بفضله روايات باللغة الفرنسية من قبيل "لمن تدق الأجراس" لإرنست همنغواي و"زبد الأيام" لموريس فيان وأوليس (لجيمس جويس) و"اختراع موريل" لبيوي كاثريس وغيرها. وفي أحد الأيام عثرت لديه على كتاب بعنوان غريب (Vomito blanco) لكاتب مغربي هو عبد الكبير الخطيبي كنت أعرفه من قراءة ما يكتبه عنه بالعربية صديقه الكاتب عبد الرحمن تنكول.

لم أكن أدري أن هذا الحدث سوف يغير حياتي لاحقا ويقلبها رأسا على عقب، وسوف يكون مبتدأ لمقاربة حثيثة وحذرة لمفكر وكاتب مركب ومستغلق

لم أكن أدري أن هذا الحدث سوف يغير حياتي لاحقا ويقلبها رأسا على عقب، وسوف يكون مبتدأ لمقاربة حثيثة وحذرة لمفكر وكاتب مركب ومستغلق. بدأت في قراءة الكتاب فاستعصى علي فهم الكثير من تعابيره المتعرجة والملتوية، بالرغم من استعانتي بالمعجم، فلم ألبث ان نفضت منه يدي على أمل العودة إليه في وقت آخر تكون فيه فرنسيتي قد تعززت واستقامت.

غلاف "القيء الأبيض: الوعي الشقي"

في العام التالي السابق على عام البكالوريا جاء أستاذ فرنسي لتدريسنا اللغة الفرنسية. وبدا مثقفا، إذ عرفنا الى أبولينير وبودلير وبول فاليري. تحدثنا معا في أحد الأيام عن الأدباء المغاربة باللغة الفرنسية من قبيل إدريس الشرايبي والطاهر بنجلون. عبر لي الأستاذ عن محبته لروايات الشرايبي، غير أنه أخبرني بنفوره من أدب الطاهر بن جلون. والحقيقة أني لم أكن قرأت حينئذ غير بعض النتف مما ترجم آنذاك في الصحف المغربية لهذا الكاتب. فسألته إن كان يعرف عبد الكبير الخطيبي، وأمام هشة الرأس النافية أخرجت له كتاب "الحمى البيضاء" وقدمته اليه. في الحصة التالية وكانت بعد عطلة الخريف. أبدى لي الأستاذ إعجابه بأسلوب هذا الكاتب وجلب لي معه، إضافة إلى كتابي للخطيبي كتابين للطاهر بن جلون عبارة عن هدية وكأنه يتخلص منهما.

الخطيبي واللغة العربية

بالرغم من أن الخطيبي لم يكن آنذاك يخالط كثيرا كتاب المغرب المعربين ويحضر أنشطة اتحاد الكتاب، إلا أن اسمه كان كبيرا ويثري النقاش والفضول، فقد شاع في الصحف تنسيقه للعدد الخاص بالأدب المغربي من مجلة "الأزمنة الحديثة" التي كان يديرها آنذاك جان بول سارتر (1979)، كما صدرت الترجمات الأولى لبعض كتبه: "النقد المزدوج" (الذي يتضمن كتاب "الحمى البيضاء" وبعض النصوص الأخرى) لعبد السلام بن عبد العالي و"الاسم العربي الجريح" للشاعر محمد بنيس، عن "دار العودة"، ببيروت (1980)، اللذين لاقيا استقبالا واسعا من المثقفين والطلبة المتلهفين للاطلاع المباشر على فكر هذا الكاتب المثير.

Jean Blondin / REUTERS
الكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي (الثاني من اليمين) مع أعضاء لجنة تحكيم الدورة الخامسة من مهرجان مراكش الدولي للفيلم، 12 نوفمبر 2005

ومع أن محمد برادة كان أول مترجم للخطيبي، إذ نقل إلى العربية أطروحته عن "الرواية المغاربية" (التي تعتبر تأسيسا للنقد السوسيولوجي للأدب في العالم العربي)، وترجم إلى العربية عام 1980 أحد أهم كتب الخطيبي عن فن الخط، إلا أن سوء توزيع الكتابين ومحدودية نسخهما حجما من انتشارهما.

في بداية الثمانينات، وكنت حينئذ طالبا في شعبة الفلسفة بجامعة فاس، ومباشرة بعد خروج اللعبي من السجن، كلفني الإخوة في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تنظيم حدث ثقافي كبير ففكرت في دعوة عبد اللطيف اللعبي إلى إلقاء محاضرة مسائية وقراءة بعض أشعاره المترجمة إلى اللغة العربية. وقد تزامن التفكير في ذلك مع صدور العدد الأول من مجلة "المقدمة" الذي ضم نصوصا ودراسات يسارية عن الثقافة والسياسة ببلادنا للعبي ولي شخصيا ولأسماء أخرى من اليسار. كان اللعبي حينئذ قد أعلن توجهه إلى الكتابة حصرا باللغة العربية، تعبيرا منه عن تصفية للاستعمار اللغوي حتى في مجال الكتابة بلغة المستعمر، وهو القرار الذي كان اتخذه بضع سنين قبل ذلك الجزائري كاتب ياسين، ثم بعده الروائي رشيد بوجدرة الذي أصدر روايته "التفكك" بالعربية قبل أن ينشرها بالفرنسية.

Boyan Topaloff / AFP
الكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي في باريس، 6 فبراير 2005، خلال الدورة الحادية عشرة من معرض الكتاب المغاربي

كان اللعبي متمكنا من لغة الضاد، وهو ما أثبته في ما نشر من مقالات، كما في محاضرته تلك الأمسية. فبعد صدور الصيغة العربية لمؤلفه "الكتابة والأسر" الذي سهر شخصيا على تدقيقها، توجهت إلى الرباط للقائه ودعوته شخصيا الى هذه المحاضرة. استقبلني الشاعر في بيته واتفقنا على تفاصيل المحاضرة. وحين سألني عن موضوع بحث الإجازة أخبرته بأني أنوي الاشتغال على موضوع الكتابة والوجود والاختلاف لدى عبد الكبير الخطيبي لأنه أقرب إلى دراساتي الفلسفية، وأني لو كنت أدرس الأدب لكنت اخترت كتاباته هو.  عشر سنوات بعد ذلك، على هامش مؤتمر اتحاد كتاب المغرب، شكا لي عبد اللطيف اللعبي بمرارة، في جلسة خاصة جمعتني به، اهتمام الطلبة والأكاديميين بالمغرب بالانكباب على دراسة مؤلفات الخطيبي فيما تظل مؤلفاته وأشعاره خارج الإطار الأكاديمي. طمأنت صديقي بقولي إن الأمر عارض وسيأتي الوقت الذي تهتم الدراسات الجامعية بأعماله. وذلك فعلا ما كان. فقد توج الشاعر المناضل بجائزة "غونكور" عام 2009، وصارت تآليفه موضوعا للدراسات الجامعية بالعربية والفرنسية وبلغات أخرى.

توج الشاعر المناضل بجائزة "غونكور" عام 2009، وصارت تآليفه موضوعا للدراسات الجامعية بالعربية والفرنسية وبلغات أخرى

كان بحث الإجازة الذي أنجزت عام 1983 أول بحث في الجامعة المغربية عن كتابات الخطيبي الفكرية بعد بحث عن كتاباته في علم الاجتماع. وكان الأصدقاء والطلبة والمهتمون من حولي ينتظرون نسختهم منه، بالنظر إلى شح ما يكتب بالعربية عن الرجل. وقد ساعدني في الوصول إلى بعض الحوارات والنصوص المنشورة له أستاذان في الكلية وصديقان من المدينة هما رشيد بنحدو وعبد الرحمان تنكول. وبعد مناقشة البحث اضطررت إلى أن أسحب بالرونيو أكثر من 500 نسخة تبعا لطلبات الراغبين في الحصول عليه. ولو أنني لم أنتقل إلى باريس بعد ذلك بشهرين لكنت نشرته (كما أوصاني بذلك أغلب أصدقائي من المثقفين والكتاب)، في تلك الفترة، ولكان أول كتاب لي. ومن المصادفات أن هذا الحجز الزمني على هذا الكتاب، سوف يجد منفذا له عقودا بعد ذلك، في كتاب بالعنوان نفسه تقريبا، في محاورة فكرية شاملة مع فكر الخطيبي، صدرت قبل سنتين.

اللقاء الأول

كان أول لقاء لي بالخطيبي لدى محمد بنيس في 1982، حين رحت الى بيت هذا الأخير أحمل اليه رسالة دعوة لإلقاء محاضرة انتدبتني الجمعية التي كنت عضوا بمكتبها المسير لتسليمها اليه شخصيا بمدينة المحمدية. استقبلني الشاعر الصديق ببيته ولم أكن أتوقع أن أجد لديه عبد الكبير الخطيبي شخصيا. سلمت الرسالة للشاعر وأهديت اليه نسخة من مجلة "إضاءة" (وهي مجلة جامعة مطبوعة بالراقنة ومسحوبة بالرونيو)، كانت جمعيتنا "الأقنعة" تصدرها وتشمل الدراسات والنصوص الإبداعية والأشعار. وكنت مكلفا إخراجها وكتابة الأشعار بالخط المغربي.

MEHDI FEDOUACH / AFP
الكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي (أقصى اليمين) مع أعضاء لجنة تحكيم مهرجان مراكش الدولي للفيلم، برئاسة المخرج الفرنسي جان جاك أنو، خلال افتتاح الدورة الخامسة في 11 نوفمبر 2005

تناول الخطيبي المجلة وتصفحها وتوقف عند الأشعار وأشاد بخطي وبتخطيط الأشعار. ونحن نعرف أنه أصدر أحد أهم الكتب النفيسة عن الخط العربي وأعمقها وأجودها. كان الرجل هادئا ومتواضعا وصموتا مقارنة مع محمد بنيس. كانا شخصيتين متنافرتين طبعا وطابعا (الفاسي والدكالي) تجمعهما هموم الشعر والفكر والترجمة.

لم أكن أعتقد أن محمد بنيس سيكون مرة أخرى مدخلي للعلاقة بالخطيبي. بعد عودتي من الدراسة بباريس، كان علي أن أعيد ترتيب وجودي لمجاوزة قطيعة دامت أكثر من ثلاث سنوات متواصلة بالخارج. ولا أدري لماذا كانت ترجمة كتاب لجاك دريدا خيارا ممكنا لذلك. انتهيت من ترجمة كتاب "مواقع"، وكانت "دار توبقال" التي يديرها بنيس قد دعت جاك دريدا إلى مدينة فاس. حضرت المحاضرة وتحدثت إلى جاك دريدا وأخبرته بالترجمة قبل أن أخبر بها محمد بنيس الذي قبل إصدارها في "توبقال".

بدأت علاقتي تتوطد بمحمد بنيس فاقترح علي ترجمة كتاب لجوليا كريستيفا صار مثل كتاب دريدا مرجعا للباحثين والقراء. وكان الخطيبي قبل سنوات قليلة قد أنشأ لجنة لترجمة أعماله يشرف عليها محمد بنيس وتضم أسماء من قبيل المعطي قبال وعبد السلام بن عبد العالي وغيرهما. اقترح علي بنيس الالتحاق باللجنة وحضور أعمالها والمشاركة في أنشطتها. كنا نلتقي بمكتب الخطيبي الكبير في الطابق الثاني من المعهد الجامعي للبحث العلمي، ونناقش برنامج الترجمات ومكان نشرها. وهكذا أصدرنا كتابا جماعيا بعنوان "المغرب العربي وقضايا الحداثة" وأعدنا إصدار الترجمة التي قام بها بطرس الحلاق لـ"الذاكرة الموشومة" (بمراجعتي)، فيما كلفتني اللجنة ترجمة روايتين هما: "صيف في ستوكهولم"، صدرت عن "دار توبقال"، و"ثلاثية الرباط" صدرت عن "دار عكاظ". وهكذا أصبحت من غير أن أدري أنشط عضو في اللجنة...

حبه للغة العربية كان عميقا وبهيجا، من غير أن يحس إزاء هذه اللغة بعذاب الضمير. فالازدواج اللساني كما تعدده كانا لديه متعة مرحة وحظا يستثمره في اليومي كما في الكتابة والفكر

في كل لقاء للجنة، كان يدعوني الخطيبي إلى بيته أو التمشي والدردشة في شاطئ الهرهورة، القرية الشاطئية التي أصبحت مشهورة بفضله لأنه استوطنها منذ بداية السبعينات. كان دوما يسألني عن أحوالي وعن المثقفين المغاربة الذين يكتبون بالعربية، يستقصي أخبارهم وجديدهم. مرة قدمني إلى صديقه الكاتب الروائي الفرنسي المعروف كلود أوليي واقترح علي أن أترجم له رواية Marrakech Médine الصادرة عن "دار غاليمار" بتمويل من الإدارة الثقافية الفرنسية للكتاب وبمكافأة لم أكن أحلم بها، تعادل خمس مرات أجرتي الشهرية كأستاذ جامعي. ثم إنه دعاني إلى مشاركته ندوة بمدينة الجديدة (مسقط رأسه) وبمشاركة كلود أولييه عن المدينة والكتابة.

غلاف "الذاكرة الموشومة"

كانت أحاديثنا تدور عادة بالفرنسية وأحيانا بالدارجة المغربية. وبين الفينة والأخرى يسألني عن المقابل العربي لكلمة معينة لينطقها بلهجته الدكالية (البدوية) بالكثير من المتعة وببسمة مقتضبة. حبه للغة العربية كان عميقا وبهيجا، من غير أن يحس إزاء هذه اللغة بعذاب الضمير. فالازدواج اللساني كما تعدده كانا لديه متعة مرحة وحظا يستثمره في اليومي كما في الكتابة والفكر. لم يكن الخطيبي يحب الثرثرة. كان ينصت أكثر مما يتكلم. وحين يتكلم يتعتع أحيانا ويبدو كمن يبحث عن الكلمة المواتية. ويضع أصبعين على ذقنه لينطق بجملة مطروزة لها وقع جارف، كأنه نحتها من صخر. كلامه شذري مثل كتابته ، إذ إنه قد ينتقل من موضوع إلى آخر وكأنه ينشد قصيدة جاهلية لا وحدة موضوعية لها.

مكتبة الخطيبي

كانت مكتبته كلها موجودة بمكتبه بالمعهد الذي التحق به منذ تخرجه من السوربون في عام 1964. وهو يشتغل في غالب الأحيان بها، ونادرا في مكتبه الصغير ببيته، الذي يوجد في الطابق الأول في مواجهة الشاطئ الصخري والمحيط. وفي أحد الأيام وبينما نحن نتحدث في مكتبه، لاحظت أن المكتبة تعمها الفوضى. كان الوقت صيفا. فاقترحت عليه تنظيم مكتبته بشكل يسهل عليه العثور على الكتاب الذي بحث عنه. كانت تلك المكتبة تمارس علي جاذبية غريبة، فبها كتب كنت أحلم بقراءتها من زمن، والبعض الآخر يستلزمه بحث دكتوراه الدولة الذي كنت في صدد إنجازه.

 JOEL ROBINE / AFP
الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في منزله في ريس أورانجيس قرب باريس، 6 يناير 2001

وللتمكن من هذه المهمة التي قبلها الخطيبي بفرح وامتنان، قضيت شهرا كاملا في ترتيب الكتب. بعضها كان إهداء من مثقفين كبار كرولان بارت وجاك دريدا. لم تكن المكتبة كبيرة لكنها شاملة وغنية. فالخطيبي يشتغل بطريقة موجهة وانتقائية ويقرأ كثيرا حين يكتب. ويستشير كثيرا أصدقاءه من التخصصات كافة. كانت متعة مزدوجة، متعة الدخول إلى عالم الخطيبي الثقافي ومتعة قراءة بعض الكتب النادرة ونسخها.

يشتغل الخطيبي بطريقة موجهة وانتقائية ويقرأ كثيرا حين يكتب. ويستشير كثيرا أصدقاءه من التخصصات كافة

صيف 1994. تلقى الخطيبي إشعارا بتعيينه المرتقب مديرا للمعهد الجامعي للبحث العلمي الذي يشتغل به، خلفا للمؤرخ والديبلوماسي المعروف عبد الهادي التازي، الذي كان قد حول المعهد إلى بيته الثاني، وإلى ممول لطبع موسوعاته وكتبه التاريخية. لم يكن الرجل يمارس مهامه كمدير ولا يهمه إشعاع المعهد أو إنتاجه العلمي. كان الخطيبي يعلم أني أتنقل بين الرباط والمحمدية (على بعد 60 كيلومترا) للقيام بعملي التدريسي، وأني أدرس مواد لا علاقة لها بتكويني ومؤهلاتي. وحين أخبرني بقرب تعيينه مديرا سألني إن كنت مستعدا لمصاحبته هذه المهمة ككاتب عام للمعهد. قبلت الاقتراح، لأنه كان سيعفيني من التنقل للتدريس من الرباط إلى المحمدية، ومن تدريس مواد نافلة كالنحو والبلاغة، ولأنه كان سيقربني من عائلتي الصغيرة ومن عالم الخطيبي.

وهكذا بدأت رحلة معايشة يومية عن قرب ستكون في حاجة إلى حكاية أخرى.

font change

مقالات ذات صلة