يقيم المفكر المغربي نور الدين أفاية في كتابه "معرفة الصورة: في الفكر البصري، المتخيل، والسينما" بناء نظريا محكم الأسس يعيد من خلاله تعريف العلاقة بين الإنسان والصورة، وبين المعرفة والمرئي، واضعا سؤال الصورة في قلب الإشكالية الفلسفية المعاصرة، ليثبت أن الصورة تجاوزت منذ أمد بعيد وظيفتها التمثيلية الكلاسيكية، إذ غدت بنية معرفية مستقلة تشارك في إنتاج الفكر وتعيد تشكيل الإدراك وتنظم العلاقة بين الفرد والعالم والمتخيل، "فالصورة لا توجد إلا من أجل أن تكون موضوع رؤية من طرف متلق له وضع اجتماعي، ويخضع لشروط ثقافية وتاريخية".
ينطلق الكتاب من مساءلة التراكمات النظرية الغربية في فلسفة الصورة وفلسفة الإدراك، وتتجاوزها نحو إعادة صياغة تأخذ في الاعتبار خصوصية السياق الراهن وتحولاته البصرية، إذ، كما يؤكد أفاية، "لا مجال للحديث عن رؤية بريئة للصورة".
مقولة الوجود
أسس الفكر الفلسفي منذ بداياته الإغريقية اشتغاله داخل أفق تهيمن عليه مقولة الوجود بوصفها المسألة المؤسسة للمعرفة، إذ انصبت جهود المفكرين على رسم علاقة التطابق أو التمثيل بين العقل والعالم، وعلى افتراض حقيقة ثابتة تقع خلف ظواهر الحس تكون مهمة الفكر الانتقال إليها من سطح الحس نحو عمق المعقول، ومن ثم "فالتبرم من الإدراك والشك"، كما يخبرنا أفاية، "في إمكانية بناء معرفة يقينية انطلاقا من معطياته، هو ما يبرر ابتعاد ديكارت عن جعل الإدراك أداة للوصول إلى الحقيقة".
غير أن الفكر الحديث حوّل هذا البناء الكلاسيكي تحويلا جوهريا حين أزاح مركز الثقل من الوجود الخارجي إلى الذات الواعية، فغدا الوجود موضوعا يتشكل داخل الوعي، والإدراك فعلا تركيبيا تشترك فيه البنى القبلية للعقل والمعطيات الحسية معا في إنتاج التجربة.





