امرؤ القص أحمد بوزفور

امرؤ القص أحمد بوزفور

استمع إلى المقال دقيقة

طالما ردد الكاتب المغربي أحمد بوزفور في حوارات مقتضبة بأن بلدته البكر "تازة" هي أمه، وكازابلانكا هي حبيبته. وكأن "الكوجيتو" المعلق على باب مطبخه، هو: كلما جنح إلى تازة، في تخييل قصصه، استيقظ الطفل في داخله، وانزاح أكثر بذاكرته ووجدانه نحو منطقة الشاعر الذي كانه، أو حلم أن يكونه بالأحرى. بالمقابل كلما جنح إلى الدار البيضاء، استيقظ القاص المهووس باللعب، وانزاح ببصيرته وخياله وتجارب يومياته نحو منطقة القصة القصيرة، منطقة السديم الذي يفصل بين الحلم والواقع.

لا يحتاج الأمر إلى إمعان في النظر والتفكير، في ذاكرة التخييل المنذور للسرد المكثف، قطعا، عرفنا الدار البيضاء من داخل قيعان غابتها أو هاويتها المفزعة، في قصص محمد زفزاف وقصص إدريس الخوري على نحو خاص كما لم نعرفها من قبل، إلى درجة أمست ملازمة لاسميهما، وليس فقط تخييل سرودهما، بالذات ما يتعلق بهامشها المرعب، ودستوبيتها الدامغة.

ولكن بيضاء أخرى استطاعت أن تزاحم صور كازابلانكا سالفة الذكر عند زفزاف والخوري، ستبزغ بملء ألق سوداويتها في قصص كاتب مغاير لافت، سرعان ما استأثر بانتباه الراسخين في علم السرد المكثف، ما إن نشر قصة قصيرة لأول مرة تحت عنوان "يسألونك عن القتل" (1971)، وصدرت لاحقا ضمن مجموعته القصصية البكر "النظر في الوجه العزيز" (1983)، فكانت قصصه القصيرة الأثيرة هذه، بمثابة رياح سحرية هبت على حقل السرد المغربي، وأحدثت فيه هسيس موسيقى فاتنة، غير مألوفة، أبدية الصدى، خالدة الأثر، وذلك بعد تعاقب عملين قصصيين غائري البصمة الإبداعية، هما: "الغابر الظاهر" (1987)، و"صياد النعام" (1993). ليأخذ القاص المريب مسافة حكيمة حد خلناه اعتزل الكتابة نشرا، واحترفها صمتا، إلى أن تكرم على قرائه بأربعة أعمال قصصية، بعد تعفف سردي صوفي بما يقتضيه زهد الحضور العلني، لا الزهد الفني، هي "ققنس" في 2002 و"قالت نملة" في 2010 و"النافذة إلى الداخل" في 2013، وأخيرا "إني رأيتكما معا" في 2020.

جزمنا أن كازابلانكا أخرى، ستباغتنا في تخييل قصص أحمد بوزفور على نحو رمزي، ذات صور مختلفة في حدتها، وأعتى اختلافا في نصوص مخاتلة معدودة، ضالعة في تقشف العبارة لا تقشف الجمال، وهذا الأخير أي الجمال الخالص هو نسغها المحقق.

تباغتنا كازابلانكا في تخييل قصص أحمد بوزفور على نحو رمزي، ذات صور مختلفة في حدتها، وأعتى اختلافا في نصوص مخاتلة معدودة، ضالعة في تقشف العبارة لا تقشف الجمال

ولأن "تازة" هي مرتع الطفولة واليفاعة التي مهرته كشاعر، في حين كازابلانكا هي مرتع العمل والكتابة، التي مهرته كقاص، ففتى ربوع "تازة" الذهبي، الذي التحق بالدار البيضاء عام 1970 كأستاذ للشعر الجاهلي في كلية الآداب بعين الشق، سيطلق في سماء بيدائها صيحة كتاب "تأبط شعرا" عام 1990. ما تأبط في واقع الأمر إلا "كويزته" كما يناديها تحبيبا في إحدى قصصه، أو كازابلانكا هي التي تأبطته بالأحرى، على سبيل المجاز.

ما أن تبزغ صورة أحمد بوزفور كشاعر جاهلي، أو حينما يشتبك الشعر الجاهلي بالقصة القصيرة في تركيب اسمه، فعلامة امرئ القص ما يبرق في المخيلة، وأما كنيته فقرينة للماء بمعنى من المعاني في الشق العربي، إذ الزفر هو القربة، والزفر هو النهر وفير الماء، دون استبعاد طيف البوسفور أشهر المعابر المائية الذي عرف قديما في التراث الحكائي اليوناني بأسطورة الحسناء "آيو" التي فتن بها كبير الآلهة زيوس، فحولها إلى بقرة بيضاء حماية لها من غيرة زوجته هيرا، هذه التي ستعاقبها بذبابة الخيل حتى تصيبها بالجنون، وهربا من جحيم العقاب لاذت البقرة البيضاء بالفرار وعبرت من أوروبا إلى آسيا عبر هذا الممر المائي الذي سمي باسمها تخليدا، ويملي عليها بروميثيوس حالما التقته في القوقاز، طريقة خلاصها في نيل مصر كي تسترجع أصلها الإنساني.

وسواء قُدِّرَ للاسم أن يرتبط بماء القربة أو النهر أو أمواج معبر البقرة البيضاء، فالأدهى في معدن تسمية «بوزفور» هما حرفا «بو» اللذان يثيران في أعشاب الذاكرة الأدبية أزيز يعاسيب تهجس بأسماء لاسعة كـ: شارل «بو»دلير، إدغار آلان «بو»، خورخي «بو» رخيس، ألكسندر «بو»شكين، ألكسيفيتش «بو»نين، شارلز «بو»كوفسكي، «بو»هوميل هرابال... ويغدو التركيب المضاعف على سبيل لعبة الدمج: إدغار آلان بوزفور، كمثال وقس على ذلك.

هل من المصادفة أن يكون المشترك بين عنوان العمل القصصي الأول "النظر في الوجه العزيز"، وعنوان العمل القصصي الأخير "إني رأيتكما معا"، هما النظر، الرؤية، مما يوجز آثار التجربة القصصية الكاملة، ببداية ممهورة بالنظر، ونهاية ممهورة بالرؤية، وكلاهما من عمل العين، سيان كان النظر أو الرؤية، إما عبر عين الخيال أو عين الحلم، أو عين الواقع، أو عين السينما، هي في المحصلة عين القاص المنذورة للنظر والرؤية من عين الإبرة، إلى لانهائية الخارج والداخل معا.

سبعة أعمال قصصية هي محصلة آثار أحمد بوزفور التي أراد لها أن توجز في هذا الرقم السحري، وأما القصص القصيرة التي تتوزع هذا الأرخبيل السردي المكون من سبع جزر هو سندبادها بامتياز، فعددها 94، بدءا بـ"يسألونك عن القتل"، وانتهاء بـ"الطاغية".

94 درسا قصصيا عن هشاشة الجمال العاتية، عن الصمت والموسيقى، عن إيقاع الماء ورهبة الموت، عن الطفولة الموشومة ورعويات "تازة"

كأنها 94 زهرة في مشموم بستاني الأحلام أحمد بوزفور، المشموم المقلم بفائق العناية الجمالية المهدى إلى تاريخ القصة القصيرة، بقدر ما هو مهدى إلى القراء، وهي في الآن ذاته 94 درسا قصصيا عن هشاشة الجمال العاتية، عن الصمت والموسيقى، عن إيقاع الماء ورهبة الموت، عن الطفولة الموشومة ورعويات "تازة"، عن الصبية الخالدة "زهرة"، عن خرائب الدار البيضاء، عن حافة الحياة التي تطل على هاوية كبئر شطون، عن اللعب، ثم عن الشاعر الذي توزع دمه بين القصص القصيرة.

font change