أزمنة الحوثي وأزمته في الشرعية

أزمنة الحوثي وأزمته في الشرعية

استدعى السيد عبد الملك الحوثي لنفسه حقاً في حكم اليمن، استناداً إلى إرث الإمامة، وهو تناقض واضح وجلي مع مسألة الدولة الحديثة، التي أرادها اليمنيون عندما اختاروا الجمهورية طريقاً للأمام والتقدم، مع أنهم في هذه أيضا تعثروا. وبالتالي، واجه هيكل السلطة الذي استدعاه الحوثي أزمتي هوية؛ الأولى داخلية، عندما حاول تبني مظاهر الجمهورية مع التمسك ببنية الحكم الدينية السلاليّة الشكل والمضمون. وتمثلت الأزمة الثانية بتعذر الاعتراف الدولي به.

ولأن ذلك لم يتحصل للحوثي لنيل شرعية البقاء، فقد اختار مواجهة انعدام الاعتراف الدولي والدبلوماسي به، وفقدان الإجماع الداخلي عليه، بالرغم من سيطرته على العاصمة صنعاء منذ عام 2014، إلى فرض سلطة الأمر الواقع، وهو ما لم ينجح به، بحيث يدفع الحكومات والمنظمات الدولية للتعامل معه كسلطة مكتسبة للشرعية، إذ ظلّ يحظى بوصفه أمير جماعة متمردة قادمة في فكرها من أزمنة غابرة.

ولكي تُكرس السلطة الغالبة المتمردة مكانتها في المجتمع، وفي الإقليم، عَمدت إلى الاعتماد على القوة الأمنية في مواجهة السخط الشعبي جراء غلبتها على مصائر اليمن، كما سعت إلى إضفاء هيمنتها على مياه البحر ومضيق باب المندب، واستهداف دول الجوار وبالأخص المملكة العربية السعودية، في محاولة تكريس واقع يمني وإقليمي يضمن الاعتراف به.

لكن سلطة الأمر الواقع (facto De) غير المعترف بها يمنياً وإقليمياً ودولياً، مع أنها تسيطر على صنعاء وحوالي ثلث مساحة اليمن وتتحكم بملفات مدنية مثل الجباية والضرائب لقرابة 50 في المئة من سكان البلاد، فإنها فشلت في فهم معنى إدارة الدولة وفشلت في تطوير إدارة حكم يقبل بها كل أهل اليمن، واختارت الصيغة الماضوية والولائية المطلقة لإيران.

ذات السلطة (الأمر الواقع) الحوثية، بنت هيكلتها التنفيذية بناء على نمط سلطوي ثيوقراطي يمنح الزعيم الممتدة سيرته لأزمنة قديمة قدسية مطلقة وولاية كاملة على غرار الولي الفقيه في إيران، إذ يستمد الحوثي سلطته المطلقة من منطلقات أيديولوجية وبنية ترتكز على الحق الإلهي في الحكم، وهو منطق يعود ويصح للقرون الوسطى، في حين أن اليمنيين بحاجة اليوم لمؤسسات وقانون مكتوب يحكمهم، ونخبة تبني وتؤسس لبيروقراطية وطنية ناضجة تتبع أفضل السبل في الأداء المؤسسي.

في التاريخ اليمني عِبرٌ ودروس للحوثي، فبين عام 1948 حيث الثورة الدستورية، وصولا إلى حرب الشمال الأهلية بين عامي 1962-1970 جرت أربع محاولات لتفكيك السلطة الإمامية، وانتهى الأمر بإخراجها من تاريخ اليمن المعاصر

ولأن الحوثي مدرك أن مكانته السياسية كقائد موحد لشعبة ضعيفة وصعبة التحقق، وأن البعد الديني لا يمنحه الشرعية، كما أن هامش الحركة له ضعيف نحو الاتجاه بالمجتمع إلى دولة المؤسسات والتنمية التي تنقذ اليمن من الفوات التاريخي الذي حل به، فقد كان هو وجماعته أوفياء لتطبيق الوصفة الإيرانية الممنوحة لـ"حزب الله" أيضاً في لبنان، ولكل من دار في فلك حوزة قُم وملاليها، نحو عسكرة المجتمع والاقتصاد، إذ تدمج الجماعة بين إدارة الدولة كحكومة وإدارتها كميليشيا مسلحة وتنظيم ديني مع تسخير كل المجهود الجبائي المالي نحو العسكرة والتسلح، وبالتالي لدينا في اليمن حسب تعبير ماكس فيبر "محاربون من أجل الغنيمة".

لكن اليمن المغلوب على أمره، يبدو أنه لم يكفِ السيد الحوثي، إذ إنه كائن مستغلب بالاستيلاء على مصائر أمته، كان بحاجة لإسناد خارجي وطرف يعينه على البقاء، فكان الارتباط الإقليمي لسلطته ضمن ما يعرف بـ"محور المقاومة" الذي ترعاه وتدعمه إيران، والتي استفادت من تفعيل الحوثي كأداة تابعة لها.

ولكي يعزز الحوثي تموضعه الداخلي، لجأ إلى قمع المعارضة، وفرض الرقابة الصارمة على الفضاء العام وقمع أي صوت منتقد له أو معارض، وهذا ما طال الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، وهي عودة لسلطة الإمامة الأولى التي حجبت عن اليمن كل ملامح المعرفة والحداثة وانتهت بثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962.

هذا كله، إلى جانب تعزيز سلطة أمير الغلبة، بحضور مبدأ الولاء العائلي الذي يدير الدولة بمنطق العشيرة، فمجلس الجهاد والشبكات العائلية والمقربين هم أهل الحظوة والغنائم، وهم أهل النفوذ والقرار الفعلي الذي هيمن على اليمن منذ تغلب الحوثي على السلطة ووصولا إلى لحظة العدوان الراهن على المملكة العربية السعودية.

ولا سبيل للخلاص من سلطة الغلبة الحوثية، إلا بتحرير البلاد منها، بتوحيد القوى اليمنية المناهضة له، وتفعيل الحظر البحري الدقيق، وعزل الحوثيين مالياً، ودعم الشرعية وقواها الوطنية، وتحسين النموذج الاقتصادي في مناطق الشرعية في الجنوب، والاستثمار بوعي المجتمع، وفك الارتباط المتبقي بين "حزب المؤتمر الشعبي العام" (جناح صنعاء) وبين الجماعة.

في التاريخ اليمني عِبرٌ ودروس للحوثي، فبين عام 1948 حيث الثورة الدستورية، وصولا إلى حرب الشمال الأهلية بين عامي 1962-1970 جرت أربع محاولات لتفكيك السلطة الإمامية، وانتهى الأمر بإخراجها من تاريخ اليمن المعاصر.

واليوم، على الحوثي الإدراك بأن البقاء في الهيمنة على الشمال اليمني منذ 2014 لم يكن بقاء اختيار شعبي، بل بقاء غلبة، لم تتوفر اللحظة المناسبة للخلاص منه؛ بسبب تعقيدات حقبة ما بعد الربيع العربي، ولعل عملية فجر اليمن الدائرة اليوم، تقود اليمنيين إلى زمن جديد ودولة ناجزة، وحياة بعيدة عن الماضوية والحق السلالي في الحكم، حياة طريقها يكمن في السيادة الكاملة للدولة في قراري الحرب والسلم، والمؤسسات الفاعلة، وتفعيل سلطة نفاذ القانون والتنمية للجميع.

font change