قانون جديد للتعبئة... هل تستعد الصين لحرب وشيكة؟

حلقة جديدة في مسار بدأ منذ وصول شي جينبينغ إلى السلطة لتوسيع مفهوم الأمن القومي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
عناصر من الجيش الصيني يحملون أعلاماً خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين للانتصار على اليابان ونهاية الحرب العالمية الثانية، في ساحة تيانانمن ببكين، في 3 سبتمبر 2025

قانون جديد للتعبئة... هل تستعد الصين لحرب وشيكة؟

قبل نحو أسبوع من دخول القانون المعدّل للتعبئة الدفاعية الوطنية في الصين حيز التنفيذ، شدّد المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية العقيد جيانغ بين، على ضرورة عدم المبالغة في تأويل الخطوة، في رد على محاولات ربط التشريع بتطورات في تايوان، أو باحتمالات اندلاع مواجهة عسكرية أوسع.

وأوضح المتحدث أن تعديل القانون، الذي ينظّم انتقال الدولة من السلم إلى التعبئة الدفاعية، جاء لمواكبة التغييرات، مؤكداً التزام الصين بنهجها العسكري الصيني القائم على الدفاع عن النفس، والرد بعد التعرّض للهجوم، في إطار "الدفاع النشط"، وهو مفهوم يعود إلى حقبة ماو، ويستند إلى مبدأ عدم المبادرة بالهجوم، مع الاحتفاظ بحق الرد.

والقانون الجديد الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من أكتوبر الجاري بعد أن أقرته اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب، ووقعه الرئيس شي جيبنيغ في أغسطس 2026، يضع إطاراً تشريعيّاً لتوسيع قدرة الصين على حشد مواردها العسكرية والمدنية في حالات الطوارئ والصراع، وربط الجاهزية الدفاعية بمختلف قطاعات الدولة، بما يعزز قدرتها على خوض حرب طويلة الأمد.

ما أبرز التعديلات؟

يمنح القانون الجديد السلطات صلاحيات أوسع لاستخدام الأصول المدنية والخاصة، بما فيها الاستيلاء عليها وفقاً للشروط القانونية، لدعم المجهود العسكري في أوقات الأزمات. كما يُلزم قطاعات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والاتصالات ومعالجة البيانات والقدرات الحاسوبية بالمساهمة في التعبئة الدفاعية، تطبيقاً لمبدأ "الدمج العسكري-المدني".

وتفرض التعديلات على الهيئات العسكرية والحكومية تقييم جاهزية سلاسل الإمداد الدفاعية وأمنها بصورة مستمرة، للحد من الاعتماد على الخارج، وتعزيز القدرة على الصمود في الحروب الطويلة. كذلك، تُدرج المتطلبات الدفاعية في تخطيط مشروعات البنية التحتية وتصميمها وبنائها وصيانتها، وتُنشئ منظومة لدعم التعبئة بالبيانات، مع إدراج البيانات والبرمجيات ضمن الموارد المرتبطة بالاستعداد الدفاعي.

لكن التعديل الأبرز يتمثل في توسيع مبررات التعبئة لتشمل "مصالح التنمية الوطنية"، إلى جانب الاعتبارات المرتبطة بالسيادة ووحدة الأراضي. ويرى مراقبون أن هذه الصياغة توسّع هامش تحرك بكين قانونياً، إذ قد تتيح الاستناد إليها في ملفات إقليمية حساسة، مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي.

شي ومسار "الأمننة"

يشكّل القانون المعدّل حلقة جديدة في مسار بدأ منذ وصول شي جينبينغ إلى السلطة لتوسيع مفهوم الأمن القومي، وربط الدفاع بالتنمية والاقتصاد والتكنولوجيا، في إطار ما يصفه بعض الباحثين بـ"الأمننة الشاملة".

تمثل تايوان أخطر بؤر التوتر القابلة لإشعال مواجهة عسكرية أميركية-صينية. وبحسب تقديرات أميركية نشرت هذا الشهر، تراجعت احتمالات لجوء بكين إلى القوة ضد الجزيرة قبل العام 2028

ففي 2014، أنشأت بكين لجنة الأمن القومي المركزية، وكرّست مفهوم "الأمن القومي الشامل"، الذي يمتد إلى المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتكنولوجية. وفي العام التالي، أُقر قانون الأمن القومي، بالتزامن مع إعادة هيكلة جيش التحرير الشعبي، وإنشاء خمسة مسارح عمليات مشتركة، وتعزيز دور اللجنة العسكرية المركزية. ثم أُقر قانونا الأمن السيبراني والاستخبارات الوطنية في 2016 و2017، وعُدّل قانون الدفاع الوطني في 2020 لتوسيع المجالات المرتبطة بمهام الدفاع، قبل مراجعة قانونَي مكافحة التجسس وأسرار الدولة في 2023 و2024.

عسكرياً، أعادت الصين تنظيم جيش التحرير الشعبي في أبريل/نيسان 2024، فأنشَأت قوةَ دعم المعلومات، وأعادتْ توزيع مهام مرتبطة بالفضاء الإلكتروني والخارجي والدعم اللوجستي لتطوير القيادة والقدرات القتالية. وفي يوليو من العام نفسه، دعا قرار للحزب الشيوعي إلى تطوير منظومة التعبئة الدفاعية وتعزيز التكامل العسكري-المدني. وفي مايو/أيار 2025، عرضت الورقة البيضاء "الأمن القومي الصيني في العصر الجديد" رؤية بكين لتحديث منظومة الأمن القومي.

من النهوض السلمي إلى "فخ ثوسيديديس"

لم يقتصر التحول الصيني على التشريعات والإصلاحات العسكرية، بل انعكس أيضا في الخطاب السياسي، من خلال مفهوم "التغييرات الكبرى التي لم يشهدها العام منذ قرن" والتحوّل من مبدأ "النهوض السلمي" إلى مفهوم "فخ ثوسيديديس" في توصيف العلاقة بين القوى الكبرى.

رويترز
سفينة تابعة لخفر السواحل الصيني تظهر في الأفق عبر عدسة تلسكوبية في جزيرة تيتو التي تحتلها الفلبين في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، 21 فبراير 2026

ففي ديسمبر/كانون الأول 2017، خلال لقاء مع الدبلوماسيين الصينيين في الخارج، استخدم شي جينبينغ علناً للمرة الأولى عبارة "تغيرات كبرى لم يشهدها العالم منذ قرن"، التي تحولت لاحقاً إلى أحد المفاهيم المحورية في خطابه.

وعلى مدى السنوات التالية، ربط شي هذه التحولات بتصاعد الأحادية والحمائية، وتراجع العولمة الاقتصادية، وعودة عقلية الحرب الباردة وسياسة التكتلات، واتساع العجز في مجالات السلام، والتنمية، والثقة، والحوكمة.

في كلمته أمام قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان في سبتمبر/أيلول 2026، أضاف شي إلى تلك التحولات خطر عودة "شبح الحرب"، في مؤشر إلى تنامي المخاوف الصينية من احتمالات الصراع المسلح.

ويظهر تحول آخر في الخطاب الصيني من خلال تراجع مفهوم "النهوض السلمي"، الذي روّج له رئيس الوزراء الصيني ون جيا باو، في خطاب ألقاه بجامعة هارفارد عام 2003، لطمأنة الدول الأخرى إلى أن صعود الصين لن يسلك مسار القوى الكبرى التي توسعت بالحرب والهيمنة. وعلى الرغم من استمرار تداول المصطلح في الأوساط الأكاديمية والإعلامية خلال العقد التالي، سرعان ما حلّ مفهوم "التنمية السلمية" محلّه في الخطاب الرسمي الصيني. لكن المفارقة ليست في سقوطه السريع، بل في استخدام شي المتكرر لمفهوم "فخ ثوسيديديس" في توصيف العلاقة بين واشنطن وبكين.

ويعود هذا المفهوم إلى المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديديس، الذي ربط اندلاع الحرب بين أثينا وإسبرطة بصعود أثينا، والخوف الذي أثاره هذا الصعود لدى إسبرطة. وفي قِمتَي بكين في مايو، وواشنطن في سبتمبر، شدَّدَ شي على إمكان تجاوز هذا الفخ، في إقرار ضمني بأن صعود الصين بات يضع العلاقة بين القوتين أمام خطر المواجهة.

تايوان نقطة الانكسار

وقد انعكست التحولات الدولية على البيئة الأمنية الإقليمية. وفي هذا السياق، تمثل تايوان أخطر بؤر التوتر القابلة لإشعال مواجهة عسكرية أميركية-صينية. وبحسب تقديرات أميركية نشرت هذا الشهر، تراجعت احتمالات لجوء بكين إلى القوة ضد الجزيرة قبل العام 2028، نتيجة تأخر بعض جوانب الجاهزية العسكرية بسبب حملة مكافحة الفساد، وترقّب نتائج الانتخابات التايوانية في العام نفسه، واحتمال فوز الانفصاليين بولاية جديدة. وفي المقابل، تثير السياسة الخارجية الأميركية الحالية تساؤلات بشأن مدى استمرار التزام واشنطن بأمن الجزيرة، وما إذا كانت مستعدة بعد لخوض حرب مباشرة مع الصين دفاعاً عنها، في مواجهة قد تتطور إلى صراع نووي.

في مقابل تصاعد التوتر مع طوكيو، تشهد العلاقات الصينية مع سيول ونيودلهي مؤشرات على انفراج نسبي، في تحوّلٍ قد يساعد بكين على تخفيف الضغوط الاستراتيجية في محيطها الإقليمي

ويرى بعض المراقبين أن الغموض المحيط بالموقف الأميركي قد يشجع بكين على تسريع استعداداتها العسكرية، بهدف حسم أي مواجهة محتملة، قبل أن تتمكن الولايات المتحدة وحلفاؤها من التدخل.

رويترز
عناصر من الجيش التايواني يجرون تدريبا على فرض حصار فوق جسر "دانجيانغ"، وذلك ضمن مناورات "هان كوانغ" العسكرية السنوية في مدينة تايبيه الجديدة، تايوان، في 6 أغسطس 2026

وخلال العام الجاري، واصلت بكين تطوير قدراتها على تنفيذ عمليات إنزال برمائي واسعة، بما في ذلك سفن برمائية من الجيل الجديد وناقلات إنزال تتيح نقل القوات والعتاد إلى شواطئ لا تضم موانئ مجهزة. كما عوّلت على تحديث مروحياتها ومسيراتها لتلبية متطلبات النقل الثقيل، وتطوير قدرات الإسقاط لجوي للمركبات القتالية وناقلات الجند المدرعة، بما يدعم عمليات الإنزال الجوي والبرمائي، ويزيد قدرة القوات الصينية على تجاوز الدفاعات الساحلية التايوانية.

العسكرة اليابانية

لا تنفصل قضية تايوان عن تصاعد التوتر بين بكين وطوكيو. ففي الأسبوع الماضي، رفضت رئيسة الوزراء اليابانية القومية ساناي تاكائيتشي التراجع عن تصريحاتها التي أطلقتها قبل عام، واعتبرت فيها أن أي هجوم صيني على تايوان قد يشكل تهديداً وجودياً لليابان، بما قد يستدعي تدخلاً عسكرياً يابانياً. واعتبرت بكين أن هذه التصريحات تمثل خروجاً عن التفاهمات السابقة، واتهمت الحكومة اليابانية ذات التوجه القومي بالسعي إلى إحياء النزعة العسكرية.

ويرى باحثون في مؤسسات صينية، بينها معهد دراسات اليابان التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، ومعهد تشونغ يانغ للدراسات المالية بجامعة رينمين، إلى أن التحول الياباني نحو زيادة الإنفاق الدفاعي لا يمكن فصله عن الضغوط الاقتصادية والمالية والديموغرافية التي تواجهها البلاد منذ سنوات.

رويترز

ويذهب بعضهم إلى أن رفع ميزانية الدفاع وتوسيع الاستثمارات في الصناعات العسكرية والتكنولوجية قد يؤديان، إلى جانب الأهداف الأمنية، دوراً اقتصادياً شبيهاً بما يُعرف بـ"الكينزية العسكرية"، من خلال تحفيز الصناعات الثقيلة والتكنولوجيا والفضاء والذكاء الاصطناعي عبر العقود الحكومية.

ويثير الموقف الأميركي بدوره قلق طوكيو، إذ تغذي سياسات ترمب المخاوف من تراجع الالتزام الأميركي بأمن اليابان، وهو ما قد يدفعها إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بصورة مستقلة. ويشير باحثون صينيون إلى أن شعور اليابان باختلال توازن القوى الإقليمي، أو احتمال تخلي حلفائها عنها كان تاريخياً من العوامل المؤثرة في خياراتها الأمنية. وتزداد مخاوف بكين مع تصاعد النقاش الياباني بشأن إمكان امتلاك سلاح نووي.

تقارب مع كوريا والهند

في مقابل تصاعد التوتر مع طوكيو، تشهد العلاقات الصينية مع سيول ونيودلهي مؤشرات على انفراج نسبي، في تحوّلٍ قد يساعد بكين على تخفيف الضغوط الاستراتيجية في محيطها الإقليمي.

مع اقتراب نهاية ولاية ماركوس العام المقبل، تراقب بكين مسار السياسة الفلبينية المقبلة، لكنها لا تحصر خياراتها في انتظار نتائج الانتخابات

فالعلاقات بين الصين وكوريا الجنوبية تشهد تقارباً دبلوماسياً واقتصادياً، مدفوعاً بضغوط ترمب الاقتصادية والعسكرية على سيول، لا سيما من ناحية "التقليص الجوهري" للمناورات العسكرية المشتركة، الذي أدرجه ترمب في خانة عدم استفزاز "صديقه" الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. وفي الاتجاه نفسه، تحسنت العلاقات بين بكين ونيودلهي، مع تراجع التوتر الحدودي إلى مستويات لم تشهدها منذ اشتباكات وادي غالوان عام 2020، التي أسفرت عن مقتل 20 جندياً هندياً. ويتيح هذا الانفراج للطرفين احتواء خلافاتهما الحدودية، وإن لم يكن كافياً لإزالة التنافس الاستراتيجي بينهما.

الفلبّين والحسم السريع

كما تتصاعد التوترات بين بكين ومانيلا في بحر الصين الجنوبي، في ظل تعزيز التعاون العسكري الفلبيني-الأميركي، الذي توسع خلال عهد الرئيس الأميركي جو بايدن، ليشمل رفع عدد المنشآت العسكرية الفلبينية المتاحة للقوات الأميركية من خمس إلى تسع قواعد، ونشر منظومة صواريخ "تايفون" متوسطة المدى خلال مناورات عسكرية، وتوسيع نطاق معاهدة الدفاع المشترك ليشمل بوضوح بحر الصين الجنوبي، وضخ تمويل عسكري وتحديث القدرات الفلبينية.

رويترز
طائرة مقاتلة من طراز "لوكهيد مارتن إف-16 في" تهبط في قاعدة "تشيهانغ" الجوية في تايتونغ، تايوان، في 2 أكتوبر 2026

وتزامنت هذه الخطوات مع إعادة الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن توجيه السياسة الأمنية لبلاده نحو واشنطن، منذ توليه السلطة في 2022، مبتعداً عن سياسة التقارب مع بكين التي انتهجها سلفه، ولا سيما في المجال الأمني.

ومع اقتراب نهاية ولاية ماركوس العام المقبل، تراقب بكين مسار السياسة الفلبينية المقبلة، لكنها لا تحصر خياراتها في انتظار نتائج الانتخابات. وفي هذا السياق، أثار السفير الصيني في مانيلا، جينغ تشيوان، الأسبوع الماضي، انتقادات فلبينية بعدما قال إن الصين قادرة على الانتصار بسهولة في أي نزاع مع الفلبين، مضيفاً أن بكين، رغم تمسكها المعلن بالسلام، لا تختار القوة ما دامت هناك بدائل. 

ولا يمكن قراءة تعديل قانون التعبئة الدفاعية بمعزل عن هذه التطورات. فمن تايوان إلى اليابان والفلبين تواجه بكين بؤر توتر متصاعدة، فيما توسّع قدراتها على الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة. وإذا كانت الصين القوة العظمى الوحيدة التي لا تخوض حالياً حرباً عسكرية مباشرة، فإن استعداداتها توحي بأنها لا تنظر إلى الحرب بوصفها احتمالاً بعيداً، وتعمل على ضمان قدرتها على خوضها والانتصار فيها إذا وقعت.

font change

مقالات ذات صلة