حين يستعيد جيل "زد" الثمانينات فرارا من جحيم الواقع الرقمي

هل يتحول الماضي إلى ذاكرة مشخصة؟

حين يستعيد جيل "زد" الثمانينات فرارا من جحيم الواقع الرقمي

"الجحيم هو الآخرون" (Huis clos) مسرحية مشهورة لجان بول سارتر ( 1943)، تدور وقائعها في مكان مغلق تحتله ثلاث شخصيات محكوم عليها بدخول النار. وهي عمل نكتشف من خلاله أن الجحيم ليس بحاجة إلى التعذيب الجسدي، إذ يكفي وجود الآخرين لخلق العذاب الأبدي.

الجحيم هنا عبارة عن صالون مصمم على طراز "الإمبراطورية الثانية"، وهو صالون مفروش بثلاث أرائك ذات ألوان صارخة ومزين بتمثال برونزي يعلو المدفأة، لكنه يفتقر إلى النوافذ والمرايا. إنه جحيم من دون نيران ومن غير جلادين. ستلجه ثلاث شخصيات تتذرع بأنها دخلت الجحيم لأسباب بطولية، والحال أن هذا المكان المغلق والضغط النفسي السائد فيه يكشف عن الماضي "الرهيب" لكل شخصية منها. فالرجل أعدم رميا بالرصاص، والمرأة الأولى ماتت اختناقا بالغاز، والثانية قضت نحبها بسبب الالتهاب الرئوي.

تبلغ المسرحية ذروتها حين ينفتح باب الصالون فجأة، وهو ما يتيح للشخصيات إمكان الهروب. ومع ذلك، لا يختار أي واحد منهم الخروج من جهنم. لقد أصبحوا معتمدين كليا على أحكام الآخرين لتحديد هويتهم الذاتية، لدرجة أنهم يفضلون البقاء محبوسين لمواصلة تبرير أنفسهم، أو محاولة إغواء بعضهم البعض، أو تعذيب بعضهم البعض. حينئذ، ينطق الرجل بالعبارة الشهيرة: "الجحيم هو الآخرون". وتختتم المسرحية بضحكات الهالكين الثلاثة أمام هول عذابهم الأبدي، وتتوج بعبارة "غارسان" الأخيرة: "حسنا، لنواصل".

من جحيم إلى آخر

يبدو أن الجيل الحالي أو جيل "زد" يعيش هذه الحكاية العبثية بشكله الخاص أو بالأحرى بشكل مقلوب، مع الحفاظ على جوهر الحبكة. فعبارة "الآخرون هم الجحيم"، التي تبدو في مسرحية سارتر مجازا لجحيم العلاقات الاجتماعية التي لا عذاب فيها سوى عذاب الوعي بالذات، تغدو هنا مجازا أعمق لعيش الجحيم بشكل مقلوب، باعتباره فردوسا جديدا يتخلى فيه الفرد عن شخصيته الأصل بدل أن تنكشف فيه حقيقته، ويجعل من الآخر ملاكا يراه في تشكلاته المتعددة أو بالأحرى في صوره المختلفة. الآخر هنا جحيم بمعنى وحيد هو أنه يظل آخر، خارج المجال الانطوائي للفرد. إنه فقط كائن يلعب أدوارا مختلفة (أحيانا في الآن ذاته في شاشة أخذت مكان العالم والواقع)، وهي شاشة شفافة وحجاب في الآن نفسه.

يبدو إذن أن هذا الجيل يعيش الآخر بوصفه جحيما وفردوسا في الآن ذاته لأنه يعيش معه في الشاشة بشكل وجودي من غير أن يكون حضوره واقعيا. وهو سيقرأ نهاية رواية سارتر التي يقول فيها الرجل: "لنواصل" بطريقته الخاصة وبلغته التي لا يعرف غيرها: لنتواصل". مواصلة المأساة لدى سارتر تتبدد هنا في عملية التواصل لأنها تصبح وجودية رغم عبثيتها القاهرة.

مجمل المفارقات التي يعيشها هذا الجيل الشبكي، تقوده في تلافيفها وشروخها إلى الارتداد ضد الشروط التي تعتقله في هذا الفضاء المغلق واقعا والمفتوح افتراضا. إنه يعيد ابتكار شروط وجوده التي عصف بها العالم الرقمي

لا غرو في أن مجمل المفارقات التي يعيشها هذا الجيل الشبكي، تقوده في تلافيفها وشروخها إلى الارتداد ضد الشروط التي تعتقله في هذا الفضاء المغلق واقعا والمفتوح افتراضا. إنه يعيد، في هذه الصحوات الفجائية، ابتكار شروط وجوده التي عصف بها العالم الرقمي والشبكي الحالي، أو هو على الأقل يبدأ في السعي إلى تصور شروط جديدة للحياة. إنه جيل هلامي يعيش من دون مرتكزات، ذلك أن السيل الجارف الذي يحمله في كافة الاتجاهات يمنحه وهم حرية لا ضفاف لها.

إنه وهم يبدو له أشد صلابة من الحقيقة. يحمل الفتى (أو الفتاة) هاتفه طيلة يومه. يمشي في الشارع وهو يتصفحه. يجلس في المقهى من غير أن تحيد عيناه عنه. أنامله لا تكف عن مداعبة الشاشة الصغيرة بحساسية شبقية أحيانا أو بتوتر أحيانا أخرى. يتناول سندويتشه وعيناه لصيقتان بالشاشة. وحين يرن الهاتف لا يبدو أنه يتحدث في موضوع معين، عملي أو مهني أو مستعجل. يستمر في الحديث باسترخاء وكأنه يملك وقته كاملا. ينسى أحيانا أنه محاط بالآخرين فيرفع صوته ولا يخفضه إلا بعد أن تنتهي المكالمة.  

REUTERS/Maxim Shemetov
شخص يصوّر بهاتفه الذكي روبوتا فائق الواقعية من إنتاج شركة «هوك مايند»، في جناح الشركة خلال المؤتمر العالمي للروبوتات 2026 في بكين، الصين، 20 أغسطس 2026.

الرغبة المقموعة

هذه الحال أكبر من أن تسمى إدمانا. إننا قد ندمن السكائر لكننا لا ندخنها كل خمس دقائق، وقد ندمن الخمر لكننا لا نتجرعها كل الوقت. وندمن العمل لكننا لا نعمل ليل نهار. الأمر ليس شراهة أيضا لأن التخمة توقف أي شراهة مهما كانت متوطنة في الجسد والنفس. إنها حياة جديدة ونمط راهن للعيش يستولي على الحواس كلها ليجعلها تعيش الحياة في مكانها. لا الحياة بالمعنى العام، بل حيوات الآخرين هنا وهناك.

ليس ثمة من سردية معيشة في هذه العلاقة المنفلتة بعالم يمر من شاشة سمعية بصرية بحجم الكف. إنها سردية تلغي التراكم. وليس من ذاكرة شخصية لأن الذاكرة هنا تغدو هلامية وتوجد خارج الذات. إنها ذاكرة محمولة تتوزع بين الرسائل الكلامية المكتوبة بلغة مشفرة أحيانا، ورسائل سمعية قد تطول أو تقصر، وإيموجيهات تعبر عن الفرح والغضب وغيرهما، وصور يشاطرها المرء معارفه، أو يحبسها في هاتفه. يعيش الفرد في هذه الحياة داخل شاشته حياة قد تبدو له فردية غير أنه يتشاطرها بشكل أو بآخر مع كافة الناس. فالبيانات المتدفقة التي تغذي يومه هي نفسها التي تغذي يوم كافة الناس في كل الأمكنة. الفرق يتمثل فقط في طبيعة المواد المستهلكة وتوقيتها.

هذا الإيقاع المتسارع "والمتهور" يجعل المستهلك من دون ذاكرة، أو بالأحرى بذكرى متناسلة ومنسابة وشفافة لا صلابة فيها ولا مرتكزات. إنها ذاكرة مؤقتة متجددة باستمرار، يغتال الزمن مكوناتها

في السنوات الأخيرة أضحى الذكاء الاصطناعي يتحكم في هذه الحركات والسكنات بشكل كبير، أو يوجه استعمال الهاتف بحيث يكتنه الرغبة في هذا الاستعمال أو ذاك. فهو يتابع بدقة ما يشاهد المرء وما يقرأ وما يسمع وما يتوقف عنده من "محتويات". لذلك يبادر إلى إغراق شاشته بكافة الأشياء التي طرقها أو فكر فيها أو وقعت عليها عيناه، لا يترك له فرصة للتفكير أو الاختيار. الشاطر الاصطناعي يقوم بمهمة التدخل المباشر في ما يستهلكه الفرد من صور ومحتويات مرئية أو مسموعة. وهو في هذه "المساعدة" الدائمة ينسج وجوده الكاسح كظل للشخص الذي بدوره يضحى ظلا لما يستهلك.

هذا الإيقاع المتسارع "والمتهور"، المنطلق في كافة الاتجاهات، يجعل المستهلك من دون ذاكرة، أو بالأحرى بذكرى متناسلة ومنسابة وشفافة لا صلابة فيها ولا مرتكزات. إنها ذاكرة مؤقتة متجددة باستمرار، يغتال الزمن مكوناتها ويمحوها بفرشات جديدة من الصور والمعطيات. بل هي ذاكرة مثقوبة يدخلها من جميع الجهات هواء الجديد، لا تترك المجال لأي واحد كي يتحكم فيها أو يحولها إلى ذاكرة شخصية.

استعادة الزمن وحرب الصور

يسري في وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الصيف "ترند" تتولى من خلاله صور شبان وشابات من الجيل الحالي وهم يظهرون في بورتريهات الثمانينات. ولم يمر هذا من غير أن يثير "غيرة" أصحاب جيل الثمانينات رجالا ونساء، فبدأوا ينشرون صورا لهم في هيئات لباسية وبتصفيفة الشعر وألوان تنتمي لتلك الفترة. إنه احتفاء مشترك بزمن آخر كان الإيقاع فيه لا يزال قابلا للتحكم، والحياة تسري فيه بشكل متوازن. وهو من ثم استعادة لمرحلة فاصلة وفارقة بين الراهن بتقلباته المتسارعة وفترة عرفت سقوط سور برلين ونهاية الأحلام اليسارية وبدايات استخدام الكمبيوتر والتكنولوجيات الجديدة. إنها حرب ناعمة بين الواقع المرجعي والفنتازم البصري، وبين ذاكرة جيل عاشها وذاكرة يتوق جيل آخر إلى عيشها.

THIBAUD MORITZ / AFP
متظاهر يلوّح بالعلم الفرنسي ويمر بالقرب من حريق اندلع خلال مواجهات سبقت انطلاق تظاهرة احتجاجية على «غلاء المعيشة» في مدينة مرسيليا جنوب فرنسا، 17 أكتوبر 2026.

الغريب في الأمر هو أن الأداة الذكية والاصطناعية التي بدأت منذ بضع سنوات تزج بهؤلاء الصبيان والصبايا في عوالم جديدة وتسلب منهم وقتهم وتخلق لديهم نرجسية موحدة وعوائد مشتركة، هي نفسها التي تستدعى هنا لبلورة الاختلاف وتفكيك الوحدة ووقف الانسياب في اتجاه زمني واحد، وخلق ما يسمى في المجال السينمائي والبصري: arrêt sur image ، أي وقف سيولة العرض الزمني المنساب للتفكر والاستعادة. هل يشكل هذا الوقوف على الأطلال شرخا في طبيعة الزمنية الراهنة؟ هل هو وعي بالذاكرة في زمن فقدانها؟ هل هو وقفة تأمل، في زمن أصبحت فيه الأغاني والموسيقى والنصوص والصور وكافة خطانا اليومية أحيانا من توليد الذكاء الاصطناعي؟ هل هو استعادة لقسط من الزمن ولو في الخيال الزمني، رفضا لمعطيات الحاضر ولطابعها المتوحش؟

حرب صور حقيقية: بين من عاشوا الثمانينات بحنين له طعم التاريخ، وبين من يتوقون من الجيل الحالي إلى عيشه. بيد أن حرب الصور هذه لا طابع عدواني لها

إنها مفارقة من مفارقات الزمن الرقمي. وهي مفارقة يدخلها أيضا جيل الثمانينات بطريقته الخاصة. وهو ينصاع للترند باستعادة ذاكرته الحية وهكذا، بالموازاة مع صور يغلب عليها لون "السيبيا" الذي كان يمنح للصور التناظرية بصمة البدايات التي ينشرها جيل "الترند"، ينشر جيل الثمانينات صوره التناظرية بألوانها الباهتة، كما للدخول لحرب صور حقيقية: بين من عاشوا الثمانينات بحنين له طعم التاريخ، وبين من يتوقون من الجيل الحالي إلى عيشه. بيد أن حرب الصور هذه لا طابع عدواني لها. إنها توكيد لمشروعية الاستعادة التي يمارسها الجيل الحالي واحتفاء بمرجعية الأجيال ما قبل الثورة الرقمية. وهي، من ثم، صراع بين "الحقيقي" والمصطنع، أكثر من كونها رفضا لمشروعية هذه الاستعادة. إنها بالأحرى فسحة تاريخية وبصرية جماعية يعيشها جيلان بأسلوبين في الاستعادة: بالذاكرة الحية وبالذاكرة المبتكرة.

 DAVID GRAY / AFP
فتى يبلغ من العمر 14 عاما يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي على هاتفه المحمول، أثناء التقاط صورة له في منزله قرب مدينة غوسفورد الأسترالية، 24 أكتوبر 2025.

فما يجمع بين الجيلين هو عشق أغاني الفترة ونمط عيشها وسياراتها وهواتفها السوداء أو الملونة الثابتة وقصات شعور نسائها ورجالها... بضرب من الحنين الواقعي لدى جيل الثمانينيات وبضرب من التوق والرغبة في الانفلات من وطأة الحاضر لدى جيل "ترند الثمانينات".

من الافتراضي إلى المتخيل

نتذكر أن شخصيات رواية سارتر ترفض الخروج من الجحيم بعد فتح الباب أمامها. إنها كائنات منغلقة في حقيقتها الجديدة التي يغذيها المجاز الجهنمي. كذلك أمر أفراد جيل "زد"، الذي يسأل في أي مكان حل به عن وجود "الوايفاي" قبل أي شيء.  ولو حصل عطب طارئ في الإنترنت أو في شبكة من شبكات التواصل الاجتماعي، تراهم كمن شبت النار في بيوتهم، يسعون إلى معرفة أسباب العطب ومدة إصلاحه، ويعيشون قلقا "وجوديا" كما الرضيع الذي فقد حلمة الأم. عالم الإنترنت هو معلمهم ومرتكزهم الأنطولوجي الذي بدونه يصبحون أيتام أنفسهم.

هذا الانفلات من الواقع الافتراضي، قد يأخذ إذن صبغة سياسية احتجاجية عفوية خارج تأطير الأحزاب، كما قد يأخذ صبغة متخيلة وحنينية، يلزم الوقوف عندها لغناها بالدلالات والمعنى

لذلك لو حررناهم من حبسهم في شاشات هواتفهم وآلياتها التواصلية، فإنهم سيرفضون حتما الخروج منها لأن حريتهم المفترضة هي أن يظلوا أسرى الخوارزميات وللذكاء الاصطناعي، أي الفضاء الافتراضي الذي يحتوي وجودهم كلية. بيد أن الانفلات الباهر  يأتي بين الحين والآخر، حين تكون رجات الواقع عاتية كما حدث في مظاهرات هذا الجيل في العام الماضي (بالمغرب) ضد غلاء المعيشة وتدهور وضعية التعليم والصحة مقابل الأموال الطائلة التي تصرف على الاستعداد للمونديال وتأهيل البنيات التحتية لاستقباله. وهو الأمر الذي يتأكد هذه الأيام في فرنسا حين خرج التلاميذ احتجاجا على تدهور شروط التعليم منادين بالاهتمام به عوض صرف ميزانية الدولة على بنيات الدفاع والسلاح.

هذا الانفلات من الواقع الافتراضي، قد يأخذ إذن صبغة سياسية احتجاجية عفوية خارج تأطير الأحزاب، كما قد يأخذ صبغة متخيلة وحنينية، يلزم الوقوف عندها لغناها بالدلالات والمعنى. إنه انفلات من عالم مشحون بالسرعة والمعلومات، والرغبة في استعادة واقع غدا في ماضويته متخيلا. إنه إحساس جديد بالحرية، وبضرورة الإنصات لنبض واقع يعيشون آثاره، خارج حجب الشاشة.

 

font change

مقالات ذات صلة