"الجحيم هو الآخرون" (Huis clos) مسرحية مشهورة لجان بول سارتر ( 1943)، تدور وقائعها في مكان مغلق تحتله ثلاث شخصيات محكوم عليها بدخول النار. وهي عمل نكتشف من خلاله أن الجحيم ليس بحاجة إلى التعذيب الجسدي، إذ يكفي وجود الآخرين لخلق العذاب الأبدي.
الجحيم هنا عبارة عن صالون مصمم على طراز "الإمبراطورية الثانية"، وهو صالون مفروش بثلاث أرائك ذات ألوان صارخة ومزين بتمثال برونزي يعلو المدفأة، لكنه يفتقر إلى النوافذ والمرايا. إنه جحيم من دون نيران ومن غير جلادين. ستلجه ثلاث شخصيات تتذرع بأنها دخلت الجحيم لأسباب بطولية، والحال أن هذا المكان المغلق والضغط النفسي السائد فيه يكشف عن الماضي "الرهيب" لكل شخصية منها. فالرجل أعدم رميا بالرصاص، والمرأة الأولى ماتت اختناقا بالغاز، والثانية قضت نحبها بسبب الالتهاب الرئوي.
تبلغ المسرحية ذروتها حين ينفتح باب الصالون فجأة، وهو ما يتيح للشخصيات إمكان الهروب. ومع ذلك، لا يختار أي واحد منهم الخروج من جهنم. لقد أصبحوا معتمدين كليا على أحكام الآخرين لتحديد هويتهم الذاتية، لدرجة أنهم يفضلون البقاء محبوسين لمواصلة تبرير أنفسهم، أو محاولة إغواء بعضهم البعض، أو تعذيب بعضهم البعض. حينئذ، ينطق الرجل بالعبارة الشهيرة: "الجحيم هو الآخرون". وتختتم المسرحية بضحكات الهالكين الثلاثة أمام هول عذابهم الأبدي، وتتوج بعبارة "غارسان" الأخيرة: "حسنا، لنواصل".
من جحيم إلى آخر
يبدو أن الجيل الحالي أو جيل "زد" يعيش هذه الحكاية العبثية بشكله الخاص أو بالأحرى بشكل مقلوب، مع الحفاظ على جوهر الحبكة. فعبارة "الآخرون هم الجحيم"، التي تبدو في مسرحية سارتر مجازا لجحيم العلاقات الاجتماعية التي لا عذاب فيها سوى عذاب الوعي بالذات، تغدو هنا مجازا أعمق لعيش الجحيم بشكل مقلوب، باعتباره فردوسا جديدا يتخلى فيه الفرد عن شخصيته الأصل بدل أن تنكشف فيه حقيقته، ويجعل من الآخر ملاكا يراه في تشكلاته المتعددة أو بالأحرى في صوره المختلفة. الآخر هنا جحيم بمعنى وحيد هو أنه يظل آخر، خارج المجال الانطوائي للفرد. إنه فقط كائن يلعب أدوارا مختلفة (أحيانا في الآن ذاته في شاشة أخذت مكان العالم والواقع)، وهي شاشة شفافة وحجاب في الآن نفسه.
يبدو إذن أن هذا الجيل يعيش الآخر بوصفه جحيما وفردوسا في الآن ذاته لأنه يعيش معه في الشاشة بشكل وجودي من غير أن يكون حضوره واقعيا. وهو سيقرأ نهاية رواية سارتر التي يقول فيها الرجل: "لنواصل" بطريقته الخاصة وبلغته التي لا يعرف غيرها: لنتواصل". مواصلة المأساة لدى سارتر تتبدد هنا في عملية التواصل لأنها تصبح وجودية رغم عبثيتها القاهرة.



