"فجر اليمن"... لم نبلغ الظهيرة بعد

"فجر اليمن"... لم نبلغ الظهيرة بعد

استمع إلى المقال دقيقة

لو كانت معركة تحرير اليمن يوما كاملا، لكان إعلان "فجر اليمن" في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2026 موعد بدايته، ولكان ما أنجزته الشرعية حتى اليوم بعض ساعاته الأولى، ساعة يستعيد فيها المقاتلون موقعا عند البحر، وأخرى يستهدفون فيها إمدادا إلى جبهة، وما بينهما عمل لا يظهر كله في نشرات الأخبار.

بهذا المعنى أقرأ المشهد، وأرى أن من يستعجل حصيلة النهار عند الفجر يظلم من يقاتلون لاستعادة بلادهم، مثله مثل من يتجاهل ما أنجزوه لأن صنعاء لم تُستعَد بعد. لا تزال أمامهم مهمة كبيرة، لكنهم بدأوا تنفيذها، وبات لديهم من القدرة والإسناد ما يبنون عليه.

عند باب المندب وذوباب، استعادت قوات الشرعية، بدعم التحالف، مواقع استراتيجية حاول الحوثي استخدامها للمساومة على أمن الملاحة. وفي ذلك مكسب ينبغي أن يقدره اليمنيون جيدا، لأنهم يستعيدون أرضهم ودورهم في حماية ممر دولي، عوضا عن تركه في يد ميليشيا تتاجر بموقع بلادهم على الخريطة. وأرى أن أهمية هذه البداية تتجاوز الموقع المستعاد إلى قدرة الحكومة على العمل لاستعادة غيره. ومن هنا تأتي ضرورة حماية المكاسب وتوسيعها، مع استمرار المواجهات في محيط المضيق. فالحوثي لن يسلّم بما خسره بسهولة، لكنه يواجه قوات تملك سببا واضحا للاستمرار واستكمال تحرير الساحل، لا الاكتفاء بما تحقق فيه.

لا أحد يستطيع أن يحدد ساعة الوصول إلى صنعاء، لكن من حق اليمنيين، بعد ما استعادوه عند البحر وما طوروه من أدوات المواجهة، أن يتطلعوا إلى بقية يومهم بثقة، وأن يطالبوا قادتهم بمواصلة العمل حتى استعادة الدولة وتحييد تهديد الميليشيا


وفي تعز والجوف وغرب مأرب، تواصل قوات الشرعية ضرب تحركات الميليشيا، وأعلنت في تحديثها الأخير استهداف أسلحة ثقيلة وتعزيزات متجهة إلى جبهات تعز. وهذا عمل يستحق النظر إلى أثره في المراحل التالية، لأن إضعاف قدرة الحوثي على نقل مقاتليه وتعويض خسائره ضرورة قبل توسيع التقدم. ولا يصح حصر الإنجاز في عدد المدن التي تدخلها القوات الشرعية، فلدى القادة مهمة أصعب من رفع الرايات: أن يستعيدوا الأرض ويحتفظوا بها، وأن يطوروا التنسيق بين القوات والطيران. وما داموا يعملون على ذلك، لا يجوز منح الحوثي شعور المنتصر لمجرد أنه ما زال قادرا على القتال.

ولن يقضي اليمنيون بقية هذا اليوم بمعزل عما يجري حولهم، فلدى القوى الإقليمية والدولية حسابات قد تؤثر في سرعة العمليات ومسارات التفاوض. وفي اجتماع إسطنبول في 23 أكتوبر، أعلن وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وباكستان تضامنهم مع المملكة والحكومة اليمنية، وطالبوا الحوثيين بوقف الهجمات والعودة إلى المسار السياسي. وهنا فرصة للشرعية أن تستثمر هذا التضامن، وتربط أي تهدئة بمنع إعادة تسليح الميليشيا وحماية السكان والملاحة، دون أن تترك مصير اليمن رهينة لتبدل مصالح الآخرين. قد يتفاوض الإيرانيون على ملفاتهم، لكن اليمنيين لا يقاتلون ليعودوا ورقة في تفاوض لا يملكون قراره.

ومن حق الناس أن يلمسوا عودة الدولة قبل اكتمال التحرير؛ فأهل تعز يحتاجون إلى تأمين الطرق ووصول الغذاء والدواء، والسكان في المناطق المستعادة ينتظرون الحماية والدعم. ولهذا لا أفصل الثقة بالشرعية عن قدرتها على أداء مسؤولياتها. فالحكومة تستطيع أن تكسب الناس حين يرون الفرق على الأرض بأنفسهم، وتستطيع أن توسع التأييد لاستعادة صنعاء حين تطمئنهم إلى ما بعدها. فالحوثي يريد الاحتفاظ بسلطته مهما دفع اليمنيون من أثمان، والشرعية مطالبة بأن تثبت أن غايتها إعادتهم إلى حياة لا يتحكم فيها مسلح. وبذلك يصبح التحرير أمرا يخص كل أسرة يمنية، دون اختزاله في تحرك القوات وحدها.

لا أحد يستطيع أن يحدد ساعة الوصول إلى صنعاء، لكن من حق اليمنيين، بعد ما استعادوه عند البحر وما طوروه من أدوات المواجهة، أن يتطلعوا إلى بقية يومهم بثقة، وأن يطالبوا قادتهم بمواصلة العمل حتى استعادة الدولة وتحييد تهديد الميليشيا. ومع طول المهمة سيحتاجون إلى الصبر لحماية ما أنجزوه، وإلى الإصرار على بلوغ غايتهم، وما زال أمامهم من العمل أكثر مما مضى. ولعل خطأ الحوثي الأكبر أن يحسب ما رآه عند الفجر آخر ما لدى اليمنيين، بينما هم يستعدون ليومهم كله: يوم لا يطلبون فيه من ميليشيا الحوثي الإذن بالعيش في بلادهم.

font change