الانتخابات تغيّر الحكومات... لا السياسات الخارجية

من إسرائيل وأميركا إلى المجر وصربيا، تتغير الحكومات والقيادات، لكن المصالح الاستراتيجية والتحالفات الراسخة تحدّ من التحولات الكبرى في السياسة الخارجية رغم الوعود الانتخابية

رويترز
رويترز
أحد أنصار حزب الليكود يتفاعل مع نتائج استطلاعات الرأي عند الخروج من مراكز الاقتراع، حاملاً لافتة تحمل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي وزعيم الحزب بنيامين نتنياهو، في مقر الحزب بالقدس، في 27 أكتوبر 2026

الانتخابات تغيّر الحكومات... لا السياسات الخارجية

إلى أي مدى تستطيع الانتخابات أن تغيّر السياسة الخارجية للدول؟ تحظى السياسة الخارجية أحيانا بأهمية حاسمة في الانتخابات الديمقراطية. ففي عام 1952 تعهّد دوايت أيزنهاور بإنهاء الحرب الكورية، ونجح في التوصل إلى هدنة بعد فترة وجيزة من توليه الرئاسة.

وفي عام 2019 رفع بوريس جونسون شعار "إنجاز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، ووقّع اتفاق الخروج بعد ستة أسابيع من فوزه بالأغلبية البرلمانية. غير أن هذه الحالات تبقى استثناءات، إذ غالبا ما يكون تأثير الانتخابات في السياسة الخارجية محدودا.

فهل ينطبق ذلك على الانتخابات المهمة التي يشهدها وشهدها عام 2026؟ يعوّل كثيرون على نتائج الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة لإحداث تحول في سياساتهما الخارجية، لكن التجارب التاريخية لا تشجع على توقع تغييرات جذرية.

وحتى في دول شهدت مؤخرا هزيمة قادة أمضوا سنوات طويلة في الحكم، مثل صربيا والمجر، يُرجّح أن تقتصر التغييرات على تعديلات محسوبة، بعيدا عن التحولات الكبرى.

الأولويات الداخلية والقيود البنيوية

يقدّم الباحثون تفسيرين رئيسين لمحدودية تأثير الانتخابات في السياسة الخارجية. أولها أن القضايا الخارجية نادرا ما تتصدر اهتمامات الناخبين.

فمنذ عقود، يؤكد علماء السياسة أن معظم الناخبين يقدّمون الأولويات الاقتصادية والاجتماعية على اعتبارات السياسة الخارجية. وحتى عندما تنتهج حكومة ما سياسة خارجية تثير استياء شعبيا واسعا، فإن نجاحاتها الداخلية قد تكفي لضمان إعادة انتخابها.

ولعل فوز توني بلير في انتخابات عام 2005 من أبرز الأمثلة، رغم المعارضة الواسعة للحرب التي شنّها على العراق قبل عامين.

أما التفسير الثاني فيتعلق بالحكومات الجديدة نفسها، التي قد لا ترغب في إحداث تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية، أو تجد صعوبة في تحقيقها.

غيتي
رئيس الوزراء البريطاني توني بلير مع الرئيس الأميركي جورج بوش في مؤتمر صحفي بكامب ديفيد قبل مناقشات الوضع في العراق في 7 سبتمبر 2007

ويرى علماء العلاقات الدولية، ولا سيما أنصار المدرسة الواقعية، أن مصالح الدول في السياسة الخارجية تتسم بقدر كبير من الثبات، ولذلك يميل القادة الجدد إلى تعديل سياسات أسلافهم بدلا من التخلي عنها.

ففي اليابان، مثلا، من المرجح أن يرى أي قائد يصل إلى السلطة أن مصالح طوكيو الدولية تتمحور حول التحالف مع الولايات المتحدة، والحذر من الصين، والتصدي لكوريا الشمالية. وقد تدخل حكومة جديدة بعض التعديلات على هذه السياسات، كالسعي إلى انفراج مع بكين أو انتهاج سياسة أكثر استقلالا عن واشنطن، لكنها ستظل، على الأرجح، ضمن حدود ما تعتبره اليابان مصالحها الأساسية.

وحتى عندما تتوافر لدى الحكومات الجديدة الرغبة في إحداث تحولات أوسع في السياسة الخارجية، فإنها تصطدم بعوائق بنيوية يصعب تجاوزها. فالمنظومات الأمنية والاقتصادية للدول ترتبط ارتباطا وثيقا بتحالفات وخصومات ترسخت على مدى عقود، وقد يستغرق تفكيك هذه الروابط سنوات طويلة وسط مقاومة شديدة. وفي المقابل، يكون التغيير الداخلي أيسر نسبيا، ولا سيما عندما تستند الحكومة الجديدة إلى تفويض انتخابي حديث. ولهذا غالبا ما تنصرف الحكومات إلى معالجة شؤونها الداخلية قبل الالتفات إلى إعادة رسم سياساتها الخارجية.

يرى علماء العلاقات الدولية، ولا سيما أنصار المدرسة الواقعية، أن مصالح الدول في السياسة الخارجية تتسم بقدر كبير من الثبات، ولذلك يميل القادة الجدد إلى تعديل سياسات أسلافهم بدلا من التخلي عنها

تغيير محدود في سياسة إسرائيل؟

في ضوء ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع الآمال المعقودة على الانتخابات الإسرائيلية لإحداث تحول جوهري في السياسة الخارجية. فقد أسفرت الانتخابات عن نتائج غير حاسمة: حصل معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعدا من أصل 120 في الكنيست، مقابل 48 للمعارضة، فيما حققت الأحزاب ذات القيادات العربية رقما قياسيا بحصولها على 19 مقعدا.

ولم يتمكن أي من المعسكرين من بلوغ الأغلبية المطلقة، ما ينذر بمفاوضات قد تمتد أسابيع لتشكيل ائتلاف حكومي. لكن حتى لو أفضت هذه المفاوضات إلى إطاحة نتنياهو، فإن مواقف خصومه في السياسة الخارجية لا تختلف جذريا عن مواقفه.

فقد انتقد زعيم المعارضة غادي آيزنكوت، الرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي، حرب نتنياهو على إيران، معتبرا أن إسقاط النظام الإيراني هدف غير قابل للتحقيق. ومع ذلك، لا يزال يؤيد العمل العسكري ضد البرنامج النووي لطهران. وفي الملف الفلسطيني، يعارض آيزنكوت ضم الضفة الغربية، وهو مطلب يدفع باتجاهه حلفاء نتنياهو في الائتلاف الحاكم، لكنه يؤيد استمرار الاستيطان في الأراضي المحتلة. ويطرح للفلسطينيين صيغة "الدولة الناقصة"، القائمة على منحهم حكما ذاتيا في جزء من الضفة الغربية، من دون جيش خاص بهم، ومن دون إلزام إسرائيل بإخلاء مستوطناتها.

أ.ف.ب
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت خلال إطلاق الحملة الانتخابية لحزبه "يشار" في فعالية قرب هود هشارون، وسط إسرائيل، 30 يونيو 2026

وإذا تولى آيزنكوت رئاسة الحكومة، وهو ما قد يتطلب تفاهمات مع الأحزاب العربية، فقد يجد نفسه مضطرا إلى الذهاب أبعد قليلا في هذه التصورات. لكن من المستبعد أن يتحول فجأة إلى أحد دعاة السلام، خصوصا أنه سبق أن قال: "كل من يتحدث عن (السلام الآن) وحل الدولتين لا يفهم الصراع".

ويعكس هذا الموقف اتجاهات الرأي العام الإسرائيلي، إذ أظهر استطلاع حديث لمؤسسة "غالوب" أن 65 في المئة من الإسرائيليين يعارضون حل الدولتين. ولذلك، قد يكون آيزنكوت، إذا أصبح رئيسا للوزراء، أقل تشددا من نتنياهو في التعامل مع إيران والقضية الفلسطينية، لكن الفارق بينهما لن يكون جذريا.

من المستبعد أن يتحول آيزنكوت فجأة إلى أحد دعاة السلام، خصوصا أنه سبق أن قال: "كل من يتحدث عن 'السلام الآن' وحل الدولتين لا يفهم الصراع"

هل تقيد الانتخابات ترمب أم تطلق يده؟

تختلف الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي عن الحالة الإسرائيلية، لأنها تتعلق بالسلطة التشريعية لا التنفيذية. فدونالد ترمب سيبقى رئيسا للولايات المتحدة بعد الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، لكن استطلاعات الرأي ترجح فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب، مع احتمال استعادة سيطرتهم على مجلس الشيوخ أيضا.

واللافت أن هذه الانتخابات تشكل إحدى الحالات النادرة التي تحتل فيها السياسة الخارجية موقعا بارزا في المعركة الانتخابية، بعدما أدت حرب ترمب على إيران إلى ارتفاع أسعار الوقود وتفاقم أزمة غلاء المعيشة. ومع ذلك، فإن فوز الديمقراطيين، حتى لو تحقق، قد لا يترك أثرا كبيرا على السياسة الخارجية الأميركية. بل إن أحد السيناريوهات المحتملة يشير إلى أن خسارة الجمهوريين قد تدفع ترمب إلى مزيد من التهور خارجيا. فإذا عرقل كونغرس معارض برنامجه الداخلي، ستظل السياسة الخارجية ميدانا أوسع للمناورة يستطيع التحرك فيه بقيود أقل. وذهب بعض المراقبين إلى التكهن بأنه قد يستأنف هجماته على إيران بعد الانتخابات، أيا تكن نتائجها.

وحتى لو كانت الانتخابات رئاسية وأفضت إلى وصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض، فمن المرجح أن تجمع السياسة الخارجية بين التغيير والاستمرارية، كما حدث في تجارب أخرى. صحيح أن ترمب رئيس استثنائي نسبيا، وقد تنكر لكثير من الثوابت التي حكمت السياسة الخارجية الأميركية لعقود، لكن كثيرا من تحولاته التي بدت جذرية لم تتجاوز في الواقع تصعيد سياسات قائمة. فالولايات المتحدة تنتهج منذ زمن طويل سياسة معادية لإيران، وتقدم دعما ثابتا لإسرائيل، وإن كان ترمب قد دفع هذين التوجهين إلى مستويات غير مسبوقة.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن، في 28 فبراير 2025

وكان ترمب أول رئيس أميركي يضع التنافس الاستراتيجي مع الصين في صدارة أولوياته خلال ولايته الأولى، لكن جو بايدن واصل هذا النهج بعد وصوله إلى البيت الأبيض، ومن المرجح أن يستمر بعد انتهاء رئاسة ترمب. كذلك، ورغم تهديداته وتصريحاته الصاخبة، لم ينسحب ترمب من حلف شمال الأطلسي، ولم يتوصل إلى تسوية سلمية قائمة على تنازلات متبادلة في أوكرانيا، ولم يضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة.

فمثل أسلافه، يظل ترمب مقيدا بعوامل بنيوية ترسم حدودا لحركته وتضيق هامش خياراته. ومن شبه المؤكد أن يتخلى أي رئيس يخلفه عن بعض المواقف التي أصبحت من أبرز شعارات "الترمبية"، لكنه سيحافظ، كما فعل بايدن، على قدر من الاستمرارية في مجالات أخرى.

أحد السيناريوهات المحتملة يشير إلى أن خسارة الجمهوريين قد تدفع ترمب إلى مزيد من التهور خارجيا. فإذا عرقل كونغرس معارض برنامجه الداخلي، ستظل السياسة الخارجية ميدانا أوسع للمناورة يستطيع التحرك فيه بقيود أقل

تحولات محدودة في السياسة الخارجية

على خلاف إسرائيل والولايات المتحدة، شهدت بعض الانتخابات الأخيرة تغييرات أوضح في السياسة الخارجية. ففي المجر، أدى فوز بيتر ماغيار على فيكتور أوربان في أبريل/نيسان إلى تقارب أكبر بين مواقف بودابست وسياسات الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا. وفي صربيا، تسعى "قائمة الطلاب"، التي فازت بالانتخابات مؤخرا، إلى دفع طلب انضمام بلغراد إلى الاتحاد الأوروبي قدما، بعد سنوات من الجمود في عهد الرئيس ألكسندر فوتشيتش، الذي حكم البلاد بقبضة قوية.

لكن هذه التحولات لم تقطع مع جميع السياسات السابقة. فماغيار، رغم تخليه عن لجوء أوربان المتكرر إلى استخدام حق النقض لتعطيل دعم بروكسل لأوكرانيا، لا يزال يعارض تسريع إجراءات انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي، فيما تواصل المجر اعتمادها الكبير على مصادر الطاقة الروسية. وفي صربيا، يبدي الأستاذ الجامعي إيليا سردانوفيتش، الذي يتزعم "قائمة الطلاب"، تحفظا على الاعتراف باستقلال كوسوفو، متمسكا بموقف قومي صربي راسخ، وهو ملف شائك سيتعين على بلغراد التفاوض بشأنه مع الاتحاد الأوروبي.

وكما في إسرائيل، وإلى حد أقل في الولايات المتحدة، ينصرف هؤلاء القادة المنتخبون حديثا إلى الشؤون الداخلية أكثر من اهتمامهم بالسياسة الخارجية. وحتى عندما يرغبون في تغيير هذه السياسة، فإنهم يصطدمون بقيود بنيوية داخلية وخارجية تحد من قدرتهم على ذلك. ولهذا قد تُحدث الانتخابات تحولات عميقة داخل الدول، فيما يظل أثرها على سياساتها الخارجية محدودا.

font change