ترقب أميركي وعالمي لنتائج "التجديد النصفي"... تراجع قياسي لشعبية ترمب

لانتخاب 435 عضوا بمجلس النواب و35 بمجلس الشيوخ

أ.ب
أ.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى تجمع انتخابي في مدينة سو سيتي، ولاية آيوا، الولايات المتحدة، في 22 أكتوبر 2026

ترقب أميركي وعالمي لنتائج "التجديد النصفي"... تراجع قياسي لشعبية ترمب

يترقب العالم والأميركيون ما ستسفر عنه نتائج انتخابات التجديد النصفي التي تنطلق خلال ساعات بالولايات المتحدة حيث يتوجه أكثر من 100 مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع لاختيار 435 عضوا بمجلس النواب و35 عضوا بمجلس الشيوخ اللذين سيشكلان الكونغرس رقم 120 في تاريخ البلاد.

وعلى مر تاريخ الولايات المتحدة، جرت العادة على أن حزب الرئيس يخسر انتخابات التجديد النصفي إما في أحد المجلسين أو في كليهما، وهو ما حدث في 20 من إجمالي 22 من الانتخابات النصفية التي أجريت منذ عام 1938. ويلقي الرئيس وما حققه من إنجازات بظلاله على اتجاهات الناخب الأميركي حيث كشفت الانتخابات السابقة أنه كلما زادت شعبية الرئيس كلما تقلصت خسائر حزبه.

ويشغل الناخبين الأميركيين في هذه الانتخابات طائفة من القضايا والتساؤلات، من بينها حدود سلطات الرئيس، والدور الرقابي للكونغرس، واستمرار الصراع مع إيران، وقضايا الفساد، بل ومدى قدرة المؤسسات الديمقراطية الأميركية على الصمود مع هواجس إزاء استعداد إدارة ترمب لقبول نتائج الانتخابات.

ويشير استطلاع أجراه "معهد غالوب للأبحاث" إلى تدني شعبية الرئيس دونالد ترمب إلى أقل من 39 في المئة فيما هوت معدلات الرضا الشعبي عن أداء هذا الكونغرس إلى 16 في المئة وسط إخفاق الإدارة الجمهورية بشقيها التنفيذي والتشريعي في الوفاء بوعودها التي أطلقها الرئيس خلال حملاته الانتخابية من وقف الحروب وتجنب التورط في حروب خارجية وتحسين مستويات المعيشة وتخفيض الأسعار وتوسيع مظلة الرعاية الصحية وتخفيض الضرائب.

ورغم دعم الجمهوريين على مدى عامي النصف الأول من الولاية الثانية للرئيس ترمب، فإن بعضهم ممن يخوضون السباق الانتخابي خرجوا عن طوعه مع ارتفاع أسعار الوقود وخروج عمليات استهداف المهاجرين واللاجئين عن معايير الحقوق الإنسانية واندلاع حرب إيران التي يرى الكثيرون منهم أن لا ناقة لبلادهم فيها ولا جمل.

رويترز
ناخبون يدلون بأصواتهم في أحد مراكز الاقتراع ببروكلين، مدينة نيويورك، في اليوم الأول من التصويت المبكر لانتخابات عمدة المدينة، الولايات المتحدة، 25 أكتوبر 2025

فعلى مدى هذين العامين لم تتجاوز نسبة النمو الاقتصادي 2 في المئة وهو نفس معدل النمو الذي حققته إدارة جو بايدن السابقة، فضلا عن مواصلة تراجع الوظائف في قطاع الصناعات التحويلية، وارتفاع معدلات التضخم في أسعار السلع الاستهلاكية إلى 3.4 في المئة، وهو أعلى من الهدف المرصود من قبل بنك الاحتياطي المركزي الأميركي (2 في المئة).

ورغم حالة الفوضى التي أحدثتها الزيادات المتفاوتة والمتتالية للرسوم الجمركية ظل العجز التجاري الأميركي عند مستوياته السابقة حيث بلغ أكثر من 900 مليار دولار.

كما يشير محللون اقتصاديون إلى أن التخفيضات الضريبية الجزافية التي تضمنتها الميزانية الضخمة التي مررها الكونغرس وزيادة ميزانية الدفاع إلى 1.5 تريليون دولار يمكن أن تفاقم من عجز الموازنة بمقدار 3.4 تريليون دولار على مدى العقد القادم في الوقت الذي تجاوز فيه الدين العام الأميركي 40 تريليون دولار.

ترجح اتجاهات الرأي العام استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب واحتمال الفوز بأغلبية مجلس الشيوخ، وكلاهما كفيل بتقليص قدرة الرئيس ترمب على المضي قدما في سياساته ومخططاته

وقد انعكس ذلك في شكل معاناة للطبقات الفقيرة والمتوسط في البلاد حيث ارتفعت تكاليف الرعاية الصحية، والغذاء ورعاية الطفل.

كما قفزت أسعار المساكن بنسبة بلغت 35 في المئة، وارتفعت معدلات الفائدة على القروض العقارية من 3.45 في المئة إلى 6.5 في المئة، وزادت رسوم المرافق  مع توقعات بمزيد من القفزات في أسعار الطاقة مع استمرار الحرب مع إيران.

وثمة قضايا أخرى وليدة السنوات الأخيرة تؤرق الناخب الأميركي، على رأسها التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وما يترتب عليه من فقدان للوظائف، وتشييد مراكز البيانات التي زادت إلى 4700 بالإضافة إلى 2000 أخرى يجري التخطيط لإقامتها بما يعنيه ذلك من زيادة استهلاك المياه والطاقة وانعكاسه على فواتير المرافق الحيوية للمستهلك الأميركي، علاوة على آثاره البيئية. كما أدى إطلاق المحكمة العليا العنان لتمويل الحملات الانتخابية دون حد أقصى، إلى منح الجمهوريين ميزة مضاعفة التمويل السياسي على الديمقراطيين بفضل علاقاتهم التقليدية مع الشركات الكبرى.    

رويترز
رجل يزوّد شاحنته بالوقود في محطة بولاية أوهايو، الولايات المتحدة، في 29 أكتوبر 2026

ويدافع الجمهوريون عن 22 مقعدا بمجلس الشيوخ مقابل 12 مقعدا للديمقراطيين، بينما تحتدم المنافسة بين الحزبين على 12 مقعدا، ثلاثة منها يشغلها ديمقراطيون وتسعة يشغلها جمهوريون. كما تشتد المنافسة بين الحزبين على 46 مقعدا في مجلس النواب، يشغل الديمقراطيون منها 25 مقابل 21 يشغلها جمهوريون.

وفيما ترجح اتجاهات الرأي العام استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب واحتمال الفوز بأغلبية مجلس الشيوخ، وكلاهما كفيل بتقليص قدرة الرئيس ترمب على المضي قدما في سياساته ومخططاته، وربما الإقدام على محاكمته بغية إقالته، يظل الديمقراطيون في حاجة إلى خمسة مقاعد في مجلس النواب وأربعة مقاعد في مجلس الشيوخ. وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدم الديمقراطيين بفارق بسيط على منافسيهم الجمهوريين على مقاعد الشيوخ في ثلاث ولايات كانت فيما مضى تصوت تلقائيا للجمهوريين، وهي أوهايو وتكساس وأيوا.

شهدت هذه الدورة حملات دعائية محمومة استمرارا لنهج بات يميز الانتخابات الفيدرالية الأميركية منذ قرار المحكمة العليا إلغاء الحد الأقصى لتمويل الحملات الانتخابية

ويحظى الديمقراطيون في هذه الولايات الثلاث التي كانت من قلاع الجمهوريين بثقة أكبر من منافسيهم في التعامل مع قضايا التضخم والفساد وخفض تكاليف الطاقة وأسعار الوقود. في المقابل، يتقدم الجمهوريون في ملفي الضرائب والهجرة، بيد أن أهمية هاتين القضيتين تراجعت لدى الناخبين خلال هذه الدورة الانتخابية، التي تهيمن عليها المخاوف المتعلقة بتكاليف المعيشة. فعلى سبيل المثال، يتقدم المرشح الديمقراطي جيمس تالاريكو على منافسه الجمهوري كين باكستون في  تكساس بشأن القضايا الثلاث التي يعتبرها 90 في المئة من سكان الولاية مهمة أو مهمة للغاية، وهي: الفساد، حيث يتقدم تالاريكو بفارق 6 نقاط مئوية، والتضخم بفارق 4 نقاط، والاقتصاد بشكل عام بفارق 3 نقاط.

في المقابل، يرى 61 في المئة من الناخبين في تكساس أن الهجرة وأمن الحدود من القضايا المهمة أو المهمة للغاية عند تحديد خياراتهم الانتخابية. ويُعد هذا الملف من القضايا القليلة التي يقول الناخبون إنهم يثقون بباكستون أكثر في التعامل معها.

وقد أنفق الجمهوريون ملايين الدولارات على حملات إعلانية تحذّر الناخبين من أن المرشحين الديمقراطيين سيرفعون الضرائب في حال فوزهم. إلا أن استطلاعات الرأي في الولايات الثلاث تظهر أن مخاوف الناخبين من احتمال أن يقوم الجمهوريون "بخفض الضرائب على أصحاب المليارات، بالتوازي مع إقرار سياسات من شأنها زيادة الأعباء المالية على الجميع"، تفوق مخاوفهم من أن يعمد الديمقراطيون إلى "رفع الضرائب على الأسر العاملة، بما يجعل الحياة أكثر تكلفة بالنسبة للعمال". وبمعنى آخر، قد يحظى الجمهوريون بثقة أكبر لدى الناخبين فيما يتعلق بإدارة ملف الضرائب، لكنهم لا يرون أن السياسة الضريبية وحدها كافية لمعالجة أزمة غلاء المعيشة وتخفيف الأعباء الاقتصادية.

وقد أدلى ما يقرب من 44 مليون ناخب أميركي بأصواتهم مبكرا حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول، وهو ما يزيد بنحو 10 ملايين صوت على الفترة نفسها من التصويت في انتخابات 2022. من بين هؤلاء 7 ملايين ديمقراطي وأكثر من خمسة ملايين جمهوري. ومن الطرائف أن البابا ليو الرابع عشر أصبح أول بابا يصوت في الانتخابات العامة الأميركية حيث كان من بين من أدلو بأصواتهم مبكرا عن طريق البريد. ويحمل البابا المولود في شيكاغو الجنسية الأميركية إلى جانب جنسية بيرو.

ووفقا لمكتب الإحصاء الوطني الأميركي، يقدر عدد الأميركيين الذين يحق لهم التصويت بنحو 250 مليون شخص، بزيادة 8.4 مليون عنه عام 2024.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال تجمع انتخابي لدعم السيناتور الجمهورية دارلين غراهام، في مدينة روك هيل بولاية ساوث كارولاينا، الولايات المتحدة، في 29 أكتوبر 2026

ورغم أن البيض يشكلون 61 في المئة من هذا العدد، فإنهم تراجعوا من 153 مليونا عام 2022 إلى 150 مليونا عام 2026. لكنهم ما زالوا يشكلون غالبية من يحق لهم التصويت في 46 ولاية. في المقابل قفزت أعداد المواطنين الناطقين بالأسبانية ممن يحق لهم التصويت بنسبة 16 في المئة لتبلغ 39 مليون شخص، ليحلوا في المرتبة الثانية كأكبر كتلة تصويتية في البلاد. ثم يليهم السود الذين زادوا بنسبة 6 في المئة فقط في الفترة نفسها إلى 31 مليون شخص. وحل ذوو الأصول الآسيوية في الترتيب الرابع بنحو 13.7 مليون، بزيادة 2.3 مليون (20 في المئة).

وقد شهدت هذه الدورة حملات دعائية محمومة استمرارا لنهج بات يميز الانتخابات الفيدرالية الأميركية منذ قرار المحكمة العليا إلغاء الحد الأقصى لتمويل  الحملات الانتخابية. وأظهر تحليل أجرته منظمة "أوبن سيكريتس" أن انتخابات التجديد النصفي الجارية ستسجل رقماً قياسياً جديداً في الإنفاق، مع توقعات بأن يبلغ إجمالي النفقات 12 مليار دولار مقابل 10 مليارات أنفقت في انتخابات عام 2024.

وتُظهر الإحصائيات الأولية أن الجماعات المحافظة لدى الجمهوريين يتفوقون على نظرائهم الليبراليين في حجم الإنفاق بواقع 2.03 مليار دولار مقابل 1.67 مليار دولار، بفارق يصل إلى 360 مليون دولار.

ويقبل الحزبان على الثلاثاء الحاسم في بيئة ليس هناك أفضل منها بالنسبة للديمقراطيين ولا أسوأ منها بالنسبة للجمهوريين.

52 في المئة يفضلون سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس مقابل 44 في المئة يفضلون الجمهوريين

وبالنسبة للشرق الأوسط، فإن هذه الانتخابات ستكون بمثابة اختبار للمسار الذي خطه التقدميون الديمقراطيون الداعين لإنهاء الدعم العسكري لإسرائيل والحرب مع إيران، لاسيما في الولايات التي فازوا فيها على داعمي إسرائيل في الانتخابات التمهيدية للحزب مثل ميشيغن ومنيسوتا وفلوريدا.

وأدى انهيار القاعدة الأساسية التي استند عليها ترمب في انتخابات 2024 الرئاسية، وهي الاقتصاد، إلى تراجع شديد في الدعم الشعبي للجمهوريين إذ بات الناخب يشعر باستياء شديد إزاء انفصال القيادة عن معاناته المعيشية وأصبح مستعدا للتصويت للديمقراطيين في ولايات اعتادت التصويت للجمهوريين. ولم يقدم ترمب لحزبه الكثير من الدعم بسبب تقليله من أهمية مخاوف الناخبين بشأن الاقتصاد، وتركيزه على التباهي بمؤشرات مثل أداء سوق الأسهم بدلاً من تكاليف المعيشة اليومية التي يكابدها المواطن.

كما بات الفساد الذي استشرى خلال الإدارة الجمهورية أحد القضايا المحورية المحددة لملامح انتخابات التجديد النصفي، وهو ما أبان عنه أحد الاستطلاعات التي أجريت في الولايات الثلاث عند سؤال الناخبين عن وصفهم لترمب والحزب الجمهوري.

وكشف استطلاع أجرته شبكة "إن بي سي" على مستوى الولايات المتحدة أن 52 في المئة من الأميركيين يفضلون سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس مقابل 44 في المئة يفضلون الجمهوريين.

وكان الجمهوريون في وقت باكر من هذه الدورة الانتخابية يراهنون على ثلاثة عوامل رئيسة للاحتفاظ بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ، تمثلت في التفوق المالي والقدرات التمويلية الكبيرة، وخريطة انتخابية تضم ولايات تُعد معاقل تقليدية شديدة الولاء للحزب الجمهوري، فضلاً عن تراجع شعبية الحزب الديمقراطي. لكن مع اقتراب ساعة الحسم الانتخابي، بدأت هذه المزايا تتلاشى إذ بات من الواضح أن الانتخابات تحولت إلى استفتاء على أداء رئيس فقد شعبيته، وأصبح الناخبون يحملون سياساته وأولوياته مسؤولية المخاوف والمعاناة الاقتصادية التي يعيشونها، حتى في الولايات التي حقق فيها فوزاً كاسحاً قبل عامين.

لكن لا ينبغي أخذ هذه العوامل كمسلمات لفوز الديمقراطيين في هذه الولايات الثلاث حيث إن تقدمهم على منافسيهم الجمهوريين في سباقات مجلس الشيوخ لا يزال في حدود هوامش الخطأ في الاستطلاعات. وفي النهاية سيحدد مزاج الناخبين إلى جانب اتجاهات المترددين منهم ومؤيدي مرشحي الأحزاب الثالثة، نتيجة المنافسة على السيطرة على مجلس الشيوخ.

font change

مقالات ذات صلة