لا تقتصر أهمية انتخابات التجديد النصفي الأميركية، المقررة اليوم، على تجديد مقاعد في الكونغرس ومجالس الولايات، فهي استفتاء سياسي على أداء الرئيس دونالد ترمب، وعلى المسار الذي اختاره لإدارة البلاد. فالنتائج ستحدد موازين القوى في واشنطن خلال العامين الأخيرين من ولايته، وما إذا كان سيتمكن من مواصلة تنفيذ برنامجه من دون عوائق كبيرة، أم سيواجه كونغرس أكثر ميلا إلى مساءلته ومقاومة سياساته.
يتنافس الحزبان على مقاعد مجلس النواب الـ435، فيما تشمل المنافسة 35 مقعدا في مجلس الشيوخ. ويدخل الجمهوريون الانتخابات بغالبية ضيقة في المجلسين، مما يجعل خسارة أي منهما مكلفة سياسيا لترمب. وتكتسب النتائج أهمية إضافية لأن الحزب الذي يسيطر على الكونغرس يمتلك قدرة أكبر على تحديد الأولويات التشريعية، والتحكم في عمل اللجان، والتأثير في الإنفاق والسياسات العامة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى مناخ لا يصب في مصلحة الجمهوريين. فقد أظهر استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث أن نسبة تأييد ترمب تراجعت إلى 30 في المئة، وأن 44 في المئة من الناخبين المسجلين ينظرون إلى تصويتهم بوصفه تصويتا ضده، في مقابل 19 في المئة يرونه تأييدا له. كما منح متوسط "ريل كلير بوليتكس" الديمقراطيين تقدما بنحو 9 نقاط في التصويت الحزبي العام لمجلس النواب. ويواكب ذلك فارق في الحماسة الانتخابية، إذ وجد "بيو" أن أنصار الديمقراطيين أكثر ميلا إلى متابعة الانتخابات والتعبئة للمشاركة فيها.
وتتصدر الأوضاع الاقتصادية اهتمامات الناخبين، من تكلفة المعيشة وأسعار الوقود إلى الرعاية الصحية، فيما تبرز أيضا قضايا الهجرة ومستقبل الديمقراطية والسياسة الخارجية، ولا سيما تطورات المواجهة مع إيران. وبحسب "غالوب"، وضع نصف الناخبين الاقتصاد والرعاية الصحية ضمن القضايا البالغة الأهمية لتصويتهم، فيما أعطى 47 في المئة الأهمية نفسها للوضع في إيران.
ومن الوجوه البارزة في مواجهة المعسكر الجمهوري عبدول السيد، المرشح الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، في مواجهة الجمهوري مايك روجرز. ويقدم السيد، وهو مسؤول صحي سابق وشخصية تقدمية، نموذجا لصعود تيار ديمقراطي أكثر تشددا في ملفات الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية. وقد فاز بترشيح حزبه على الرغم من الإنفاق الكبير ضده، لكن حملته تواجه انقسامات داخل الحزب، تجلت أخيرا في إعلان منافسته السابقة هايلي ستيفنز تأييد روجرز.
إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب، فسيتمكنون من رئاسة لجانه، وفتح تحقيقات، واستدعاء مسؤولين، وطلب وثائق، وممارسة رقابة أشد على الإدارة. كما يمكنهم عرقلة تمرير تشريعات ترمب وموازناته، فيما سيمنحهم الفوز بمجلس الشيوخ نفوذا على إقرار التعيينات القضائية والإدارية. وقد تتحول هذه الصلاحيات إلى أدوات ضغط جدية على البيت الأبيض، لكنها لا تعني شل قدرته التنفيذية، فالرئيس يحتفظ بحق النقض، ولا يمكن تجاوزه إلا بغالبية الثلثين في المجلسين. كما أن عزل الرئيس يتطلب موافقة مجلس النواب، ثم إدانته بغالبية الثلثين في مجلس الشيوخ. وتشير تقارير إلى أن الديمقراطيين يدرسون إعطاء الأولوية للتحقيقات والرقابة بدلا من الاندفاع مباشرة نحو إجراءات العزل.
وتواجه الانتخابات تحديات تتجاوز التنافس الحزبي، من التضليل والمعلومات المضللة والادعاءات المسبقة في شأن نزاهة الاقتراع، إلى المخاوف من الضغط السياسي على مسؤولي الانتخابات وترهيب الناخبين. وقد أظهر استطلاع "غالوب" أن 67 في المئة من الأميركيين قلقون من محاولة سياسيين التأثير في مسؤولي الانتخابات لتغيير النتائج.
ويضيف الذكاء الاصطناعي تحديا جديدا إلى هذه المخاوف، مع اتساع استخدامه في الحملات الانتخابية لإنتاج إعلانات وصور ومقاطع صوتية ومرئية تحاكي الواقع، بعضها يتضمن مشاهد أو تصريحات مفبركة لمرشحين وشخصيات سياسية. كما يتيح استخدامه إنتاج محتوى دعائي بسرعة وتكلفة أقل، وتعديل صور ومقاطع حقيقية بما يغير سياقها أو دلالتها. ووفقا لمشروع "ويسليان للإعلام"، تجاوز عدد الإعلانات السياسية التي رصد استخدامها للذكاء الاصطناعي 200 إعلان خلال دورة انتخابات 2026، مع إنفاق تخطى 100 مليون دولار. ولا يزال حجم تأثير هذه المواد في خيارات الناخبين ومدى قدرتها على تغيير سلوكهم الانتخابي موضع بحث.
أما الإنفاق، فيكشف عن حجم الرهانات، إذ توقعت شركة "آد إمبكت" أن يبلغ الإنفاق على الإعلانات السياسية في الدورة الانتخابية 2025–2026 نحو 11.6 مليار دولار، متجاوزا الرقم القياسي المسجل في الانتخابات الرئاسية لعام 2024. ويشمل التقدير الإعلانات الخاصة بسباقات الكونغرس وحكام الولايات ومنافسات انتخابية أخرى، ولا يمثل إجمالي تكلفة الانتخابات أو إنفاق المرشحين وحدهم.
