يعكس كتاب الباحث العراقي حسين الهنداوي "علي الوردي والمنهج الجدلي"، الصادر حديثا عن "دار أبجد للنشر والتوزيع"، حيوية طروحات المفكر وعالم الاجتماع العراقي، وما تثيره من جدال دائم، لناحية المحتوى أو المنهج المعتمد ذاته. الوردي (1913 ـ 1995)، اسم متداول في أوساط العراقيين في مختلف المراحل، فقد بدأ النشر في الصحافة العراقية منذ أواسط أربعينات القرن العشرين، وأثارت أول محاضرة له في بغداد عام 1950 الكثير من السجال، لتناوله الشخصية العراقية ووصفها بالازدواج، لما يصطرع فيها من قيم البداوة والحضارة.
حضور متزايد
بقي ذكر الوردي متواترا عبر شتى الوسائل، وإن كان يخفت حينا فلأسباب سياسية، في الغالب، كما حدث في ظل حكم البعث، حيث التضييق وانحسار تداول كتبه أو اختفاؤها، خاصة بعد عام 1979، وذلك لتعارض خطابه، في المجمل، مع توجه السلطة. لكن الصورة تبدلت تماما خلال العقدين الأخيرين، ففضلا عن الندوات والكتب الرصينة المكرسة له، ومنها ما هو أكاديمي، أخذ يحضر عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المختلفة ممثلا في مختارات وشذرات من كتبه أو مقالاته، أو عبر تناول بعض آرائه وطروحاته بالتأييد والحماسة أو الرفض والاستهجان.
في طبيعة الحال، فإن منشورات كهذه تتفاوت في درجة تأنيها ورصانتها من جهة أو عجالتها وخفتها من جهة ثانية، وما يترتب جراء ذلك من مدح أو قدح. إن حالة كهذه تشير ضمنا إلى شيء جوهري في ما يمكن تسميته "ظاهرة" علي الوردي، كما جسدها واقع الرواج الذي عرفته أفكاره وكتاباته وما حققته مؤلفاته من نجاح عبر الطبعات العديدة المختلفة ونفادها سريعا. وهو ما لم يتحقق لكاتب عراقي من قبل، فضلا عن كون هذا الكاتب عالم اجتماع. بذلك حاز الوردي سمة لم يحزها كاتب أو مفكر عراقي آخر سواه، هي الشعبية، ولذلك أكثر من سبب، منها ما يتصل بطبيعة الأسلوب وطريقة عرض الأفكار واللغة المعتمدة، وقد اتسمت كل هذه بالبساطة والسلاسة والوضوح والنبرة الساخرة المستفزة، بعيدا من السياقات المتكلفة والتعقيد، مع الاستعانة بخزين حكائي متجدد. ومنها ما يتعلق بجوهر طروحاته ذاتها، التي تتناول بشكل خاص المجتمع العراقي والشخصية العراقية، وما يعنيه ذلك من تعرض إلى مسائل خلافية، حساسة، تطال ضمنا الديني والمذهبي، وما يترتب على ذلك كله من جدل يصاحب عادة النظريات التي تتناول التكوين الاجتماعي والتاريخي وحتى النفسي لشعب ما.



