عبدالرحمن الشقير لـ المجلة": لا تناقض بين "الأنا" و"النحن" في المجتمع القبلي

لا تفتقد الثقافة العربية للملاحم لكنها تفتقد إلى التصنيف

Abdulrahman Al-Shuqir- facebook
Abdulrahman Al-Shuqir- facebook

عبدالرحمن الشقير لـ المجلة": لا تناقض بين "الأنا" و"النحن" في المجتمع القبلي

كرس الدكتور في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا عبدالرحمن بن عبدالله الشقير، دراساته لتشريح المفاهيم الكامنة في المجتمع وتفسيرها، كما سعى في كتبه إلى التوغل لأصل التراث والتقاليد، فأصدر "الذاكرة الشعبية السعودية" في جزءين، و"حضارة منقوشة على حجر: الشعب الثمودي"، كما قدم كتاب "حضارة طسم وجديس"، وغيرها من الأبحاث التي تفكك أهم معالم الأنثروبولوجيا العربية. هنا حوار "المجلة" معه.

درست المجتمع السعودي في كتابك لتحليل الذاكرة الشعبية من خلال نظرية "الهابيتوس"، لكن كيف تفسر احتفاظ المجتمع السعودي بالعديد من عناصر التراث العربي القديم؟

أرى أن استمرار عناصر كثيرة من التراث العربي القديم في المجتمع السعودي يعود إلى قدرته على إعادة إنتاج بعض قواعده وممارساته داخل ظروف جديدة. فالحداثة غيرت الأدوات والمؤسسات وسرعة الحياة، لكنها لم تمح المخزون الثقافي المتراكم، بل أعادت تشكيل بعضه وتوزيعه بين الأسرة والمجلس والمدرسة.

وهنا من المهم التفريق بين العادات والتقاليد العامة وبين ما يسميه بيير بورديو "الهابيتوس". فالعادات والتقاليد هي الممارسات المشتركة الظاهرة داخل المجتمع، أما الهابيتوس فهو أعمق، إذ يتعلق بالأذواق والسلوكيات المنغرسة في وعي الفرد ولاوعيه وتتشكل عبر الأجيال، ثم يكتسبها داخل أسرته وطبقته وبيئته الاجتماعية، ثم يمارسها بصورة تبدو عفوية. ومن هنا تظهر للباحث الحصيف المساحة الشاسعة بين النخبة التي تمتلك الثروة المتوسطة والثقافة العالية والتي تمتلك الثروة العالية مع ثقافة متوسطة، ومن يمارس سلوك النخبة بتلقائية ومن يمارسها بتكلف.

ويمكن رؤية عنصري العادات والهابيتوس في المجلس السعودي، فقد يتغير أثاثه وموقعه وشكله، بينما تستمر قواعد الاستقبال والضيافة ومراعاة السن والمكانة وحقوق الضيف. أما الفروق الدقيقة في طريقة التعامل مع الضيف، ومستوى الحفاوة به، وترتيب المكانة داخل المجلس، فتتأثر بالهابيتوس الاجتماعي للأسرة والطبقة أكثر من ارتباطها بالعادات العامة وحدها.

ومن ثم يمكن فهم استمرار التراث في ثلاثة مسارات مترابطة. الأول استمرار عناصر قادرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها في بيئات جديدة. والثاني تآكل بعض العناصر عندما تضعف الأسرة والمدرسة والجيرة التي كانت تنقلها، بوصفها ناقلا للحكايات والأمثال والعادات بين الأجيال. والثالث إعادة تشكيل بعض الأسر لهابيتوسها مع تغير موقعها الاقتصادي والاجتماعي، خصوصا عند حدوث تفاوت بين الثروة المالية ورأس المال الثقافي وشبكات العلاقات الاجتماعية، وهذه الأخيرة برزت بوضوح في العقدين الأخيرين، ولم تحظ بالدراسات الكافية حتى الآن.

التشابه بين بعض الممارسات السعودية المعاصرة وما كان سائدا في قرون سابقة لا يعني بقاء المجتمع على حاله، بل يدل على أن بعض البنى الثقافية أكثر قدرة على الاستمرار من الأدوات والأشكال التي تحملها

ولهذا فإن التشابه بين بعض الممارسات السعودية المعاصرة وما كان سائدا في قرون سابقة لا يعني بقاء المجتمع على حاله، بل يدل على أن بعض البنى الثقافية أكثر قدرة على الاستمرار من الأدوات والأشكال التي تحملها، فتتغير الصورة ويبقى جزء من القاعدة الاجتماعية التي تنتجها.

الأنا والنحن

كيف تسير "الأنا" عند العرب، في ظل الحضور القوي لمفهوم "نحن" المتمثل بالقبيلة؟

"الأنا" و"النحن" في المجتمع القبلي ليستا على طرفي نقيض. فالقبيلة تمنح الفرد اسمه ونسبه وشبكة الأمان والحقوق والالتزامات، لكنها في الوقت نفسه تضعه داخل ميدان شديد التنافس على السمعة والشجاعة والكرم والرأي والشعر والقيادة. ولهذا أنتج المجتمع القبلي شخصيات فردية شديدة الحضور، مع بقائها جزءا من هوية جمعية قوية، والتاريخ زاخر بنماذج فردية شديدة الحضور من الفرسان والشعراء والكرماء، مع أنها تتحرك داخل هوية جمعية قوية.

غلاف الذاكرة الشعبية

تتحدد قيمة الأنا بموقعها داخل شبكة القرابة والسمعة والالتزام. وكان الفرد يستطيع أن يرفع مكانة قبيلته أو يضر بها، ولهذا اكتسبت السمعة الشخصية وزنا كبيرا. ويمكن رؤية ذلك بوضوح في الشعر العربي والنبطي، فالشاعر يتحدث كثيرا بصوت الفرد، لكنه يحمل معه تاريخ جماعته ومكانتها ومنافستها.

وفي المجتمع الحديث اتسعت دوائر الهوية: أصبح الفرد يتحرك بين الأسرة والقبيلة والمهنة والمدينة والوطن والعالم الرقمي. ولم تعد القبيلة النظام الوحيد المنظم للاقتصاد والأمن والسياسة المحلية كما كانت في بعض البيئات القديمة، لكنها بقيت مصدرا للنسب والذاكرة والتراث المادي وغير المادي والعلاقات والرموز الاجتماعية.

ويتغير موقع الفرد باختلاف المجال الذي يتحرك فيه، وبالمثل يتغير موقع القبيلة ووظيفتها داخل المجتمع باختلاف البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد عالج عدد من العلماء علاقات "الأنا" و"النحن" في سياقات مختلفة بحسب الأدوار والعلاقات الاجتماعية، من أبرزهم ابن خلدون في فهم العصبية والنحن، وإميل دوركايم في ضغط الضمير الجمعي، ومارتن بوبر في فهم العلاقة بين الأنا والآخر، وإرفنغ غوفمان في فهم السمعة وتوقع الأدوار.

وبذلك فإن قوة "النحن" القبلية لا تلغي "الأنا"، وإنما تدمجها داخل منظومة من المكانة والقرابة والسمعة. ومع اتساع المجتمع الحديث أصبحت الأنا أكثر تعددا في انتماءاتها، بينما بقيت القبيلة أحد أهم مصادر الهوية والذاكرة الاجتماعية.

البداوة والدولة

في ظل العملية الحداثية المستمرة في تشكيل المدنية والمجتمع، هل لا تزال البداوة مهمة للدولة الحديثة؟

من المهم أولا الفصل بين البداوة والقبيلة، فالبداوة نظام حياة واقتصاد تشكل حول الحركة والرعي والتكيف مع البيئة الجافة، أما القبيلة فهي تنظيم قرابي واجتماعي مستمر في البداوة والمدينة والأرياف.

البداوة بصورتها الاقتصادية القديمة تراجعت إلى حد كبير، لكن كثيرا من خبرتها انتقل من كونه نظام معيشة إلى مخزون ثقافي ومعرفي، فقد تراجع الترحال الموسمي واقتصاد المقايضة والغزو وبعض وظائف القبيلة القديمة، بينما بقيت معرفة بالمناخ والإبل والنبات وذاكرة المكان، إضافة إلى مصفوفة القيم الثابتة في المجتمع العام كالضيافة والتضامن والانتماء والشعر واللغة.

ومن هنا تأتي أهميتها للدولة الحديثة، فالدولة تحتاج فهم الخبرة التاريخية التي راكمتها البداوة، لأنها تساعد على تفسير العلاقة بالمكان والموارد والهوية المحلية والذاكرة الاجتماعية، وقد مر مجتمعنا بموجات عديدة من البداوة، بدءا ببداوة القبائل الثمودية قبل 3000 عام تقريبا، ثم القبائل العربية قبل الإسلام وبعده، ثم قبائل العصر الوسيط، ثم قبائل العصر الحديث، ولكل نمط منها خبراته وتاريخه وتراثه.

قوة "النحن" القبلية لا تلغي "الأنا"، وإنما تدمجها داخل منظومة من المكانة والقرابة والسمعة. ومع اتساع المجتمع الحديث أصبحت الأنا أكثر تعددا في انتماءاتها، بينما بقيت القبيلة أحد أهم مصادر الهوية

ولهذا ينبغي التعامل مع البداوة بوصفها جزءا من التاريخ الاجتماعي للمجتمع، بعيدا عن صورتين مبسطتين: تمجيدها بوصفها بطولة خالصة، أو اختزالها في كونها نمطا متخلفا. فقد كانت استجابة عقلانية لبيئة شحيحة الموارد، ثم تحولت مع قيام الدولة الحديثة إلى رصيد ثقافي ومعرفي يمكن توثيقه والاستفادة منه في فهم المجتمع وتاريخه.

يرى ابن خلدون أن زيادة السكان في المدينة أو البلد كان أفضل للنمو الدولة والمجتمع، هل هذا يتجلى في الصين والهند حاليا، ويجب علينا السعي إليه في المجتمعات العربية؟
رغم كثافة نظريات ابن خلدون الاقتصادية، إلا أن نظرية ربط زيادة السكان بالنمو الاقتصادي تعتبر من أكثر نظرياته إثارة للجدل. فهو يرى أن ازدهار العمران يتحقق بكثرة العمل، لأنه يؤدي إلى تقسيم العمل وتنوع الصنائع واتساع الأسواق، ومن ثم ينعكس على النمو العمراني، فاجتماع الناس وتعاونهم وتخصصهم يؤدي إلى إنتاج يفوق الضرورات، ثم يتحول الفائض إلى مزيد من الصنائع والمهارات والترف والعمران. ولذلك يقرر في المقدمة أن زيادة العمران تزيد العمل المتاح، ومع زيادة العمل تتسع الأرباح والحاجات والصناعات، فتدخل المدينة في دورة أوسع من الإنتاج والازدهار.

لكن ابن خلدون بنى نظريته على مجتمعات تقليدية لديها موارد محدودة وتتعرض لمواسم جفاف وكوارث طبيعية تدمر اقتصادها، أما اليوم فالتجربة تختلف، حيث ظهرت صناعات ضخمة في الصحة والتعليم والتقنية والفن والخدمات وغيرها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم تفوق الصين والهند بالتقنية أكثر من الصناعات التقليدية، وهذا ما يبعد متغير أن العدد وحده يصنع النمو. فالتجربة الصينية قامت على تحويل كتلة بشرية ضخمة من أنشطة زراعية منخفضة الإنتاجية إلى الصناعة والخدمات والمدن، مع استثمارات واسعة في البنية التحتية والتعليم والأسواق. أما الهند فتظهر وجها آخر للمسألة، إذ تمتلك كتلة سكانية شابة وسوقا كبيرة وقاعدة واسعة في الخدمات والتقنية.

لهذا يمكن فهم ابن خلدون اليوم باعتباره يتحدث عن الكثافة المنتجة، فالسكان يتحولون إلى قوة عندما تنتظم قدراتهم داخل تعليم جيد، واقتصاد منتج، ومؤسسات قادرة على استيعاب العمل والتخصص وتوسيع السوق. ولذلك فالسؤال المعاصر: كيف نستطيع أن نحول السكان إلى إنتاج ومعرفة تسهم في ازدهار العمران؟ هنا تبقى الفكرة الخلدونية شديدة الحيوية.

Abdulrahman Al-Shuqir- facebook
عبدالرحمن بن عبدالله الشقير يعاين نقوشا حجرية

النقش في الحجر

إلى مدى يمكننا أن نعتمد على ذاكرة الفرد سابقا المنقوشة على الحجر، في فهم وقراءة مجتمعه والحضارة التي كان يعيش فيها؟

يعتبر النقش على الحجر التي تركتها الحضارات والقبائل القديمة، من المصادر النادرة التي تتيح لنا سماع الإنسان العادي مباشرة، فالمؤرخ القديم غالبا يسجل أخبار الملوك والحروب والدول، بينما يكتب صاحب النقش اسمه ونسبه ودعاءه ورحلته وحبه وحزنه وملكيته وعلاقته بمكان معين. وعندما تتراكم آلاف النقوش تبدأ في الظهور أنماط اجتماعية متكاملة.

السكان يتحولون إلى قوة عندما تنتظم قدراتهم داخل تعليم جيد، واقتصاد منتج، ومؤسسات قادرة على استيعاب العمل والتخصص وتوسيع السوق

يمكن من خلال تكرار الأسماء والأنساب واللغات والآلهة والمواضع والرسوم معرفة الحركة البشرية وشبكات الاتصال والدين والقرابة والملكية الفردية والجماعية وبعض الأنشطة الاقتصادية. وهذا ما يجعل النقش على الحجر ذاكرة فردية تتحول إلى تاريخ اجتماعي واقتصادي يمكن أن يكشف عن كثير من الفراغات التاريخية، ولم يحظ هذا الموضوع بالاهتمام الكافي حتى الآن.

وتزداد قيمتها حين تجمع أعداد كبيرة منها وتقارن بالآثار والجغرافيا والمصادر الأخرى، لأن تكرار الأسماء والأنساب والمواضع والموضوعات يكشف أنماطا أوسع تتصل بالحركة البشرية والقرابة والتدين والاقتصاد والذاكرة الاجتماعية.

وفي تجربتي في كتابي "حضارة منقوشة على حجر: الشعب الثمودي" لاحظت أن دراسات الآثار تكتفي بترجمة النقوش، وهذا دورها الأساسي، وغاب علماء الاجتماع عن دراسات القيم في المجتمعات القديمة، وهذا ما أقصاها من نسيج التاريخ، وركزت في كتابي على ثلاثة أهداف، الأول أن أحلل القيم البشرية المشتركة بين الثموديين وغيرهم، وأن أدمج الشعب الثمودي في صلب حركة التاريخ الاجتماعي ويحتل موقعه من تعاقب الحضارات والشعوب في المنطقة، والثالث تأكيد قوة استمرار سلوك الإنسان الثمودي العادي بإنسان اليوم، مثل امتلاك الإبل وزراعة النخل وحب المال وإقامة وليمة إذا شفي أحد أقاربه من مرض، ومناكفة الزوجين بين قضايا الانفصال أو الطلاق.

في بداية القرن الحالي عام 2000 خرج الدارسون المشاركون في المؤتمر الدولي للتراث بدورته السابعة في إيطاليا، باستنتاج مفاده أن التراث انتهى، كيف ينعكس ذلك على عصرنا؟

الأدق هنا تصحيح المصطلح، فالمؤتمر ناقش نهاية التقليد، لا نهاية التراث، لأن سؤال المؤتمر كان عن استمرار الممارسات والأنماط التقليدية وانتقالها بين الأجيال تحت ضغط العولمة، لا عن اختفاء التراث بمعناه الأوسع الذي تعتبر التقاليد جزء منه.

غلاف ثقافة الهدية عند السعوديين

فقد عقدت "الرابطة الدولية لدراسة البيئات التقليدية" مؤتمرها السابع في مدينة تراني الإيطالية تحت عنوان "هل انتهى التقليد؟"، في لحظة كان فيها التقليد يتعرض لضغط متزايد من العولمة والرأسمالية والتحولات العمرانية وتغير علاقة المجتمعات بالمكان. وكانت الفكرة التي انطلق منها المؤتمر أن العالم يشهد اتجاهين متزامنين، قوى عالمية تدفع نحو تقليص الفروق والخصوصيات المحلية، وفي المقابل عودة قوية للهويات المحلية والتقاليد والانتماءات الخاصة. ولذلك كان السؤال عن مصير التقاليد حين تتغير البيئة التي أنتجته.

بينت أن سلوك الإنسان الثمودي العادي مستمر مع إنسان اليوم، مثل امتلاك الإبل وزراعة النخل وحب المال وإقامة وليمة إذا شفي أحد أقاربه من مرض

وتكشف نتائج المؤتمر عن تعدد المواقف، فقد ناقشت بعض الدراسات نهاية التقليد، وأخرى إعادة اختراعه أو ولادته في صورة جديدة، وأخرى استمراره وتحوله تحت ضغط العولمة. ومن هنا أرى أن نبحث اليوم بعد هيمنة العولمة ثم العصر الرقمي عن سؤال "التراث والتقاليد تحت الضغط". فبعض الممارسات يتراجع بفقدان وظيفته أو تغير البيئة الاجتماعية التي كانت تحمله، وبعضها يعاد تشكيله، وبعضها يستمر داخل صور جديدة.

غلاف أنثروبولوجيا جماهير كرة القدم وأهازيج الملاعب

الملاحم العربية

لكل حضارة أساطير وملاحم، ويجادل الدكتور سعد الصويان بأن الحضارة العربية متخمة بملاحم تضاهي الإلياذة على سبيل المثال، لكنها مهملة في حقل الدراسات، كيف ترى هذه المسألة؟
كلام الدكتور الصويان دقيق وأتفق معه. ولكن القضية ليست أن الثقافة العربية لم تنتج مادة ملحمية، بل أن مفهوم "الملحمة" نفسه تشكل داخل تقاليد النقد الغربي، ثم أصبح معيارا نقيس به مواد ثقافية بنيت بطريقة مختلفة. وبالتالي فإن أي ملامح للأسطورة يعيد الباحثين تشكيلها بوصفها إما قصة حقيقية أو مكذوبة، ويكون التفكير الأسطوري خارج التقييم.

أضرب لك مثالا من تجربتي مع كتابي "طسم وجديس: الأسطورة المؤسسة"، فقد نشأت مثل كثير من الباحثين على أنها خرافة وأكاذيب مؤرخين وغير حقيقية، وعندما قررت أن أفحصها، جمعت شظايا القصة من ستين مصدرا، وكل مصدر يأتي بجزء ضئيل منها، واستمر هذا الحال لأكثر من 1200 عام من بدء تدوينها حتى الآن، فجمعتها كلوحة فسيفساء وركبت قطعها بشكل متسلسل، وتبين أن كل اسم من شخصياتها يشبه وظيفته داخل الأحداث، مثل شخصية عمليق الضخم القوي، والهزيلة التي تجسد الأمومة المستضعفة، ورياح الناجي الوحيد الذي نقل الخبر كالريح وهكذا، كما أن "حق الليلة الأولى" التي فرضها عمليق وهي أبرز نقطة تم نفي الأسطورة بسببها تماثل "البغاء المقدس" الذي تكرر في أساطير عالمية كثيرة، وأصبحت أسطورة متكاملة الأركان وتشبه في جوانب منها شخصية أنكيدو في أسطورة جلجامش، إلا أنها كانت أسطورة بنكهة الصحراء.

ولدينا السيرة الهلالية ورحلة الضياغم أيضا، وهما من الملاحم الشفوية الضخمة التي عاشت قرونا في الأداء والتناقل، ومع ذلك ورغم أن السيرة الهلالية بدأت من الحجاز ونجد، إلا أنها حظيت باهتمام فني في مصر وتونس، ودرسها أنثروبولوجين مثل دوايت رينولدز بوصفها نصا وأداء اجتماعيا في الوقت نفسه، فهي تروي بطولة ومغامرة وتناقش الهوية والدين والمكانة والجندر والعلاقات الاجتماعية مع الجمهور أثناء الأداء، بينما الاهتمام البحثي والفني السعودي أقل من مثيلاته.

والشعر النبطي يمثل مخزونا آخر مختلفا، لكن ليس كل قصيدة طويلة ملحمة. المطلوب أولا أن نعيد تصنيف المادة العربية: أين توجد الدورة البطولية الممتدة؟ أين تتعدد الشخصيات والأجيال والأحداث؟ أين تتحول القصائد والروايات المتفرقة إلى قصة كبرى؟ ثم تأتي مرحلة التحقيق والدراسة والمقارنة، وبعدها الرواية والفيلم والمسرح والألعاب.

المطلوب تطوير الملحمة العربية بدءا من وضع معايير واضحة للملحمة العربية تنطلق من طبيعة مادتها الشفوية والشعرية والتاريخية، بدل إخضاعها تلقائيا للنموذج اليوناني

المشكلة في تقديري أن جانبا مهما من تراثنا جمع باعتباره "شعرا شعبيا" أو "حكايات" أو "أيام قبائل"، ولم يعامل دائما بوصفه مادة قابلة لإنتاج أعمال حضارية كبرى. الغرب لم يولد ومعه هوميروس بصورته الحالية، بل تراكمت قرون من التحقيق والتفسير والتعليم وإعادة الإنتاج الفني حول نصوصه.

المطلوب اليوم هو تطوير الملحمة العربية كما تطورت لدينا أشكال المسرح والفنون الحديثة، بدءا من وضع معايير واضحة للملحمة العربية تنطلق من طبيعة مادتها الشفوية والشعرية والتاريخية، بدل إخضاعها تلقائيا للنموذج اليوناني. ثم تجمع المواد المتفرقة وتحقيقها وتصنيفها وبناء سردها بصورة مقصودة، قبل تحويلها إلى أفلام ومسلسلات وروايات وألعاب كبرى تنتج بوصفها مشروعا ثقافيا لبناء الذاكرة والهوية.

font change