الكندية آن كارسون تعيد الشعر إلى نوبل... الحداد لعبا

نهلت من الإغريق وابتدعت أشكالا جديدة للأدب المعاصر

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon

الكندية آن كارسون تعيد الشعر إلى نوبل... الحداد لعبا

عند الواحدة من ظهر أمس الخميس بتوقيت وسط أوروبا فتحت الأكاديمية السويدية بابها المعهود في ستوكهولم، وخرجت سكرتيرتها الدائمة إنغريد كارلبرغ إلى الصحافيين الحاضرين لتعلن فوز الشاعرة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب "لأعمالها الجريئة المبتكرة التي ابتدعت أشكالا جديدة للأدب المعاصر في حوار لعوب مع التراث الكلاسيكي". ربما عبرت هذه العبارة آذان الحاضرين بالسرعة التي تعبر بها عبارات على شاكلتها كل عام، ولكن ثمة بقية واحدة بقيت معلقة في الهواء لوقت أطول من أخواتها: «لعوب»، هذه الكلمة التي نطقت بها مؤسسة عرفت بالجدية والصرامة في طقس أدبي من أكثر الطقوس جدية إن لم يكن الأكثر.

هذه الكلمة تستوقف من يعرف سيرة هذه المرأة المولودة في تورونتو عام 1950، والتي أمضت سنوات تصنع صندوقا لأخ مات بعيدا عنها، كذلك أمضت عمرها وهي تترجم عن الإغريقية مسرحيات ينتهي الحال بأبطالها إلى المضي نحو حتوفهم، وفي كل نكتة من نكاتها يسمع صدى خفيف لتراب يهال.

ثمة مسافة بين الخفة التي رأتها الأكاديمية والحزن المقيم داخل الكتب، ومن داخل هذه المسافة تنكشف كارسون على نحو آخر لمن يطيل الإقامة في عالمها، والسبب في ذلك هو أن اللعب عندها بمثابة اللغة التي يتكلم بها الحزن حين يتعثر الكلام المباشر، وحيلة تستدعي بها موتاها إلى الحاضر فتجالسهم وتمازحهم لتبقيهم قربها لأطول وقت ممكن، ولعل الأكاديمية وهي تزن كلماتها بميزان الذهب قالت أكثر مما أرادت.

أخت أنتيغونا

أعادت كارسون عام 2012 كتابة مسرحية سوفوكليس في نص وضعت له عنوان "أنتيغونيك" (Antigonick) وجعلته يبدأ على خشبة معتمة تدخلها أنتيغونا وأختها إسمينا، فتقول الأولى (في الترجمة الني نشرها موقع مدينة ضمن ملف أعده وائل عشري): "نبدأ من الظلام/والميلاد هو موتنا"، ليليها مزاح بين الأختين في نسبة الكلام إلى صاحبه، فأنتيغونا تنسبه إلى هيغل في حين تراه إسمينا أقرب إلى بيكيت، لتستدرك الأولى أن بيكيت نفسه كان يعيد صياغة هيغل.

يمضي الحوار على هذه الخفة إلى أن تلتفت أنتيغونا نحو أختها لتسألها بنبرة ساخرة عن مرارة أو ألم، أو غثيان أو عار، أو صدمة أخلاقية نجتا منها منذ ولادتهما من شرور والدهما أوديب، قبل أن تنتقل بشكل مفاجئ إلى ما جاءت من أجله قائلة: "الآن هذا المرسوم". يبتسم القارئ لهذا المزاح الذي فيه تتجاذب الأختان نسبة عبارة، ثم يدرك أن المرسوم الذي تسأل عنه أنتيغونا هو قرار الملك بترك جثة أخيها في العراء، وأن الحكاية كلها تدور حول يد تصر على إهالة التراب فوق ذاك الجسد، لتغدو النكتة الفلسفية في أول المسرحية عتبة مرحة نحو قبر.

عاشت كارسون حكاية قريبة من حكاية بطلتها حين هرب شقيقها مايكل من كندا عام 1978 بعد اتهامه بتجارة المخدرات وغاب عنها أكثر من عشرين عاما، ثم اتفقا على لقاء في كوبنهاغن سبقهما إليه موت مايكل

عاشت كارسون حكاية قريبة من حكاية بطلتها حين هرب شقيقها مايكل من كندا عام 1978 بعد اتهامه بتجارة المخدرات وغاب عنها أكثر من عشرين عاما، ثم اتفقا على لقاء في كوبنهاغن سبقهما إليه موت مايكل، وهو الخبر الذي وصلها متأخرا. من هذا الغياب خرج عام 2010 كتاب "ليل" (Nox) في هيئة غريبة عن الكتب التقليدية، في صفحة واحدة طولها 12 مترا وتنطوي طيات متتالية داخل علبة. وفي أول الكتاب وضعت كارسون القصيدة التي رثى بها الشاعر الروماني كاتولوس أخاه قبل ألفي عام، وراحت تشرح كلماتها اللاتينية الثلاث والستين كلمة بعد كلمة على يسار الطيات بلغة القواميس الباردة، بينما تتراكم  على اليمين صور وشذرات من أقوال أخيها ووالدته والمرأة التي ترملت بموته. بهذا البطء أدت على الورق ما سماه سيغموند فرويد "عمل الحداد" (Work of Mourning)، وهو الجهد الذي تمر فيه الذاكرة على آثار الفقيد أثرا بعد أثر حتى تقدر التفس على الإفتراق، فمرت كارسون على الكلمات مرور المفجوع على الذكريات وصار البطء نفسه طقسا جنائزيا.

REUTERS/Golli/Kjartan Thorbjoernsson
آن كارسون، الفائزة بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، تجلس خارج منزلها في ريكيافيك، آيسلندا، 26 أكتوبر 2023.

سبقت الأم مارغريت الأخ إلى الغياب فماتت عام 1997، وكانت آن تسميها حب حياتها، وافتتحت بقصائد رثائها كتاب "محو الذات" (Decreation) عام 2005 الذي استعارت عنوانه من مفهوم سيمون ويل عن تفريغ النفس من أناها، ونقلت موزة عبدالله العبدولي بعض هذه القصائد إلى العربية لعل أبرزها قصيدة "خطوط" التي فيها تكلم الابنة والدتها على الهاتف وهي تشغل يديها بترتيب مكتبتها، فتسند الكتب إلى جانب الجهاز وتجمع مشابك الورق في صحن خزفي وتزيح فتات الممحاة المنثور، فيما الأم على الطرف الآخر من الاتصال "تطيل حديثها عن الموت"، قبل أن تمزح بأنها لن تدفع الفاتورة وتنتهي القصيدة بمشابك الورق "مصفوفة إلى الأبد". تقوم القصيدة على التقتير، أشياء صغيرة وجمل قصيرة وعاطفة محبوسة خلف الترتيب، وبهذا التقتير تبلغ ما تعجز عنه المراثي الصاخبة.

لعل أقدم الموتى في حياة كارسون هم الإغريق وهذا تجلى في توجهاتها اللاحقة، ففي واحدة من المدارس التي التحقت بها (وهنا نذكر كلمة "مدارس" لأنها لم تعرف الاستقرار في مكان واحد في كند بحكم عمل والدها المصرفي)، فتح أستاذ اللاتينية للفتاة باب الاغريقية ودخلت لغة هجرها متكلموها منذ قرون واتخذتها بيتا، ونالت الدكتوراه عام 1981 بأطروحة عن الحب والرغبة عند الإغريق عنوانها "أكره وأحب، إذن أنا موجودة" (مستعيرة شطرها الأول من كاتولوس نفسه)، وهي الأطروحة التي ستنشر لاحقا في كتاب عنوانه "إيروس: الحلو/المر" (Eros the Bittersweet: An Essay) الذي نقله إلى العربية عبد الرحيم يوسف عام 2024. رفضت جامعة برنستون تثبيتها كأستاذة عام 1987 فمضت إلى ماكغيل في مونتريال وأكملت هناك وفي جامعات أخرى ترجمة شذرات سافو وعشر تراجيديات إغريقية، وظلت تكتب عن هؤلاء الموتى بلسان من عرفهم عن قرب.

نار تركض في البيت

وصفت كارسون الشعر مرة بصورة تختصر طريقتها كلها في الكتابة، فإذا كان النثر بيتا فالشعر "رجل تشتعل فيه النار يركض مسرعا عبر هذا البيت"، والنار كارثة والركض خفة، وكلاهما يحدث في اللحظة نفسها. هذا الجمع بين الكارثة والخفة نجده عند المؤرخ الهولندي يوهان هويزنغا الذي رأى في كتابه "الإنسان اللاعب" (Homo Ludens) أن اللعب أقدم من الثقافة نفسها، وأن الشعر والطقوس ولدت في رحمه، وأن اللاعب الجاد يدخل دائرة لها قوانينها فيأخذها مأخذ الحياة. بهذه الجدية تلعب كارسون وفق قوانين صارمة تنكشف لمن يتمهل.

بدأ لعبها هذا في قاعات الدرس عندما ابتكرت في سنوات برنستون ما سمته "الحديث القصير" (Short Talk)  لتكسر به صرامة المحاضرة الجامعية، قبل أن تجمع هذه النصوص عام 1992 في كتاب بعنوان "أحاديث قصيرة" (Short Talk). في أحد نصوص هذا الكتاب المعنون "حديث قصير عن أوفيد" يتعشى الشاعر الروماني في منفاه ويعود إلى حجرته حيث ينتظره راديو أخضر براق، فيكتب رسائله ويبكي، ويعلم نفسه لغة السكان المحليين "كي يؤلف بها قصيدة ملحمية لن يقرأها أحد أبدا". يكفي راديو واحد ليهدم ألفي عام، ويكفي سطر أخير ليقلب الوصف نكتة مرة عن شاعر يكتب لقراء غائبين. هذا الشكل صنع لكارسون مكانتها الأولى ودفع كثيرون من كتاب "المقالة الغنائية" (Lyric Essay) في أميركا الشمالية إلى اعتبارها رائدة لهم، غير أن اقتصاده الشديد يجعله رهين الضربة الأخيرة، فإذا أخطأت النكتة هدفها بقي الحديث خاطرة ذكية وحسب، وهو ما يصيب بعض الأحاديث المجموعة الأقل توفيقا.

إذا كان النثر بيتا فالشعر "رجل تشتعل فيه النار يركض مسرعا عبر هذا البيت"، والنار كارثة والركض خفة، وكلاهما يحدث في اللحظة نفسها.

بلغت اللعبة ذروتها عام 1998 في "سيرة ذاتية للأحمر" (Autobiography of Red – ترجمه إلى العربية مأمون الزائدي) حين أخذت شذرات قصيرة للشاعر الاغريقي ستيسيخوروس عن جيريون، الوحش الأحمر المجنح الذي قتله هرقل، وجعلت منه فتى خجولا يقع في حب قاتله وأحاطت الحكاية بمقالة عن الشاعر القديم وترجمات لشذراته ومقابلة متخيلة معه. في مقطع من الكتاب بعنوان "قبلة" يقرأ جيريون في بوينس آيرس جملة تقول: "أنا لن أعرف أبدا كيف ترى الأحمر وأنت كذلك لن تعرف كيف أراه"، ثم يخرج إلى ليلة السبت فيمر بمطعم صيني ومتسولة ومكتبة... إلى أن يرتطم كتفه بكتف رجل، هنا "توقف قلب جيريون لأن الرجل كان هرقل".

TT News Agency/Pontus Lundahl via REUTERS
الشاعرة الكندية آن كارسون تقدم عملها «أنتيغونيك» في متحف الفن الحديث بستوكهولم، السويد، 8 مايو 2015.

تكمن الجرأة الحقيقية للكتاب في الجهة التي اختار الكتابة منها، فمن المعروف أن الأسطورة كتبها المنتصرون من جهة البطل بينما تعيد هي كتابتها من جهة الوحش المهزوم، وبذلك تمنح القتيل لسانا وقلبا وحبا. أما الشكل فقد رأى فيه الناقد الأميركي آدم كيرش نثرا مقطعا على هيئة أسطر، وفي ملاحظته شيء من الصواب لأن الأسطر الطويلة تقرأ قراءة النثر، غير أن قوة المقطع تأتي من القطع السينمائي بين المشاهد، ومن التجاور المفاجئ بين درس فلسفي عن الألوان وجسد يرتطم بجسد، وهي قوة تقيسها العين قبل الأذن.

قبل "سيرة ذاتية للأحمر" بثلاث سنوات كتبت قصيدة "مقال الزجاج" (The Glass Essay) التي صورت فيها امرأة خرجت للتو من حب منكسر تزور والدتها ووالدها المريض وتقرأ إميلي برونتي، فتجتمع المقالة والنقد الأدبي ويوميات الحب في قصيدة واحدة، هذه القصيدة التي بقيت أنجح ما كتبت في الموازنة بين العقل والجرح لأن برونتي فيها تنتقل من موضوع دراسة إلى رفيقة في الوحدة.

توالت بعدها ألعاب الشكل في أعمال كارسون، من "جمال الزوج" (The Beauty of the Husband) التي تروي فيها حكاية زواج ينهار في "مقالة متخيلة" من 29 مقطعا سمت الواحد منها "تانغو" وبها باتت أول امرأة تنال جائزة ت. س. إليوت، إلى "طفو" (Float) عام 2016 التي جاءت عبارة عن علبة شفافة تحتوي على 22 كتيبا تقرأ بأي ترتيب، وصولا إلى "نورما جين بيكر الطروادية" (Norma Jeane Baker of Troy) عام 2019 والذي فيه تؤدي مارلين مونرو دور هيلين. يجد التجريب في "جمال الزوج مسوغه" حين يمنح التانغو الزواج المنهار إيقاع خطوتين تتقدمان وتتراجعان معا، ويقترب في "طفو" من الحيلة حيث تصير اللعبة نفسها أشد إثارة من أوراقها، ويستعيد في "نورما جين بيكر الطروادية" جديته حين تمنح كارسون وجه مارلين مونرو للطيف الذي تقاتل عليه الرجال في طروادة بينما كانت هيلين الحقيقية بعيدة عنهم.

REUTERS/Hannah McKay
نسخ من كتب الكاتبة الكندية آن كارسون، الفائزة بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، معروضة في مكتبة ووترستونز بلندن، 8 أكتوبر 2026.

لكل هذا اللغب جذر نظري زرعته كارسون مبكرا في "إيروس: الحلو/المر" المذكور منذ قليل، وفيه تنطلق من كلمة "الحلو المر" (Bittersweet) التي وصفت بها سافو الحرب لتبني مثلثا للرغبة أطرافه المحب والمحبوب والمسافة بينهما، وتقرأ قصيدة سافو عن رجل يجلس قبالة حبيبتها فيضطرب جسدها كله مثلثا مكتملا تقف الشاعرة على ضلعه الثالث. تحمل أناقة النظرية ضيقها معها باختزالها الرغبة كلها في النقص، وهو تصور هاجمه جيل دولوز وفيليكس غواتاراي في "ضد أوديب" (Anti-Oedipus) حين رأيا الرغبة طاقة منتجة قبل أن تكون فراغا يطلب الامتلاء، غير أن كارسون تكتب عن رغبة العاشق الإغريقي ورغبة القارئ، وفي هذين الحقلين تحديدا تصمد نظريتها لأن القارئ يلعب بنص يظل على بعد خطوة، وللعبة وجهها المعتم.

القوس قبرا

حين ترجمت كارسون شذرات سافو عام 2002 في "إن لم يكن، فالشتاء" (If Not, Winter) أبقت على الصفحة أثر ما ضاع من هذه الشذرات بوضعها قوسين معقوفين مكان كل كلمة التهمها الزمن من البرديات، وكتبت في مقدمتها للكتاب أن "الأقواس مثيرة" و"توحي بمساحة حرة لمغامرة الخيال". يرى القارئ المتأمل في كل قوس موضع بيت مات فتصير الشذرة مقبرة صغيرة تتجاور فيها الكلمات الناجية والشواهد الغائبات. بهذا الخيار ربحت الترجمة أمانتها للبردية وخسرت شيئا من غناء سافو، لأن البياض الكثير يحول شاعرة الحب الأولى إلى شاعرة صمت ويقدمها للقارئ الحديث في هيئة شاعرة حداثية أقرب إلى بيكيت منها إلى أغاني لسبوس.

قبل "سيرة ذاتية للأحمر" بثلاث سنوات كتبت قصيدة "مقال الزجاج" التي صورت فيها امرأة خرجت للتو من حب منكسر تزور والدتها ووالدها المريض وتقرأ إميلي برونتي، فتجتمع المقالة والنقد الأدبي ويوميات الحب في قصيدة واحدة

أيضا من الملاحظ تمييزها في "بل بالأحرى" (Nay Rather) بين صمت مادي يتركه الثقب في الورق وصمت أعمق تحمله كلمة تأبى الانتقال إلى لغة أخرى، وكذلك ترجمتها شذرة للشاعر الإغريقي ترجمة عادية أتبعتها بست ترجمات أخرى قيدت كل واحدة منها بمعجم نص واحد، فلم تستعمل في إحداها إلا كلمات قصيدة للشاعر الإنكليزي جون دن، وفي أخرى كلمات لافتات مترو لندن، وفي ثالثة كلمات صفحة من "نهاية اللعبة" لبيكيت، مما أخرج الشذرة الإغريقية بسبعة أصوات. للوهلة الأولى يبدو اشتغالها هذا تمرينا داخل قاعة درس، قبل أن تتكشف عن فكرة جادة مختصرها هو أن كل ترجمة دفن جديد للنص وقيامة له، والمترجم يختار في كل مرة القبر الذي يودع فيه الأصل.

هذا الهاجس اتصل باختيارها الشعراء الذين تقرؤهم، فجمعت في "اقتصاد ما لم يضع" (Economy of the Unlost) بين سيمونيدس الكيوسي المعروف بأنه واحد من أمهر كتاب شواهد القبور في زمنه، وباول تسيلان الناجي من المحرقة، ورأت أن الاثنين يكتبان بالحذف كي يبقى من الكلام ما يتسع له الحجر.

تصفو الفكرة في "مقالة عما أفكر فيه أكثر من أي شيء آخر" (Essay on What I Think About Most) حيث تستعيد من كتاب "الخطابة" لأرسطو فكرته عن المجاز الذي يبدو مغلوطا قبل أن ينتبه العقل إلى صوابه، وتمضي من هذه الفكرة إلى الاحتفاء بالخطأ نفسه فتختار مثالا عليه شذرة مبتورة للشاعر الإسبرطي ألكمان الذي عاش في القرن السابع قبل الميلاد، والتي تقول: "[؟] صنع ثلاثة مواسم: الصيف/والشتاء، والخريف ثالثا/ورابعا الربيع، حين/يزهر كل شيء، لكن أن يأكل المرء حتى يشبع/فأمر محال". تجد كارسون في هذه السطور خطأين، الأول حسابي لأن الشاعر يعد أربعة مواسم في سلسلة أعلن أنها ثلاثة، وتقرأ فيه أثر الجوع في إسبرطة التي كانت يومها بلدا فقيرا والربيع يأتي زائدا عن الحساب ويأتي معه شح الطعام، والثاني نحوي لأن الفعل "صنع" في أول الشذرة بلا فاعل، وتعرف كارسون أن فقيه اللغة سيعده حادثة من حوادث النقل ضاع فيها الاسم مع ما ضاع من القصيدة، فتترك مكانه قوسين وعلامة استفهام، وترى في الفاعل الغائب سؤالا مفتوحا عن صانع العالم.

من هذين الخطأين تخلص إلى أن ألكمان كسر الحساب وخاطر بالنحو ليضعنا داخل حقيقة البشر، أي النقص، ليأخذ بخطئه شيئا ما إلى الكمال "مستخدما ضربة فرشاة واحدة". إنها قراءة بارعة، وفيها شيء من تحميل الشذرة ما يفوق طاقتها، وما يسميه فقيه اللغة حادثة نقل تجعله كارسون قصدا فنيا، وهي هنا تمارس ما تحتفي به وتخطئ عن عمد لتصيب.

تدل كارسون بنفسها على منبع هذا كله في مقدمة ترجمتها ليوريبيدس "دروس الحزن" (Grief Lessons) حين تقول إن التراجيديا موجودة لأننا ممتلئون غضبا، ونحن ممتلئون غضبا لأننا ممتلئون حزنا، بذلك تظهر الأشكال جميعها (من الطيات إلى الأقواس إلى التانغو) على شكل أوعية صنعها الحزن لنفسه، ويظهر القاموس الذي شرحت به قصيدة كاتولوس على هيئة صلاة طويلة متنكرة في ثياب التمرين اللغوي.

لكن لا يمكن إغفال أن هناك من له مآخذه على هذا اللعب، منهم الشاعر والناقد الأميركي براد لايتهاوزر الذي وجد في ترجمتها "أوريستيا" (An Oresteia) (وهي عبارة عن ثلاثية صنعتها كارسون من مسرحيات أيسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس عن مأساة بيت أتريوس بدل ثلاثية أيسخيلوس الأصلية) معجما متقلبا تقفز فيه الحداثة إلى أفواه الإغريق قفزا نافرا، في حين أخذ عليها آخرون كثرة إحالات تثقل القارئ غير المتخصص، وهي نفسها اعترفت بشعورها أحيانا أنها "تعيد كتابة الصفحة نفسها" طوال حياتها لتشهد الجملة لها وعليها معا، إذ تكشف هاجسا واحدا عميقا وتقر بالتكرار في الوقت ذاته. غير أن الكتب التي يتصل فيها اللعب بجرحها الأول (من "ليل" إلى مراثيها لوالدتها) تثبت أن عقلها الحاد يزيد الألم وضوحا، وأن البرودة التي يأخذها عليها بعضهم هي برودة اليد التي ترتب الأشياء على المكتب كي تبقى ثابتة.

REUTERS/Hannah McKay
كتب للكاتبة الكندية آن كارسون، الفائزة بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، في مكتبة ووترستونز بلندن، 8 أكتوبر 2026.

أقواس تنتظر يدا

وصلت كارسون إلى العربية على هيئة سافو التي ترجمتها، أي على شكل شذرات تحيط بها أقواس. صدرت "سيرة ذاتية للأحمر" بترجمة مأمون الزائدي عن دار نينوى عام 2017، وصدر "إيروس: الحلو/المر" بترجمة عبد الرحيم يوسف عن "دار صفصافة" عام 2024 بعد ثماني سنوات من مقال عربي عرض الكتاب تحت عنوان آخر، وتفرقت بقية النصوص على مواقع إلكترونية، من ترجمات وائل عشري إلى قصائد الأم بترجمة العبدولي، وبقي "ليل" و"جمال الزوج" وترجمات سافو خارج المكتبة العربية، وهي الكتب التي صنعت شهرتها، فيما يتأرجح اسمها نفسه بين "آن" و"آنا" وتنسب إليها في أحد المواقع قصيدة مجهولة المصدر. يقرأ العربي كارسون اليوم على الطريقة التي قرأت بها الإغريق، أي كلمات ناجية تسكن بين فراغات.

بقي "ليل" و"جمال الزوج" وترجمات سافو خارج المكتبة العربية، وهي الكتب التي صنعت شهرتها، فيما يتأرجح اسمها نفسه بين "آن" و"آنا" وتنسب إليها في أحد المواقع قصيدة مجهولة المصدر

تنتظر ستوكهولم في ديسمبر/ كانون الأول خطاب الفائزة، وتنتظر القاعة الوقورة ذاتها أن تسمع امرأة تمزح في حضرة الموتى، وبين الموعدين تبقى كلمة "لعوب" معلقة في الهواء حيث تركتها الأكاديمية، خفيفة على من سمعها عابرا وثقيلة على من فتح علبة "ليل" مرة واحدة، فيما تنتظر الأقواس العربية يدا تملؤها أو تتركها مفتوحة عن قصد، على طريقة كارسون.

font change