قد يبدأ كتاب من فكرة بسيطة جدا تبدو مزحة أو واجبا عابرا: يطلب من كاتب أن يكتب عن آخر ذئب عرفه إقليم إسباني منسي. على يد لاسلو كراسناهوركاي، الروائي المجري الحاصل أخيرا على نوبل للآداب، تتحول هذه الفكرة من تقرير عن حيوان نادر إلى رواية عن كائن اندثر، عن حضور سابق يواصل تأثيره في الهواء والقصص والخرائط. إنه نص يلاحق أثر الذئب، يقرب هذا العالم البعيد من القارئ والحبكة فيه بسيطة، لكن السرد الطويل المتواصل يطوق هذا الفراغ من كل ناحية، فنخرج من الكتاب ونحن نشعر أننا عشنا تجربة كاملة تتجاوز حكاية قصيرة عن ذئب.
في روايته "الذئب الأخير" (Az utolsó farkas؛ Le Dernier Loup بالفرنسية) يتجسد هذا التكليف في أستاذ فلسفة سابق يستدعى فجأة ويطلب منه الكتابة عن الذئب الأخير في "إكستريمادورا". يقبل الدعوة ويسافر إلى ذلك الإقليم القاسي رفقة سائق ومترجمة يهتمان به أكثر مما يهتم هو بنفسه. يزور القرى والسهول والجبال، يجلس في الحانات ويستمع إلى حراس الغابات والصيادين والموظفين المحليين وهم يعيدون سرد قصة الذئب الذي اصطيد في الثمانينات، مع كل ما يحيط بالحكاية من تفاصيل متناقضة وأحقاد قديمة وصور عنيفة للطبيعة والناس. شيئا فشيئا تتشكل أمامه خريطة لمكان مهمل ولحياة اختفت، فيتحول "موضوعه" من حكاية عن حيوان نادر إلى تأمل في الفشل والوحدة والخراب البشري. وعند عودته يجد أن رحلته نفسها أصبحت مادته الأساس، فيرويها في كلام طويل متصل على منضدة حانة، ويبني من هذا الحديث المتقطع رواية تتابع أثر الذئب في العالم وترسم صورته غير المباشرة.
تشغل "الذئب الأخير" مكانة خاصة في أعمال كراسناهوركاي، ففيها يجمع موضوعاته المعهودة: عالم على وشك الأفول بنبرة كوميدية سوداء، سرد بطيء مشبع بالتفاصيل، وجمل تحكم قبضتها على الواقع، لكنها هنا أشد تجريدا وتركيزا. وإذا كانت روايات مثل "تانغو الشيطان" و"كآبة المقاومة" تبني عالما واسعا من الشخصيات والكوارث البطيئة، فإن "الذئب الأخير" تجمع كل ما سبق في صوت واحد على منضدة حانة، في رحلة واحدة وفي سعي ينتهي بفشل أنيق. إنه نموذج مصغر يكثف فن الكاتب ويعرضه في مقياس صغير، ويبين كيف يعيد نثره تشكيل العالم.
التكليف والفراغ وأخلاقية "ألا نخلص إلى خاتمة"
البداية تبدو ذات بعد إداري تقريبا: مؤسسة تكلف أستاذا السفر ليكتب عن "الذئب الأخير". يمكن تخيل الملف والتذاكر وخطة الرحلة: كل شيء جاهز لمقال مصور يحمل مسحة تراجيدية ومعه قدر كاف من المعلومات العلمية كي يبدو جادا. وعندما يصل الراوي يجد بدل الذئب آثاره وأصداء صوته وتخمينات الناس وشائعاتهم، فيتحول موضوع السرد من الحيوان ذاته إلى الفراغ الذي خلفه وراءه. هكذا يغدو "الذئب الأخير" تحقيقا بمعنى أخلاقي بدل المعنى البوليسي، كأنه سؤال واحد كبير: كيف نكتب عن شيء اختفى من العالم؟






