تكليف آيزنكوت... هل غدت إسرائيل مستعدة لرئيس وزراء من أصول يهودية شرقية؟

قد يفتح وصوله إلى السلطة الباب أمام تحول في طريقة تعامل إسرائيل مع العرب داخل حدودها وخارجها

(بيت رينولدز/ "المجلة")
(بيت رينولدز/ "المجلة")

تكليف آيزنكوت... هل غدت إسرائيل مستعدة لرئيس وزراء من أصول يهودية شرقية؟

مُنِي دونالد ترمب وحلفاؤه في حركة "ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجددا) بهزيمة قاسية من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، فيما تتركز أنظار العالم على نتائج انتخابات لا تقل أهمية في مكان آخر، هي الانتخابات العامة الإسرائيلية. فمع انتهاء التصويت واحتدام المساومات على تشكيل الائتلاف الحكومي وتوزيع الحقائب الوزارية، أعلن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ السبت أنه سيكلف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة، بعدما أوصت كتل برلمانية تضم 67 نائبا بتكليفه. ومع ذلك، لا يزال نجاحه في جمع أغلبية برلمانية تضمن لحكومته البقاء موضع شك، إذ من غير المعلوم ما إذا كان تكتّله سيقبل الاعتماد على أصوات القائمتين العربيتين لنيل الثقة.

وانشغل الجدل داخل إسرائيل وخارجها بحلفاء بنيامين نتنياهو من اليمين المتطرف، وبحروبه التي لا نهاية واضحة لها في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا. ويرى رام إيمانويل، رئيس موظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما ورئيس بلدية شيكاغو الأسبق، أن نتنياهو ألحق بإسرائيل من الأضرار ما لم يستطع أي عدو آخر إلحاقه بها.

وفيما تترقب إسرائيل، والعالم بأسره، ما قد تسفر عنه المساومات السياسية الجارية، يقترب آيزنكوت من أن يكون أول رئيس وزراء إسرائيلي ينحدر من أصول يهودية غير أشكنازية. فقد مضت نحو ثمانية عقود على قيام الدولة قبل أن يصبح وصول يهودي سفاردي أو شرقي إلى رئاسة الحكومة احتمالا جديا.

وتختزل الممارسات العنصرية التي تعرض لها آيزنكوت خلال الأشهر الماضية تاريخا طويلا من نضال اليهود الشرقيين للوصول إلى قمة الهرم السياسي.

تكشف عنصرية نتنياهو، إلى جانب التسجيلات المسربة حديثا لإيهود باراك، عن تحيز متجذر ضد اليهود القادمين من البلدان العربية ومن مناطق أخرى في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بما فيها إيران

شهدت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية صعود عدد من رؤساء الأركان البارزين المنحدرين من أصول فارسية وسورية ومغربية، وانتقل بعضهم لاحقا إلى العمل السياسي وتولى حقائب وزارية مختلفة، غير أن أيا منهم لم يبلغ المنصب السياسي الأرفع في البلاد، رئاسة الوزراء.

وتكشف عنصرية نتنياهو، إلى جانب التسجيلات المسربة حديثا لإيهود باراك، عن تحيز متجذر ضد اليهود القادمين من البلدان العربية ومن مناطق أخرى في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بما فيها إيران. فقد ظلت المؤسسة الحاكمة تتعامل مع السلطة السياسية وكأنها امتياز محصور في اليهود المنحدرين من أوروبا الشرقية وروسيا.

رويترز
غادي آيزنكوت، القائد العسكري السابق وزعيم حزب "يشار" يلوّح بعلم إسرائيل في مقر حزبه عقب إعلان نتائج استطلاعات الرأي في الانتخابات الإسرائيلية، تل أبيب، 28 أكتوبر 2026

العنصرية ضد اليهود من أصول غير أوروبية بعد عام 1948

في وقت سابق من هذا العام، كشف تسجيل صوتي مسرب لمحادثة بين جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، عن جانب شائك من مسألة التمييز العرقي في إسرائيل. ففي حديث مطول، تناول باراك ضرورة تشجيع الهجرة من روسيا وأوروبا إلى إسرائيل، حتى لو اقتضى الأمر اعتناق مهاجرين غير يهود للديانة اليهودية، لمواجهة التزايد السكاني العربي.

وكشفت المحادثة عن وجه آخر للعنصرية في إسرائيل، يتجاوز التمييز المعروف ضد العرب ليطال العلاقات داخل المجتمع اليهودي نفسه، حيث تتجلى الانقسامات والتفرقة ضد اليهود من أصول غير أوروبية.

وبدا أن هجرة اليهود الشرقيين والسفارديين من شمال أفريقيا وبلاد الشام وغرب آسيا، وفق التصور الذي عكسته المحادثة، تمثل تهديدا للقيم الأساسية لإسرائيل التي تهيمن عليها النخب اليهودية الأوروبية. واستفاض باراك وإبستين في الحديث عن هجرة اليهود من البلدان العربية والإسلامية، وكيف أن هذه الهجرة، وإن لم تكن مرغوبة في أوساط المؤسسة الحاكمة آنذاك، فرضتها ضرورات العقود الأولى من عمر الدولة.

وكانت المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات، التي واجهت صعوبات في السنوات التالية لعام 1948، بحاجة إلى هؤلاء المهاجرين وما يمتلكونه من خبرات. غير أن النخبة الحاكمة أرادت حصر الاستفادة منهم في الوظائف الأمنية والعسكرية، مع إبقاء أبواب النفوذ ومراكز القرار موصدة أمامهم إلى حد بعيد. وعند قيام دولة إسرائيل، كان اليهود الأشكناز يشكلون نحو 80 في المئة من سكانها.

وتناول المسلسل التلفزيوني الإسرائيلي الشهير "وادي الدموع"، الذي عرض عام 2020، بعض هذه القضايا، ومنها تردد اليهود الشرقيين والسفارديين في القتال ضمن صفوف الجيش الإسرائيلي. وتدور أحداث المسلسل حول حرب عام 1973، حين اقترب الجيشان السوري والمصري، في هجومهما المشترك، من إلحاق الهزيمة بإسرائيل.

إلى جانب العنصرية التي يواجهها من نتنياهو وحلفائه، يجد آيزنكوت نفسه عرضة لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، والمقصود بهم هنا الفلسطينيون

ويبرز العمل الدور الحيوي الذي أداه الجنود الناطقون بالعربية في مكافحة التجسس، لكنه يصور أيضا حيرتهم وتساؤلاتهم المتكررة: لماذا نقاتل دفاعا عن دولة تنظر إلينا باعتبارنا عربا أو مواطنين من الدرجة الثانية؟

وفي تلك الحقبة نفسها، شهدت إسرائيل ظهور حركة "الفهود السود"، التي يتناول تاريخَها كتاب "الفهود السود في إسرائيل". ويروي الكتاب، شأنه شأن المسلسل، كيف كان الإسرائيليون المنحدرون من أصول أوروبية وروسية ينظرون إلى اليهود القادمين من البلدان العربية نظرة لا تختلف كثيرا عن نظرتهم إلى الفلسطينيين. فقد اعتبروهم متخلفين ثقافيا، وشديدي القرب من العدو. وطُلب منهم التخلي عن التحدث بالعربية، لغتهم الأم، رغم أن جذورهم الثقافية والجغرافية كانت أوثق صلة بفلسطين، ولا سيما اليهود القادمين من سوريا ولبنان ومصر، بحكم الجوار والتاريخ المشترك.

أ.ب

وفي عام 1984، تأسس حزب "شاس" لتمثيل اليهود السفارديين والشرقيين، ومنحهم صوتا سياسيا جماعيا في قلب الحياة الحزبية الإسرائيلية. وسعى الحزب إلى مكافحة التمييز العنصري ضد اليهود الشرقيين، وانتزاع حقهم في المشاركة الفعلية في صنع القرار.

فقبل ذلك، كانت المؤسسة الإسرائيلية تنظر إليهم في المقام الأول باعتبارهم رصيدا يمكن الاستفادة منه في المجالات الأمنية والاستخباراتية، نظرا إلى إتقانهم لغات المنطقة ومعرفتهم بجغرافيتها ومجتمعاتها.

ومع ذلك، شهد التاريخ الإسرائيلي استثناءات بارزة، تمثلت في صعود شخصيات مثل شاؤول موفاز وبنيامين بن إليعازر وعمير بيرتس. وكان الأولان من كبار القادة العسكريين، بما ينسجم مع المسار التقليدي لصعود اليهود الشرقيين عبر المؤسسة العسكرية والدفاعية. كما وصل اثنان من اليهود المنحدرين من أصول شرقية إلى منصب رئيس الدولة، من بينهما موشيه كتساف، الذي سجن بعد إدانته بالاغتصاب وجرائم جنسية أخرى.

غير أن هذه النجاحات الفردية لم تمكن اليهود السفارديين والشرقيين، كجماعة، من اكتساب نفوذ سياسي يضاهي نفوذ المؤسسة الإسرائيلية ذات الجذور الأوروبية.

واليوم، يتعرض آيزنكوت لحملة من السخرية والإساءات العنصرية في أوساط مؤيدة لنتنياهو، بلغت حد وصفه بالقرد و"العربي". وتتجاوز التحديات التي تواجهه الاتهامات بالتساهل مع الفلسطينيين. فهو، شأنه شأن غيره من الشخصيات السياسية المنحدرة من أصول شرقية، يصطدم بإرث طويل من هيمنة الأشكناز على مراكز السلطة والنفوذ، حتى ليبدو وصول أحد أبناء هذه الجماعات إلى رئاسة الحكومة، في نظر بعض أوساط المؤسسة الحاكمة، تهديدا للترتيبات التي حكمت توزيع السلطة في إسرائيل طوال عقود.

ماذا يستطيع غادي آيزنكوت أن يفعل؟

إلى جانب العنصرية التي يواجهها من نتنياهو وحلفائه، يجد آيزنكوت نفسه عرضة لاتهامات بالتعاطف مع الإسلاميين، والمقصود بهم هنا الفلسطينيون. وتعيد هذه الاتهامات إلى الأذهان نظرة ترسخت منذ قيام إسرائيل عام 1948، ترى في اليهودي الشرقي فردا يمكن استيعابه، لكنها تتوجس من اليهود السفارديين والشرقيين كجماعة تختلف عن الأشكناز.

وقد دخل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الحالي، إيال زامير، المنحدر من أصول سورية ومغربية، في خلافات مع نتنياهو منذ توليه منصبه، بشأن نطاق الحرب في غزة وإيران. ووصف بعض المحسوبين على معسكر "بيبي" شخصيات مثل آيزنكوت وزامير بالتساهل، ملمحين إلى خلفيتهما الثقافية وأصولهما الشرق أوسطية. وليست هذه الإيحاءات العنصرية غريبة عن أوساط حزب "الليكود" وجماعات المستوطنين، حيث يحضر بقوة التيار المنحدر من أصول أوروبية وروسية.

رغم أن قطاعات من اليهود الإسرائيليين الناطقين بالعربية تنظر هي الأخرى إلى العرب غير اليهود في إسرائيل باعتبارهم تهديدا، فإن الألفة الثقافية واللغوية قد تجعلها أكثر استعدادا للتوصل إلى تفاهمات معهم

ويضم فريق آيزنكوت أيضا يورام كوهين، أحد أبرز رؤساء "جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي" (الشاباك) وأكثرهم تأثيرا، الذي يشغل موقع نائبه، ويلقب بـ"الأفغاني" لانحداره من عائلة يهودية هاجرت من أفغانستان إلى إسرائيل. ويعمل في الدائرة المقربة من آيزنكوت عدد من ضباط "الشاباك" البارزين المنحدرين من أصول مغربية وتونسية، وقد يضطلعون بأدوار مؤثرة إذا تمكن من تشكيل الحكومة. وبين هؤلاء شخصيات أسهمت- بعيدا عن الأضواء- في التوصل إلى اتفاقات أبراهام.

وسيعتمد آيزنكوت على إسرائيليين ناطقين بالعربية، ممن يألفون الثقافة العربية ولا ينظرون إليها بعين العداء. وقد يشكل ذلك تحديا للطبقة السياسية التي احتكرت السلطة في إسرائيل طوال عقود. ففي نظر نتنياهو وأمثاله، يصلح اليهود الناطقون بالفارسية والعربية للعمل في "الموساد" و"الشاباك"، حيث يمكن توظيف معارفهم اللغوية والثقافية في خدمة الأمن والاستخبارات. أما القرارات المصيرية التي تزج بإسرائيل في الحروب، فينبغي أن تظل حكرا على النخبة الحاكمة.

قلّ ما تسمح تعقيدات السياسة الإسرائيلية بأحكام قاطعة. ومع ذلك، فإن موقف آيزنكوت وزامير، اللذين اعتبرا أن الحرب مع إيران لم تكن تستحق خوضها، وأنها قد تعرض إسرائيل للخطر، يكشف عن هوة عميقة بين رؤيتهما ورؤية نتنياهو.

رويترز
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته وزعيم حزب الليكود يعلق على نتائج استطلاعات الرأي في مقر حزبه خلال الانتخابات الإسرائيلية، القدس، 28 أكتوبر 2026

ورغم أن قطاعات من اليهود الإسرائيليين الناطقين بالعربية تنظر هي الأخرى إلى العرب غير اليهود في إسرائيل باعتبارهم تهديدا، فإن الألفة الثقافية واللغوية قد تجعلها أكثر استعدادا للتوصل إلى تفاهمات معهم. ولعل تجربة شاؤول موفاز تقدم مثالا على ذلك، إذ أدت علاقاته مع الفلسطينيين، ولا سيما محمد دحلان، دورا مهماً في هذا المجال.

كذلك برز دان حالوتس، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق المنحدر من أصول عراقية وإيرانية، بين معارضي نتنياهو وحروبه التي لا تنتهي في غزة والمنطقة.

وسط هذا المشهد القاتم، ارتفعت أصوات يهودية سفاردية وشرقية تندد بتمجيد قتل العرب والمسلمين. فقد كتب الحاخام والباحث البارز إسحاق شوعا، المنحدر من أصول لبنانية، مقالا ينتقد فيه الابتهاج بمقتل العرب والمسلمين، وهو سلوك كثيرا ما يصدر عن بعض حلفاء نتنياهو.

كما دافع شوعا علنا عن الشروط التي وضعها آيزنكوت لتشكيل حكومة بمشاركة الأحزاب العربية، معتبرا أنها أفضل من مواقف خصومه، وفي مقدمتهم حزب "الليكود" والتيارات الصهيونية الدينية اليمينية ذات الغلبة الأشكنازية.

وإذا أصبح غادي آيزنكوت رئيسا للوزراء، فسيدخل التاريخ باعتباره أول يهودي شرقي أو سفاردي يتولى هذا المنصب في إسرائيل. وقد يفتح وصوله إلى السلطة الباب أمام تحول في طريقة تعامل إسرائيل مع العرب، داخل حدودها وخارجها.

font change

مقالات ذات صلة