مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في تونس.. خيبة الأمل!

مؤتمر أصدقاء الشعب السوري في تونس.. خيبة الأمل!

[caption id="attachment_55232801" align="aligncenter" width="619" caption="المرزوقي يلقي كلمة تونس في مؤتمر أصدقاء الشعب التونسي"]المرزوقي يلقي كلمة تونس في مؤتمر أصدقاء الشعب التونسي[/caption]

تونس هي موطن المنجزات الحداثية في منظومة قوانين الأحوال الشخصية والحريات الفردية، وذات الميراث المدني التنويري الذي تمثل في الدور الطليعي الاقتحامي للطاهر الحداد الذي وصفه طه حسين بأن "هذا الفتى سبق قومه بقرنين".. ولذلك فإن تونس هي أيضا موطن (البو العزيزي) الذي أشعل نفسه ليحرق عالم الاستبداد والاستعباد القديم، لتمتد نيران بركانه كما تنتشر في الهشيم..

كان من المؤمل أن يكون مؤتمر تضامن حقيقي من قبل الثورة التونسية وشعبها العظيم مع الثورة السورية وشعبها العظيم من جهة أخرى.. لكن الخيبة كانت العنوان الأبرز لهذا المؤتمر الذي كان دون الرمزية العظيمة للثورة التونسية.

إن هذا المؤتمر حضر في باصرتنا بوصفه احتفالا عظيما بالحرية في عالم العروبة والإسلام لتتباهى تونس بأنها أم عروس الحرية العربية، لكنا سرعان ما أطفئت الأنوار وتحولت دار الأفراح إلى دار للأتراح، عندما وجدنا التراث الليبرالي التونسي الذي مهد تمهيدا عظيما للطليعية الثورية التونسية، يلتهمه الموروث الإيديولوجي للشعاراتية الشعبوية (القوموية - المشرقية) الرثّة إذ تتلي مزاميرها عن السؤدد والسيادة ورفض التدخل الخارجي، وذلك فوق تلال اللحم السوري الطري المقتطع بمعظمه من لحم الأطفال والفتيان الشباب الصغار والنساء... إذ راح وزير الخارجية التونسي الشاب يمارس علينا حكمته الدهقانية في إنقاذ شعبنا بالحسنى والموعظة الحسنة والنصيحة لوجه الله، وذلك بعد حوالي سنة من القتل الهمجي الذي لا يوازيه قتل في التاريخ البشري، إذ يبلغ ذروته في أن كل قوى وأدوات العنف والقهر التي يفترض أن تستحوذ عليها الدولة ككيان حقوقي وقانوني، يتحول إلى قوى ميليشية (تشبيحية).

[caption id="attachment_55232802" align="alignleft" width="300" caption="الأمير سعود الفيصل قبل مغادرته والوفد السعودي قاعة المؤتمر"]الأمير سعود الفيصل قبل مغادرته والوفد السعودي قاعة المؤتمر [/caption]

ذروة الذروة هي انتاج ظاهرة "تشبيحية الطبيب" الذي يفترض أن يشفي جرحاه ومواطنيه من الموت فيشفيهم من الحياة بقتلهم بوصفهم أعداء... بل بلغت المخيلة الكابوسية حدّا أنهم راحوا يصطادون الناس على غفلة، في لحظة نادرة في تاريخ القيم الإنسانية، وهي (قتل من يشيّع القتيل)... أي معادلة القتل لأهل المقتول بمهرجانية كابوسية لم ترصدها حتى عين السينما في أشد "فانتازات" الرعب... يوازيها في المشهد تعذيب الأطفال والسحل والتشويه العضوي "قطعة قطعة" أمام عيون الأمهات والآباء لتعليمهم دروسا بكراهية الآخر، كراهية الحرية التي تجلب لهم كل هذه المآسي.

لقد كنا قد كتبنا رسالة صغيرة نشرناها على المواقع "الفيسبوكية والانترنيتية" توجهنا فيها إلى الأخ الدكتور المنصف المرزوقي رئيس تونس، تحت عنوان (الأخ الرئيس المنصف نرجو أن تنصف الشعب السوري) نحذره فيها من الانصياع لضغوطات التيارات الشمولية والذين كانوا معه من أصدقاء الصبا اليساري الذين غدوا جميعا من عملاء (الممانعة الأسدية والمماتعة الإيرانية)، وقد توافقوا تحت تيارات عدة (الشيوعية والقوموية والاسلاموية) بقيادة نائب وكيل الفقيه الإيراني (السيد حسن نصر الله) الذي أقطع آل الأسد سوريا حيازة شرعية لهم تحت اسم (سوريا الأسد)، توافقوا جميعا ليس على نصرة النظام (الطاغوتي التشبيحي الأسدي) بل والقتال تحت رايته الطائفية باسم العداء للشيطان الأكبر شيعيا، والامبريالية قوميا وشيوعيا (ستالينيا) ، مع قبول الجميع برمزية العمامة السوداء للولي الفقيه الإيراني (خامنئي) وولي وكيل الفقيه (نصر الله) الذي يفترض أنه عربي – لبناني، وهو الذي أسس حزبه على مقولة أن (العروبة معادلة للصهيونية) من المنظور الفقهي الولايتي... حيث الجميع يخوض حرب (يا لثارات الحسين)!!!

مع ذلك فإن هذه الرسالة لم تفد صاحبنا سيادة الرئيس (المنصف)، فضرب عنها صفحا وظل سادرا مشدودا وراء ثقافة الشغب الشعارية الشعبوية (المعادية للامبريالية)، ومصفقا وهاتفا للنظام السوري نظام (الممانعة والمماتعة مع ايران) بالوكالة عن صديق عمره الذي تبرأ منه أهله وبنو قومه في حوران العظيمة بعد أن فضحت علاقة مجموعته بأنها لا تنسق إلا مع المخابرات السورية والإيرانية...

بل بلغ إعجاب الرئيس (المنصف) بالكفاحية النضالية لملالي إيران حد الافتتان بالثورية الولايتية التي تدفعه لإلغاء (الكرافتة) على طريقة الأناقة الإيرانية، بل ها هو يقوم بمقايسة ساذجة بين المبادرة الخليجية (السعودية) عن الحل اليمني ومن ثم إبعاد (علي عبدالله صالح) عن اليمن من دون ملاحقة قضائية لاحقا، ليقدم الاقتراح ذاته للنظام السوري كطريق آمن لإنقاذ الوريث الأسدي القاصر المجنون بهستيريا الدم الذي لا يمكن أن يكون الرئيس اليمني أكثر من "هاوي بلطجة" صغير في المدرسة الأسدية، ولهذا فإن تعبير أحد الفلاسفة عن هؤلاء الطغاة بأنهم لا يشربون خمرتهم المقدسة إلا في جماجم الضحايا، ليس تعبيرا مجازيا شعريا، بل هو تعبير فلسفي يستقصي العمق الداخلي للطاغية الملتاث بجنون التهيج الالتذاذي أمام فوران الدم القاني، حيث لا يمكن فهم التصرفات الشاذة المتهيجية لمثل هؤلاء المنحرفين نحو قتل الأطفال من دون استحضار هذا التعبير الشعري الفلسفي عن (شرب الخمرة المقدسة في جماجم الضحايا)، ولا يمكن فصلها عن أمراض التهيج نحو الجثث، سيما جثث الأطفال الذين تقطع أعضاؤهم التناسلية.. بل تبلغ درجة الانحرافات الشاذة لدى الرعاع الذين (تسلطنوا) حتى تصل شهوة الدم والالتذاذ الهيامي حد التمتع بالمجازر الجماعية لقتل الحمير... إنهم لا يقتلون الجياد كالفرسان... بل هم يقتلون الحمير كالرعاع...

[caption id="attachment_55232803" align="alignright" width="300" caption="مؤتمر أصدقاء سوريا.. قرارات باهتة"]مؤتمر أصدقاء سوريا.. قرارات باهتة[/caption]

تلك الرقاعات الثورية التي لا يحزنها قتل بني قومها وأهلها وشعبها على أيدي (وطنية وقومية) وفق يسارية المنصف المرزوقي ووزير خارجيته المريدين والمتعلمين على يد "صديق" للنظام السوري والإيراني يعلمهم سحر الصمود والتصدي ومقارعة الامبريالية بلا هوادة، والذي لا يتردد عن استثمار دم أخيه في مشروعه المعادي للامبريالية المغطى بشرعية (فاروق الشرع) وفق العصبية الحورانية التي تبرأت من كل هذه الشرعيات الرقيعة لترتقي بفعلها الثوري قاطفة نجوم السماء، سماء حوران المتلألئة بنجوم العفة والطهر لحرائرهم وعذاراهم المريميات ونبل عرق الجهد والكد الإنساني المؤبد المصنوع من الطينة الإلهية الأولى...

هؤلاء كانوا دائما مهجوسين بالدفاع عن (القتل الثوري والوطني لأبناء الوطن الخونة) الذين لا يؤمن بحقهم (الأسدي) المؤبد بالتسلط (الوطني المعادي للامبريالية المتآمرة مع الشعب السوري بل – وفي الحالة التونسية - التونسي الخائن العميل لإسرائيل والغرب الإمبريالي من أجل إسقاط نظام الممانعة البعثي والمماتعة الولايتي) الذي كانت ثمرته مسخ حزب الله الذي يربي عناصره على أن يكون مسخا بنصفين، نصف استشهادي نصرة لـ(آل البيت)، ونصف للعيش في البيت اللبناني الجميل الفيروزي...

ما كان يخطر على بال قادة الثورة التونسية العظيمة أنه لا قيمة لأي مؤتمر عالمي أو لقاء دولي حول سوريا لا يكون شاغله إنقاذ الشعب السوري من المذبحة الهمجية، فراحوا يتفيهقون شطارة سياسية تقليدا واتباعا من دون إبداع، إذ يقيسون على الحالة اليمنية التي لا يستطيع أن يكون فيها علي عبدالله صالح أكثر من هاو للقتل إذا ما قورن ليس بالاحتراف الأسدي، بل والانحراف المرضي الرعاعي العصابي الذي يعيش دوما لحظة رعب السقوط فلا يجد سوى القتل سبيلا للانقاذ من السقوط... لأن الصعود تم على غفلة من التاريخ.

لم يستطع الوفد السوري أن يلتقط اللحظة المشبوبة بالعنفوان العربي المصفى من كل شوائب الشعارات الزائفة، وذلك من خلال ما عبر عنه الأمير السعودي (سعود الفيصل) عندما غادر الجلسة، احتجاجا ورفضا لـ (تسمين) الشعب السوري، تحضيرا له للذبح... وفق الديبلوماسية (الثورية الديموقراطية المرزوقية) للرئيس التونسي القومي (الممانع بعثيا والمماتع ولايتيا)... فكانت خيبة أمل لم يتوقعها الشعب السوري من ممثلين خائبين للثورة التونسية، لكن عوضها حقيقة أن العروبة ليست لفظية شعارية بعثية أو هوية قومجية متبجحة صوتيا ولفظيا، وذلك من خلال هذا النبل العربي البديهي والجليل... بداهة الصحراء وجلالها، وذلك عندما تحدث الأمير سعود الفيصل عن نظام الاحتلال السوري الذي ينبغي طرده (طوعا أو كرها) لتحرير الشعب السوري من الاحتلال الأبشع في تاريخه.
font change