إعادة رسم الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط: واشنطن والخليج وإيران

إعادة رسم الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط: واشنطن والخليج وإيران

[caption id="attachment_55249531" align="aligncenter" width="620"]راندي ويبر العضو بمجلس النواب الأميركي يحمل لافتة تتهم الرئيس روحاني بالمسؤولية عن استمرار عمليات الإعدام العشوائية خلال المئة يوم الأولى من حكمه، ما يعكس شكوك حول تغيير السلوك الايراني بعد الاتفاق النووي راندي ويبر العضو بمجلس النواب الأميركي يحمل لافتة تتهم الرئيس روحاني بالمسؤولية عن استمرار عمليات الإعدام العشوائية خلال المئة يوم الأولى من حكمه، ما يعكس شكوك حول تغيير السلوك الايراني بعد الاتفاق النووي[/caption]



من وجهة نظر دول الخليج، تبدو المخاوف مشروعة تماما. فبشكل عام، وباستثناءات محدودة، تمثل سياسات إدارة أوباما اختلافا جذريا عن السياسة الأميركية التقليدية صوب المنطقة؛ حيث يبدو أن هناك تغيرا شاملا في توجهات الحكومة تجاه الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بأمن الخليج، كما كانت مبادرة البيت الأبيض صوب إيران هي الحلقة الأخيرة في سلسلة خطوات ارتأتها دول الخليج خطوات ساذجة وغير بناءة. ففي عام 2009، وعلى نحو مفاجئ لدول الخليج السنية، دعمت الإدارة الأميركية قمع رجال الدين الشيعة في طهران لانتفاضة الحركة الخضراء العلمانية الشعبوية. وبعد ذلك بعامين، تخلت واشنطن عن سياستها التقليدية تجاه حلفائها في دول الخليج من خلال التخلي عن الرئيس مبارك الذي كان يحظى بدعم عربي والاحتفاء بجماعة الإخوان المسلمين كقادة شرعيين لمصر.

ومؤخرا، أدهشت السياسة الأميركية تجاه سوريا المراقبين من دول الخليج؛ فبخلاف ليبيا، التي تدخل فيها تحالف من الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة لخلع نظام القذافي وإنهاء الحرب، تجنبت واشنطن التورط في الانتفاضة الشعبية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد التي اندلعت في عام 2011. وعلى الرغم من أن السياسة الأميركية الرسمية ما زالت تؤكد التزامها بخلع نظام الأسد، لم تتخذ الإدارة سوى خطوات محدودة لتحقيق ذلك الهدف. وبالتالي، فليس مفاجئا أن تفقد دول الخليج الثقة في تصريحات الإدارة الأميركية بشأن سوريا.




السنة والشيعة





ومن جهة أخرى، تتزايد أهمية نتائج الحرب التي تدور رحاها في سوريا، نظرا لأنها تمثل جبهة للنزاع الإقليمي بين السنة والشيعة. فلأكثر من ثلاثة عقود، كانت الثيوقراطية الشيعية في طهران والنظام العلوي في دمشق يمثلان حلفاء استراتيجيين، ثم أصبحت إيران اليوم أكبر داعم لنظام الأسد؛ حيث تزوده بالسلاح والمساعدة الفنية والقوات التي مكنت الأسد من قمع المعارضة إن لم يكن القضاء عليها.
وفي الوقت نفسه، تشير التقارير إلى أن الحكومات بل وحتى مواطني دول الخليج يمولان الميليشيات السنية التي تقاتل إيران وحلفاءها في سوريا.

وتنظر طهران إلى بقاء النظام الصديق في دمشق باعتباره أولى أولوياتها؛ فسوريا هي بوابة النفوذ الإيراني في الشرق؛ وهو ما يعني أنه إذا جرى خلع الأسد، فربما يحل محله نظام سني معادٍ لإيران مما يضع عقبات أمام خط الإمداد الرئيس بين إيران وميليشيات حزب الله الشيعية الموالية لها.

وعلى الرغم من المخاطر، والضربة الاستراتيجية التي يمكن أن تعاني منها إيران إذا هزم الأسد، أظهرت واشنطن ازدواجية وتناقضا إن لم يكن استهانة بالمعارضة السورية المسلحة؛ حيث يبدو أن السياسة الأميركية لإقناع قيادات المعارضة السياسية خارج سوريا بالتفاوض مع نظام الأسد في سويسرا تستهدف أساسا الإضرار بسمعة هذه القيادات التي تعاني بالفعل من محدودية شعبيتها.

ومن جهة أخرى، يبدو أن دول الخليج العربية تؤمن بأن الولايات المتحدة تخشى المعارضة الإسلامية أكثر من نظام الأسد ذاته وربما تكون سعيدة الآن بنجاة نظامه. كما لم تسفر الصفقة النووية الإيرانية سوى عن تعزيز مخاوف دول الخليج بشأن تراجع الدور الأميركي ومن ثم مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة.

ومن جهة أخرى، تشترك إسرائيل بالقطع مع دول الخليج في رؤيتها لاتفاقية «الخطوة الأولى» - وإن كانت أقل جهرا بتلك الرؤية - حيث ترى أن الاتفاقية ضعيفة وتمنح طهران العديد من المزايا مقدما. والأسوأ من ذلك هو أن هذه الاتفاقية تمثل تراجعا عن المطالب المتشددة التي طرحها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والتي تقضي بضرورة أن تتخلى طهران تماما عن تخصيب اليورانيوم، وهو ما يعني أن الاتفاقية لم تحد من المخاطر النووية التي كانت تخشاها دول الخليج السنية خاصة المملكة العربية السعودية.



خطوط بيضاء




وفي محاولة لإنجاح مساعيها، يبدو أن الولايات المتحدة تحاول الآن الربط بين التقدم على الجبهة النووية الإيرانية والقضايا الإقليمية الأخرى، خاصة فيما يتعلق بسوريا.
وقد دعت العديد من المواقف الأميركية - مثل الفشل في اتخاذ رد فعل عسكري تجاه الهجوم بالأسلحة الكيماوية الذي شنه نظام الأسد في 21 أغسطس (آب) والتلكؤ في تسليح المعارضة السورية رغم الوعد بذلك بالإضافة إلى التقارير الصحافية التي تفيد بأن الإدارة تقدم معلومات استخباراتية لحزب الله لحماية التنظيم من الهجمات - العديدين في المنطقة للتساؤل بشأن التزام الولايات المتحدة أمنيا تجاه دول الخليج.

وفي هذا الإطار تأتي تصريحات الرئيس السابق للاستخبارات السعودية الأمير تركي الفيصل الذي قال أثناء حديثه لجمع في المغرب: «لقد شاهدنا العديد من الخطوط الحمراء التي كان الرئيس قد وضعها وهي تتحول مع الوقت إلى اللون الوردي ثم ينتهي بها الحال إلى خطوط بيضاء. فعندما يصدر رئيس دولة مثل الولايات المتحدة تعهدات نتوقع أن يلتزم بها، فتلك مسألة ثقة».
وفي قلب أزمة الثقة تلك، يتنامى اعتقاد بأن الولايات المتحدة أصبحت تمنح أولوية لعقد صفقة مع إيران على الجبهة النووية على حساب أي من الاعتبارات الإقليمية الأخرى. ونظرا لأنه من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية تمكنت من التوصل إلى تفاهم مبدئي حول الأسلحة النووية، يعتقد أن الإدارة الأميركية ربما تنظر الآن إلى إيران باعتبارها لاعبا فعالا إن لم يكن شريكا في الشرق الأوسط.
وبالتالي، فربما تقبل واشنطن في النهاية مشاركة إيران في مؤتمر السلام حول سوريا بسويسرا - إلى جانب روسيا - مانحة مقعدا إضافيا للدول الموالية لنظام الأسد؛ مما يمكنه أن يمنح ميزة إضافية لحلفاء إيران في دمشق.



[inset_left]•على الرغم من أن السياسة الأميركية الرسمية ما زالت تؤكد التزامها بخلع نظام الأسد[/inset_left]


جدير بالذكر أن هذه الرؤية التي تشير إلى احتمالية وجود تداعيات خطيرة، خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية، قد تناولها مؤخرا مسؤول سابق بإدارة أوباما بمقال نشر في مجلة «فورين بوليسي» بعنوان «إيران والصفقة الأميركية السعودية». ويرصد المقال الذي كتبه جيرمي شابيرو (يعمل زميلا زائرا لمعهد بروكينغز ومستشارا لقسم تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأميركية) ملامح الرؤية الجديدة لاستراتيجية الولايات المتحدة في دول الخليج بناء على ما يرى أنه تباين في المصالح الأميركية السعودية.

فيقول شابيرو إن واشنطن ترى «عودة إيران إلى الساحة الدولية كتطور صحي» فيما تعتبر الرياض «ذلك التطور ضربة قاضية للوضع الإقليمي للمملكة». وبعيدا عن ذلك الاختلاف الجذري بشأن إيران، يقول شابيرو إن إيران والمملكة العربية السعودية يتساويان عندما يتعلق الأمر بالمصالح الأميركية.
وليس مفاجئا أن يرى شابيرو دورا مستقبليا لإيران في سوريا أيضا. فإذا ما استمرت الأزمة في سوريا، يقول شابيرو: «ربما تجد إيران التعاون مع الولايات المتحدة على اتفاق لمشاركة السلطة مخرجها الوحيد من الأزمة السورية». وبغض النظر عن حقيقة أن الأسد - الذي تدعمه طهران - يتقدم حاليا نحو الفوز بالحرب، لا يرى شابيرو الكثير من المثالب لاستمرار النفوذ الإيراني في دمشق.
وعلى الرغم من أن شابيرو يؤكد أن رأيه لا يعبر بالضرورة عن المواقف الرسمية للإدارة الأميركية، وأخذا في الاعتبار السياسة الأميركية الحالية، تبدو مقالته وكأنها انعكاس حقيقي للطريقة التي ينظر بها البيت الأبيض للأمور.



معاقبة إيران





وبالنسبة لأصدقاء واشنطن الحاليين في المنطقة، تتمركز المشكلة بالطبع في أنه لا يوجد مؤشر على أن طهران سوف تلتزم بالاتفاقية النووية أو تعدل من سلوكياتها المزعجة الأخرى. والأسوأ هو أن اتفاقية «الخطوة الأولى» النووية مع إيران تزيد ولا تقلل من فرص أن تتخذ الثيوقراطية الشيعية في طهران خطوات تؤجج النزاع الطائفي الإقليمي. كما أن الولايات المتحدة استثمرت الكثير من الرأسمال السياسي والدبلوماسي في هذه الصفقة ومن ثم فإنها لن تخاطر بالاتفاقية من أجل قضايا أقل أهمية مثل التدخل الإيراني في سوريا أو في شرق المملكة العربية السعودية.


على أية حال، فإن إيران لديها تاريخ طويل من انتهاج سياسات مستفزة عندما تبدو علاقتها بالغرب قد أوشكت على التحسن. ويمكننا هنا الاستشهاد بهجوم إيران على مركز الجالية اليهودية في بيونس أيريس وثكنات القوات الجوية الأميركية بالمملكة العربية السعودية خلال رئاسة هاشمي رفسنجاني «المعتدل». ومن جهة أخرى فإنه في عام 2000، وخلال فترة حكم الرئيس «الإصلاحي» محمد خاتمي عندما أنهت وزيرة الخارجية الأميركية في ذلك الوقت مادلين أولبرايت العقوبات المفروضة على صادرات السجاد والفستق الإيرانيين واعتذرت بشأن الأخطاء الأميركية تجاه طهران، كان رد خاتمي هو استئناف البناء السري لمنشأة تخصيب اليورانيوم السرية في ناتانز وبعد ذلك بثلاث سنوات، أجج خاتمي التمرد في العراق من خلال المشاركة في العمليات التفجيرية وإرسال القوات في إطار مساعيه لوقف الغزو والاحتلال الأميركي.

ومن ثم، لن تساهم الاتفاقية النووية لمجموعة الخمسة زائد واحد إلى حد كبير في وقف برنامج إيران للسلاح النووي أو في معاقبة إيران على سلوكياتها المزعجة في المنطقة. فبالفعل، زود الاتفاق النووي إيران بنحو سبعة مليارات دولار على الأقل لتخفيف العقوبات وهو ما سيمكن النظام الثيوقراطي من تمويل الأنشطة المدمرة سواء في الداخل أو الخارج فيما تجعل دول الخليج السنية أكثر عرضة للهجمات.


[inset_right]•اتفاقية «الخطوة الأولى» النووية مع إيران تزيد من فرص أتخاذ الثيوقراطية الشيعية في طهران خطوات تؤجج النزاع الطائفي الإقليمي[/inset_right]


ويعد تفجير السفارة الإيرانية في بيروت في 19 نوفمبر نموذجا على ذلك. فعلى الرغم من أن جماعة تابعة لتنظيم القاعدة أعلنت مسؤوليتها عن التفجير، فقد ألقت إيران وحزب الله التابع لها باللوم على المملكة العربية السعودية مشيرة إلى أن سفارة المملكة ودبلوماسييها، أو المواطنين في لبنان أو بالخارج يمكن أن يصبحوا الأهداف التالية. وبعد يومين من الهجوم على السفارة، أفادت التقارير بأن ميليشيات شيعية عراقية تدعمها إيران قد شنت هجوما على مركز حدودي سعودي.
وبات الشرق الأوسط عالقا في حرب بالوكالة بين إيران الشيعية وحلفائها من جهة والدولة السنية بقيادة دول الخليج من جهة أخرى. وتعد سوريا والعراق ولبنان هي الميادين الرئيسة لتلك الحرب وهو الوضع الذي ازداد تعقيدا الآن عقب تلك المفاوضات النووية الهشة وفي ظل إشارات على تردد واشنطن تجاه نتائج ذلك النزاع.

وبالتأكيد، ليست الولايات المتحدة مجرد مراقب غير مهتم بالنزاعات الطائفية المستمرة في المنطقة. ومع ذلك، فبعيدا عن المساعي لإدارة مقاربة مع طهران التي كان يصعب تحجيمها تاريخيا، من الصعب الثناء على الأولويات الاستراتيجية لإدارة أوباما في المنطقة. وعلى الرغم من أنه من الواضح في المنطقة أن التغير الحالي في السياسة الأميركية يؤثر على مصداقية الولايات المتحدة، ينظر الداخل الأميركي إلى سياسات أوباما - في ظل إحجام الولايات المتحدة عن التورط في حروب الشرق الأوسط الجديدة - باعتبارها سياسة ناجحة. وللأسف، يبدو أن السنوات التالية ستمثل فترة صعبة خالية من القيادة العالمية بالنسبة لأصدقاء واشنطن التقليديين في المنطقة بالإضافة إلى إسرائيل.




font change