ناجون من مجزرة بوتشا يعيدون بناء المدينة

السكان يستأنفون حياتهم على وقع احتدام المعارك في الشرق

بلدة بوتشا بالقرب من كييف بعد عام واحد من المجزرة، 22 فبراير 2023. (تصوير شيلي كيتلسون)
font

ناجون من مجزرة بوتشا يعيدون بناء المدينة

بوتشا - رفض ليونيد تصديق الأخبار التي أبلغه إياها ابنه عبر الهاتف في ساعات الصباح الأولى لبدء الغزو في العام الماضي.

على الرغم من أنه كان هنا: في هذه المدينة التي تعتبر بوابة العاصمة الأوكرانية والتي أصبح اسمها متداولا بكثرة بسبب مجزرة يرى البعض أن روسيا ستواجه بسببها محاكمة دولية.

شارك ليونيد في الأيام التي أعقبت الغزو الروسي في 24 فبراير/شباط من العام الماضي في عمليات الإجلاء ومساعدة المحتاجين واستكشاف المواقع الروسية والإبلاغ عنها.

يقول المقدّم السابق البالغ من العمر 56 عاما في مقابلة أجراها مع "المجلة" في أواخر فبراير/شباط في المدينة الواقعة شمال غرب كييف، إنه لا يزال يتساءل عما إذا كان هناك شيء يمكن فعله بطريقة مختلفة أو إن كان بإمكانه المساعدة في وقف الاستيلاء السريع على مسقط رأسه.

وألمح إلى أن السبب قد يكون عقدة الناجي، أو ربما لأن التجارب السابقة كان يجب أن تخدم أصحابها بشكل أفضل. أضاف الضابط السابق الذي أمضى عقودا في الخدمة في القوات الروسية: "لقد كان الأمر مؤلما للغاية بالنسبة لي ولأبناء جيلي."

كان ليونيد قد ترك مدينة بوتشا الريفية في شبابه، وعاد إليها قبل عقد من الزمن بعد تقاعده باحثا عن حياة هادئة. وقال أيضا، إنه وعلى الرغم من أن بوتشا كانت قد طلبت سلاحا من كييف في الأشهر التي سبقت الغزو، إلا أن السرعة التي تحولت فيها لعبة الشطرنج النظرية إلى حقيقة مروعة كانت مفاجئة للجميع.

ليونيد مقدّم متقاعد من بلدة بوتشا خدم لسنوات في الجيش الروسي، وشارك في الدفاع عنها أثناء دخول الجيش الروسي إلى بلدته، 22 فبراير 2023. (تصوير شيلي كيتلسون)

طيور الموت تحلق

تحدثت "المجلة" إلى امرأة متواجدة في منطقة أخرى من أوكرانيا، وعلى اتصال يومي وثيق مع جندي موجود على الجبهة، فوصفت الوضع هناك اعتبارا من 1 مارس/آذار قائلة: "إن الطيور تحلق [الصواريخ، الطائرات المسيرة، إلخ]"، في منطقة دونيتسك المحاصرة حيث يوجد ذلك الجندي. أضافت: "لكن، لدينا في الوقت الحالي على الأقل ما نطعمهم إياه"، في إشارة إلى الذخيرة والأسلحة.

وقال ليونيد مضيفا: "كان لدينا إرادة المقاومة هنا، ولكننا لم نستطع، لأننا، وبكل بساطة، كنا نفتقد إلى الوسائل للقيام بذلك".

وفي إجابة على الأسئلة التي طرحت في المؤتمر الصحفي الذي عقد بتاريخ 24 فبراير/شباط في كييف في الذكرى السنوية الأولى للغزو الروسي الشامل، قال الرئيس فولوديمير زيلنسكيإن ما حدث في بوتشا كان الشيء الأكثر إثارة للرعب في كل ما شاهده خلال هذه الحرب. أضاف: "كان مرعبا أن نشاهد أمرا كهذا. نحن ندرك تماما أن الشيطان متواجد هنا وليس في أي مكان آخر".

واستطاع العديد من وسائل الإعلام التي كانت موجودة في كييف الدخول مباشرة إلى بوتشا، على بعد مدة نصف ساعة بالسيارة عن كييف، وذلك بعد طرد القوات الروسية منها بالكامل في الأول من أبريل/نيسان من العام الماضي. وأدى دخول وسائل الاعلام تلك إلى توثيق مكثف لما يصفه الكثيرون بأنه جرائم حرب ارتكبتها القوات الروسية في المنطقة.

وأضاف الرئيس الأوكراني في المؤتمر الصحفي الذي عقد في 24 فبراير/شباط، "من خيب ظني؟ كل الذين غادروا يوم 24 فبراير/شباط 2022. كل الذين غادروا كييف. أولئك الذين غادروا المدن والقرى، والذين كان من المفترض أن يحكموا الدولة أو يحموها ويقاتلوا من أجلها. كل أولئك الناس قد خيبوا أملي".

كل الذين غادروا يوم 24 فبراير/شباط 2022... أولئك الذين غادروا المدن والقرى، والذين كان من المفترض أن يحكموا الدولة أو يحموها ويقاتلوا من أجلها. كل أولئك الناس قد خيبوا أملي

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي

وقال ليونيد إن عدم قدرته على توقع الأمور وإحباط اثارها، ما زال يحزنه بشدة. لكنه لم يغادر هذه المرة. وأضاف الضابط السابق أنه وضع، بسبب خلفيته العسكرية، تصورات متعددة حول كيفية قيام روسيا بغزو وطنه الأم: "لقد حللت الأمور بناء على وجهة النظر التي كونتها من خلال حياتي القديمة ومعلوماتي السابقة التي اكتسبتها أثناء خدمتي العسكرية في القوات الروسية". قال ليونيد هذا في محاولة جاهدة منه لإيجاد تبرير لما حصل، مشيرا إلى أن الوقائع والظروف تتغير بسرعة وأنه قد تقاعد منذ أكثر من عقد مضى.

كان الكثير من سكان كييف يحلمون بشراء منزل في الغابات والهواء النقي نسبيا، لذلك ترى لافتات منتشرة تعرض شققا للبيع والإيجار. مازالت هناك ندوب موجودة، ولكنها أقل بكثير من المتوقع بالنظر إلى المئات الذين قتلوا هنا.

ويجري العمل النشط منذ فترة وجيزة لإعادة بناء وإصلاح المدينة بعد طرد الروس منها في نهاية مارس/آذار من العام الماضي. وتسير أعمال إعادة ترميم الجسر في المدينة على قدم وساق، وخًزِّنت أنواع غريبة من الفواكه في المتاجر، فهناك أصناف متعددة من المانجو والأناناس والكيوي وعشرات الأنواع من المياه المعدنية المعبأة. وينزه السكان هناك كلابهم في الحدائق الفسيحة وسط البرد القارس.

لكن تبقى الندوب المرئية وغير المرئية موجودة في هذا المكان، وينطبق الأمر ذاته على العديد من السكان، حتى أولئك الذين يملكون إمكانية المغادرة إلى أماكن أخرى.

كنيسة في بوتشا، عثر بجانبها على مقبرة جماعية، 22 فبراير 2023. (تصوير شيلي كيتلسون)

وقال شاب في الثلاثينيات من عمره لـ "المجلة" إنه أتى من كييف ليمضي يوما في المدينة وإنه سيشتري منزلا هنا إذا تمكن من ذلك. أضاف: "سيكون هذا مكانا رائعا للابتعاد عن ازدحام كييف وضجيجها، ولكنه في الوقت ذاته قريب بما يكفي للتنقل بين المدينتين بشكل يومي".

وكُشف النقاب عن مقبرة بالقرب من الكنيسة كانت قد استخدمت لدفن بعض الضحايا بشكل جماعي وعلى عجل، ولكنها لا تقول الكثير عما حصل مؤخرا للمئات من سكان هذه المنطقة -وفقا للسلطات المحلية. وعلى الرغم من ذلك، فقد حضر العديد من الشخصيات الأجنبية البارزة إلى المكان لتقديم احترامهم بعد أن أصبحت المنطقة آمنة نسبيا في الأشهر الأخيرة.

وذكر تقرير صدر عن الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول "أن البعثة قد وثقت مقتل 73 مدنيا (54 رجلا و 16 امرأة وصبيين وفتاة واحدة) في بلدة بوتشا بالقرب من كييف والتي كانت تحت سيطرة القوات الروسية في الفترة ما بين 5-30 مارس/آذار، وأنها بصدد إثبات 105 عملية قتل مزعومة أخرى".

وقالت ماتيلدا بوغنر، رئيسة بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا "إن الجنود الروس أحضروا مدنيين إلى أماكن احتجاز موقتة ومن ثم قاموا بإعدامهم في أماكن الاحتجاز تلك.

لقد عُثر على عدد من جثث الضحايا التي تعرض أصحابها لإطلاق النار في الرأس بعد أن قيدت أيديهم خلف ظهورهم".

دبابات روسية مدمّرة في الطريق بين كييف وبوتشا، 22 فبراير 2023. (تصوير شيلي كيتلسون)

ولا تزال الدبابات الروسية والمركبات الأخرى تصطف على أجزاء من الطريق بين بوتشا وكييف للتذكير بقرب الحدود مع بيلاروسيا المتحالفة مع روسيا. حيث شنت روسيا جزءا من غزوها العام الماضي من أراضي بيلاروسيا، عبر أقصر طريق بري يؤدي إلى العاصمة الأوكرانية.

وبعد أقل من أسبوعين من دخول الجنود الروس الأوائل إلى البلدة في أوخر فبراير/شباط 2022، تم القبض على ليونيد، ولكنه نجا من الإعدام بأعجوبة. أخرج ليونيد هاتفه وعرض أمام "المجلة" صورا مروعة لجثث عديدة بالإضافة لما أسماه جثة مفخخة.

وقال بصوت خافت: "كان الأمر فظيعا عندما وصلتنا أوامر بفصل الذكور الذين تزيد أعمارهم عن 16 عاما عن النساء والأطفال". أضاف وهو يعرض صورة جثث رجال تم تقييد أيديهم خلف ظهورهم، "مازلت أنظر إلى هذه الصورة في الكثير من الأحيان".

الروس دخلوا المدينة جالسين فوق الدبابات، ينظرون في كل مكان بكل ثقة بالنفس. ولكنهم عندما غادروها كانوا يندفعون للخروج وهم يحاولون تحميل كل ما أمكنهم نهبه من بطانيات وأجهزة منزلية وأمور أخرى

 

ليونيد- ضابط سابق

وقال أيضا: "تم اعتقالي مع آخرين في 10 مارس/آذار. وتم العثور على هذه الجثث عندما حُرِّرت المدينة في الأول من أبريل/نيسان. بحثنا عن جثث وأدركنا أن القتلى كانوا في نفس الوضع الذي كنا فيه". وتابع: "أنا متأكد من أن الفوضى في الجيش الروسي وإعدادهم السيء كانا السبب الرئيسي لنجاتنا".

وأشار إلى أن الوحدة التي اعتقلته وآخرين سلمتهم لاحقا إلى وحدة أخرى. وأضاف قائلا: "اضطرت الوحدة الثانية للمغادرة في صباح اليوم التالي ولم تكن تعرف ماذا ستفعل بنا". وبسخرية وغضب واضحين تابع الحديث، "اعتقد بعض الضباط أنهم قد وصلوا إلى كييف عندما رأوا أمامهم مبان عالية وشوارع نظيفة ومطعم ماكدونالدز". أضاف، "لقد كنا محظوظين، ولكن الآخرين لم يكونوا كذلك. فالروس برابرة، لأنهم رأوا أشخاصا يعيشون ظروفا اقتصادية جيدة على الرغم من كونهم من مناطق فقيرة، فشعروا بالحسد والغضب".

أما عن أولئك الذين قاموا باعتقاله فقد قال "إنهم من سيبيريا في أقصى الشرق، فأنا قد عشت في روسيا وأستطيع تمييزهم". فقد ولد ليونيد في بوتشا ولكنه أمضى عقودا في روسيا للدراسة ومن ثم الخدمة العسكرية في القوات الروسية في منطقة خاباروفسك بشرق روسيا حيث أرسلت روسيا أيضا العديد من السجناء الأوكرانيين.

دبابات روسية مدمّرة في الطريق بين كييف وبوتشا، 22 فبراير 2023. (تصوير شيلي كيتلسون)

أما الصورة الأخرى التي لن يستطيع نسيانها بحسب قوله، فهي صورة دخول الروس إلى بوتشا مقارنة بصورتهم وقت المغادرة. وصف ليونيد تلك الصورة قائلا: "إن الروس قد دخلوا المدينة جالسين فوق الدبابات، ينظرون في كل مكان بكل ثقة بالنفس. ولكنهم عندما غادروها كانوا يندفعون للخروج وهم يحاولون تحميل كل ما أمكنهم نهبه من بطانيات وأجهزة منزلية وأمور أخرى". أضاف بأن من كان يجب أن يكونوا غزاة تحولوا إلى لصوص قذرين وهم يهربون بعيدا.

وقال بصوت عال: "يمكن للأوروبيين أن يزوروا سانت بطرسبرغ وموسكو ويروا أن هاتين المدينتين تشبهان أوروبا، ولكن على من يعمل بالصحافة أن يدرك جيدا أنه لا يوجد شيء اسمه أوروبا في أذهان الروس، إذ أن معظم الروس ليسوا من هاتين المدينتين أصلا". أضاف: "عليكم أن تفهموا طريقة تفكير الروس الذين لا يعيشون في هاتين المدينتين"، مشيرا إلى أن معظم الذين يقاتلون في أوكرانيا هم من أبناء المناطق النائية والأكثر فقرا في البلاد.

وفي بيان صدر في أبريل/نيسان من العام الماضي، وصفت وزارة الدفاع الروسية التقارير الأولية عن الفظائع المرتكبة في بوتشا بالمستفزة، وقالت إنه لم يتعرض أي من سكان بوتشا للعنف على أيدي القوات الروسية.

إلا أن مراسلي "نيويورك تايمز" أمضوا أشهرا في بوتشا بعد انسحاب القوات الروسية، وأجروا مقابلات مع السكان وجمعوا لقطات كثيرة من كاميرات الأمن وحصلوا على سجلات حصرية من مصادر حكومية. وقام محققو التايمز لاحقا في نيويورك بتحليل المواد الواردة وأعادوا تمثيل عمليات القتل على طول أحد الشوارع بشكل دقيق حتى بما يتعلق بالتوقيت. وبحسب مقال تفصيلي نشر في أواخر ديسمبر/كانون الأول فقد أشار كل ذلك إلى حملة دموية صريحة.

وبدأت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا يتعلق بالفظائع المرتكبة في أوكرانيا.

وأضاف ليونيد غاضبا وهو يتحدث للمجلة عن بوتشا: "لا يزال شقيقي يعيش هناك في روسيا، ولكنني لا أستطيع أن أستمع إلى ما يقول، لهذا فأنا لم أعد أتحدث إليه".

غضب وخوف، هكذا يشعر الكثير من السكان الذين يعيشون هنا وسط كل محاولات إعادة بناء المنازل والحياة حتى مع احتدام المعارك على بعد مئات الكيلومترات إلى الشرق.

font change
مقالات ذات صلة