8 أفلام جديدة تروي هموم العالم العربي

من فلسطين ولبنان والعراق إلى السودان وتونس والمغرب

فيلم جنائن معلقة للمخرج العراقي أحمد ياسين الدارجي

8 أفلام جديدة تروي هموم العالم العربي

القاهرة: في زمن تُعاني بلدان العالم العربي من تأثير الصراعات والحروب الدولية، من انقسامات داخلية عنيفة في بعض الأحيان وأزمات اقتصادية حادة، أو من مراكب هجرة تحمل مواطنيها بعيدا على الحدود بين الموت والحياة، في هذا الزمن وكم يبدو صعبا أن نستشرف آفاقا مُطمئنة للمُستقبل، يطرح الفن السابع نفسه، ليس باعتباره وسيلة ترفيه وإلهاء فحسب، بل الأهم كسجل للأحوال اليومية للناس، للأحلام المنسيّة، وقناة آمنة لنقاش القضايا المسكوت عنها.

من حُسن الحظ، وعلى الرغم من كل الأخبار الحزينة التي نسمعها يوميا، كان هناك، وسيظل دائما، صُناع سينما عرب يبحثون عن وسيلة لتحقيق أفلامهم، للوصول بها إلى الجمهور، ومن المفترض أن هذه الأفلام تُعبر عنه وتخاطبه. هنا نظرة على بعض الإنتاجات العربية للعام الماضي.

معظم هذه الأفلام عُرض، ولا يزال بعضها يُعرض، في مهرجانات سينمائية، سواء عربية أو أجنبية، كما في دورة الشهر الماضي من "مهرجان مالمو للسينما العربية"، أو دورة "مهرجان القاهرة السينمائي"، و"مهرجان كان السينمائي" الفرنسي. وكانت فعالية "أيام القاهرة السينمائية" في دورتها الأخيرة، فرصة لرؤيتها متتالية وضمن برنامج واحد. بعضها الآخر ما زال بالإمكان مشاهدته في سينمات القاهرة. وتأتي هذه الأفلام من فلسطين والسودان وتونس والعراق وسوريا ولبنان والمغرب، وأغلبها أنتج بمنح دعم وبالتعاون مع دول أوروبية، وتشترك جميعها في تعبيرها عن هموم العالم العربي في اللحظة الحالية، وفي سعي صُناعها للعثور على صوتهم السينمائي الخاص وسط صخب هذا العالم.

يقوم "اليد الخضراء" بجولة في فلسطين الجميلة برغم الاحتلال. فيلم يختزل هذا الصراع القديم الجديد، ويُركز على الحقّ الفلسطيني المهضوم، وهو ببساطة الحقّ في الحياة

السينما الذاكرة

بفيلمين تسجيليين، ما زال بإمكاننا تأمُّل فلسطين، لا القضية السياسية، فهذه نتركها لأهل الاختصاص، بل الثقافة والمقاومة والأرض بخيراتها. من الأخيرة مثلا تستمد المخرجة جُمانة منّاع موضوعها فيلمها "اليد الخضراء" الذي ينتمي إلى نوع الدراما الوثائقية "الدوكيو دراما". عُرض الفيلم في "مهرجان كامدن السينمائي"، و"مهرجان لايبزيغ الدولي للأفلام الوثائقية".

فيلم "اليد الخضراء" للمخرجة جمانة مناع

في هذا العمل تتحرّك الكاميرا على تخوم حقول فلسطين، وتلك لم تكتف سلطات الاحتلال الإسرائيلي بوضع اليد عليها، بل آثرت كذلك احتكار ثمارها التي تمثل عادة مُجمل المائدة الفلسطينية. تتبع جُمانة يوميات بعض شخصياتها كعزيزة وزيدان وأم أسامة وأم أنور وأم عزيز، إذّ يقتفون أثر هذه المزروعات من زعتر وعكَّوب وغيرها، مُتحدين بذلك القوانين الإسرائيلية التي تحظر عليهم حصادها. شخوص جُمانة، على الرغم من تعرّضهم الدائم لاستجوابات الشرطة الإسرائيلية وتهديداتها ومحاكماتها، من ناحية يبدون مُصممين على قطف الثمار، التي قطفها من قبلهم آباؤهم وأجدادهم وبالتالي فإن لهم فيها أحقية تاريخية، ومن ناحية أخرى مُتمسكين بعيش حياة مُسالمة، فهم لا يريدون غير الطعام، لكن بالطبع من دون أن يتخلوا عن حريتهم. إنها حرية داخلية، ولو على مقربة من الدبابات والبنادق، حرية تُزلزل حتى الضباط الإسرائيليين، كما يَبين من أصواتهم الآتية من خلف الكاميرا. يتلوّن مزاج الفيلم، ويتلوّن مزاجنا معه وهو يدور بين الحقول الخضراء، ومجاري الأنهار المناسبة لحمامات مُنعشة، وطاولات الطعام التي تجتمع حولها جدّات مُحبّات. هذه جولة في فلسطين الجميلة برغم الاحتلال. فيلم يختزل هذا الصراع القديم الجديد، ويُركز على الحقّ الفلسطيني المهضوم، وهو ببساطة الحقّ في الحياة. 

الفيلم رقم 21

"الفيلم رقم 21" لمُخرجه مهند اليعقوبي، من إنتاج مُشترك فلسطيني بلجيكي قطري، وقد عُرِض في "مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية" وكذلك "مهرجان مراكش الدولي"، يتشكَّل من رحلة بين عشرين فيلما يابانيا عن المقاومة الفلسطينية، نرى فيه بعض خطابات ياسر عرفات، ومشاهد مُفجعة مما بعد مأساة صبرا وشتيلا، وحادثة عين الرمانة، وغيرها من الأحداث الفلسطينية الكبرى. من كل هذه الأفلام، يصنع مقصّ المونتاج العظيم فيلما جديدا تماما، هو هذا الفيلم الذي يحمل رقم 21. الأفلام المُصورة على فترات زمنية متباعدة، سُجلت بهدف حثّ الشعب الياباني على الإيمان أكثر بعدالة القضية الفلسطينية.

نُشاهد متحدِّثا يابانيا يقترب ببطء منّا، أي باتجاه الكاميرا، وهو يعترف لزميله حامل الميكروفون أن اليابانيين غير متعاطفين بما يكفي مع الفلسطينيين، ونتساءل ماذا كان يُمكن أن ينتج أكثر لو أنهم كانوا أكثر تعاطفا؟ إن ما يُدهش حقا في هذه الأفلام، هو قدرتها على تجاوز الأحداث السياسية، والولوج إلى قلب هذا التاريخ نفسه، إلى لحمه المجروح ودمه النازف، وليس التعامل معه كسرد بارد بالأرقام.

"الفيلم رقم 21"

على الشاشة نشاهد الوجوهَ المكلومة بعد المذابح، والأراضي الخالية بعد التدمير، نستمع إلى شكوى مواطنة لم تعد تعرف ملامح مدينتها بعد أن مسحتها تقريبا الآلة الحربية الإسرائيلية عن وجه الأرض. في أحد الشرائط بالأبيض والأسود، نرى عرضا شبه مُمسرح لصغار يلعبون بالقرب من الدبابات ويحوّلون ما يتبقى من قذائفها إلى تمارين على المقاومة المُستقبلية. في هذا الشريط الواحد والعشرين، يتجلى سحر السينما، قدراتها على التذكر ولعبها المتواصل مع الزمن. يتحوّل الماضي إلى حاضر، والحاضر إلى زمن مفتوح يحتوي كل الأزمنة. ثم يشعر اليابانيون في النهاية أنهم أقرب للوجع الفلسطيني، ألم تؤدِ حادثة هيروشيما ونغازاكي إلى العثور على "عدو مشترك" و"فكر مشترك"، على حد وصفهم، أي ببساطة شعور بالتعاضد ياباني فلسطيني؟

ما يُدهش حقا في هذه الأفلام، هو قدرتها على تجاوز الأحداث السياسية، والولوج إلى قلب هذا التاريخ نفسه، إلى لحمه المجروح ودمه النازف، وليس التعامل معه كسرد بارد بالأرقام

تحت الشجرة

في "تحت الشجرة"، وهو إنتاج مشترك لتونس وفرنسا وسويسرا وألمانيا، نواجه شكلا آخر من أشكال الذاكرة، ذاكرة جماعية وشخصية في آن، ذاكرة للخضوع والتمرد، وكذلك للأرض الخضراء. عُرض هذا الفيلم ضمن قسم أسبوعي المخرجين في "مهرجان كان السينمائي"، وفي "مهرجان شيكاغو السينمائي الدولي". تتبع المخرجة أريج السحيري مجموعة من العاملات والعاملين على جمع التين خلال نهار عمل في حقول الشمال التونسي.

مشهد من الفيلم التونسي "تحت الشجرة" لأريج السحيري

يمتزج في هذا الفيلم التسجيلي بالروائي، فالشخصيات هي حقا من الصبِية والصبايا والسيدات الأكبر سنا الخبيرات في عملية القطف، أي أن معظم الوجوه على الشاشة بريئة لا وجوه ممثلين. أما علاقاتهم مثلا برئيس العمال، ذلك الشاب المراوغ والمساوم والمتحرّش، فقد تكون من بين الحكايات الدرامية التي اصطنعتها المخرجة. نسمع الأغنيات من حناجر صاحباتها الملتاعات من الحُب. ونشهد على بدايات بعض قصص الحب الخجولة التي تبدأ، أو تنتهي حسب الحاجة. يمنحنا هذا الفيلم أوقاتا لطيفة كأننا مع الجماعة في الحقل، مزاجه تأمُّلي يحتفل بالحياة رغم القهر الطاغي أحيانا، ولا يُنسينا مشاكلنا مع العالم.

 

انكسار الأحلام! 

على العكس من هذه الخفة يأتي "جنائن مُعلَّقة"، الفيلم إنتاج مُشترك بين العراق وفلسطين ومصر والسعودية وبريطانيا. من إخراج أحمد ياسين الدراجي وتأليفه بالاشتراك مع مارغريت غلوفر.  

عرُض في "مهرجان فينيسيا السينمائي"، و"مهرجان سياتل السينمائي"، قبل أن يتوَّج في "مهرجان مالمو" الفائت بثلاث جوائز هي أفضل فيلم وأفضل سيناريو وأفضل تمثيل.

أما الثيمات الرئيسية التي يتناولها الفيلم، فهي المُخلَّفات القاتلة للغزو الأميركي للعراق والتي تبقى حتى بعد رحيله، والكبت الجنسي والقهر الطائفي ومجانية العنف والعقاب على ما لا يُمكن اعتباره حتى أخطاء في عراق اليوم. لكن الكلام عن الثيمات وحده، سوف يظلم بلا شك فيلما يُقدم حكاية سينمائية مُركَّبة، مفتوحة تماما على التأويل. أسعد الصبي الصغير، ينبش مع أخيه بقايا قمامة الأميركيين. أكثر من مرة تقع بين يديّ الطفل، جثة لامرأة أو لرضيع وسط الزبالة، ولا يبدو الصغير مفجوعا من المشهد من كثرة تكراره، كما لا يبدو طفلا أيضا بالرغم من كل البراءة التي تعبر عنها عيناه. يورّد الأخوان ما يصلح لإعادة الاستخدام من هذه المخلفات لنوع من وسيط يملك سلطة واسعة تجعله يبخسهما باستمرار أثمان عملهما. وبينما يبدو الأخ الأكبر أكثر خضوعا للمنظومة وفي الوقت نفسه أكثر عنفا مع أخيه الصغير، يسعى الصبي نفسه إلى التمرّد على طريقته. العثور على دمية، أو روبوت، بمفاتن امرأة، يُغيّر حياة أسعد، ويُربكه بأسئلة تتجاوز سنه الصغيرة: ماذا يفعل بها، هو المحروم تقريبا من حضور أنثوي أو أمومي في حياته؟ وكيف يُمكن أن يحميها، بعد أن كوَّن رابطة نفسية معها في قلب تلك الحياة القاسية والمُتقشفة؟ وحين يُعامِل الأخ الأكبر هذه الدُمية، كما نتوقع أن يُعاملها رجل عنيف ومتزمت، أي يطعنها بالسكين عدة طعنات، يُقرّر الصبي أن يهرب بها، ويُضطر في لحظة مُعينة، مع الصعوبة النفسية التي يمثّلها هذا الاختيار عليه، أن يعرضها للإيجار للمراهقين والشباب الآخرين المكبوتين والمُنغلقين، وبالطبع لا يمرّ ذلك بلا تبعات. فيلم مُحزن، عن طفولة تُنتهك بكل طريقة ممكنة لأسباب تتجاوز مُخيلتها.   

فيلم "السد" للمخرج علي شرّي

السدّ

"السد" للمخرج اللبناني علي شرّي، إنتاج فرنسا والسودان ولبنان وألمانيا وصربيا، والذي عُرض من قبل في "مهرجان كان السينمائي" دورة العام الماضي، يدور بالكامل في السودان، ويصوّر عمال الطوب الذي يعملون بالقرب من سد مروى، وعلى رأسهم ماهر، بطل العمل، وهو عامل حقيقي من عمال السد وليس ممثلا. مزيج آخر بين التسجيلي والروائي، لا يُمكن مشاهدته اليوم بمعزل عن الحرب المؤسفة في السودان، بعد فصل أحلام الثورة الكبيرة. ماهر نفسه، من البداية إلى النهاية مفصول تماما، عمّا يحدث من مظاهرات ضد نظام البشير السابق. وحتى حين تنتصر الثورة، ويعرف الخبر من الراديو، فلا نرى أثرا لهذا الانتصار على حياته. ماهر المجروح في ظهره، يمكن أن يقضي، مثله كمثل "خميس" العامل الآخر، ولن يعرف عنه أحدُ أي شيء. المكان في الفيلم يتراوح بين الصحراء الجافة، بنسورها وذئابها، وبين النهر باعث الموت والحياة معا، والأبطال محاصرون بينهما، إلى الأبد على ما يبدو. فيلم يجعلنا نفكر، ما أهمية الثورات إن لم تلتفت لماهر وزملائه؟

يذهب "أشكال" خطوة أبعد في مساءلة جدوى الربيع العربي، وكذلك في الاستنتاج الصادم لما حصل فعلا بعدها. ويدور في أجواء ما بعد انتصار الثورة التونسية، لكن في عالم ديستوبي تماما، قد لا نجد منه خلاصا

أشكال

يذهب "أشكال" خطوة أبعد في مساءلة جدوى الربيع العربي، وكذلك في الاستنتاج الصادم لما حصل فعلا بعدها. الفيلم إنتاج تونسي فرنسي، ومن إخراج يوسف الشابي وتأليفه مع فرانسوا ميشيل. عُرض أيضا في قسم أسبوعي المخرجين بمهرجان كان. ويدور في أجواء ما بعد انتصار الثورة التونسية، لكن في عالم ديستوبي تماما، قد لا نجد منه خلاصا.

فيلم "أشكال" للمخرج التونسي يوسف الشابي

يحاول الشرطيان فاطمة وبطل أن يعرفا الأسباب التي تدفع أشخاصا ينتمون لطبقات اجتماعية متباينة إلى الانتحار بنفس الأسلوب وهو إشعال النار في أجسادهم بعد التخلُّص من الثياب. طبعا المسألة تُذكرنا بقصة محمد البوعزيزي، الذي أشعل بانتحاره انتفاضات العالم العربي المتتالية. لكن الآن بعد الثورة، ومن المفترض أن هناك محاكمات تدور لرموز النظام البائد كما نرى على التلفزيون، لماذا يفعل الناس ذلك؟ هل هي متلازمة الفراشة التي تنجذب إلى النار... لكن الضحية هنا ليست فراشة بل رجال ونساء عراة يقفزون إلى ألسنتها كمَنْ عثروا على غايتهم. كيف يُمكن للخلاص أن يكمن في هذا الجحيم؟ ولماذا يُصرّ الجميع على تصوير هذه المشاهد بكاميرا الهاتف وتداولها؟ يوهمنا هذا العمل أنه سيُقدّم لنا حلا للغز، غير أنه يتركنا أكثر حيرة مما بدأ. فيلم يستحق التوقف طويلا أمامه، بأسلوبه التجريدي، ومشهد الاحتراق الكبير، الذي سيسكن الذاكرة بلا شك، إلى أمد بعيد.  

الفيلم اللبناني "أهل الشاطئ الآخر" للمخرج ماهر أبي سمرا

أفلام الأسئلة المُقلِقة

في "أهل الشاطئ الآخر"، وثائقي من إنتاج لبناني فرنسي، وقد عُرِض في "مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية" العام الماضي و"مهرجان سينما دو ريل للأفلام الوثائقية" هذا العام، يناقش المخرج ماهر أبي سمرا، مع بطليه، محمد وسيلفيا ظروف وأحوال الأشخاص الذين يُقرّر المجتمع عزلهم في مؤسسات اجتماعية، من المفترض أنها ترعاهم، لكن شيئا فشيئا، يتبيّن أن وظيفتها الأساسية ليست سوى أن تُبعدهم عمَّن يُعدون أنفسهم "أصحاء"، وتزيح من على كاهلهم عبء أولئك "المُعاقين"، لكن مَنْ الذي وصمهم بهذا الوصم؟ ألسنا جميعا في النهاية، من ذوي الاحتياجات الخاصة، بشكل أو بآخر؟ لمَ وكيف صُمّمت الحياة كاملة من حولنا كي تخدم فقط أنماطا معينة من الناس، أكثر قدرة من غيرهم؟ هذه بعض الأفكار التي يطرحها علينا الصديقان محمد وسيلفيا في الفيلم. هو موصوم لأنه كفيف، وسيلفيا لأنها مُقعدة. هو القدمان اللتان تسير بهما سيلفيا، وهي تتجول في ساحات بيروت المُشمسة، لأنه يدفع بها مقعدها المُتحرك. وهي العينان اللتان توجهانه يمينا ويسارا، في الطريق. يتكلم الصديقان بحرية. ولا تكفّ سيلفيا عن إبداء تعليقات قصيرة على محيطها، في سبيل أن يتلمّس صديقها محمد جوانب أكبر من الصورة. مشهد النفق الطويل الفارغ الذي تتقدّم فيه الكاميرا ببطء مع الإسقاطات الصوتية لخطابات مُتحمّسة لزعماء يتباهون بالمزيد من العزل والتهميش لهذه الفئة أو تلك، أحد أكثر المقاطع قوة وتأثيرا في الفيلم. حين يتكلم محمد عن كيف أخذوه ووضعوه أمام الكاميرا، وهو صبي صغير، ولقنوه كيف يطلب التبرّع من المُشاهين، يذكّرنا بمواد عديدة مُشاهدة تنتهك آدمية هؤلاء الأشخاص. فيلم صريح وحساس، يجبرنا أن نُعيد التفكير في ما اعتقدنا من قبل أنه خير، وجاء هذا الفيلم ليقول لنا إنه ربما شر تام.

الفيلم المغربي "الملعونون لا يبكون" للمخرج فيصل بوليفة

ملعونون

يتحدث "الملعونون لا يبكون" عن نوع آخر أكثر إيلاما من العزل، إنه عزل يعيشه الضحايا من دون أن يتمكنوا حتى من تفسيره كعزل، هؤلاء ربما يكونون أسوأ حالا حتى من سيلفيا ومحمد. الفيلم درامي، إنتاج مغربي فرنسي بلجيكي، ومن تأليف وإخراج فيصل بوليفة، وعُرِض في "مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي". يفتتح بمشهد صادم للابن سليم ووالدته فاطمة الزهراء يتشاركان النوم على فراش واحد، لكن من المهم القول إنه ليس سوى فراش على الأرض في غرفة صغيرة محرومة من معظم الخدمات، في أحد الأحياء الفقيرة بالمغرب. قسوة هذا الفيلم تظهر من العنوان، ولا تنتهي معه. واللعنة التي يُشير إليها تنتقل من الأم لابنها الشاب. من ماضٍ  مبهم، يُشير إلى حادثة اغتصاب مبكرة تعرضت لها السيدة فاطمة، قد يكون ثمرتها هذا الابن نفسه، ثم حياة أقرب للبِغاء، وجدت نفسها ربما تندفع إليها، لا ترضى عنها الأسرة التي لم تمدّ لها يدها، ما النتيجة التي يُمكن أن ننتظرها؟ وأي مستقبل لهذا الشاب، الذي حرمته ظروف الفقر الشديد والتجاهل الاجتماعي من التعليم ومن الحصول على بطاقة هوية وشهادة ميلاد رسمية، بل ومن حتى أن يكون له بيت، فظل وأمه يرتحلان بلا هدى من مدينة إلى أخرى؟ لم يعد أمامه إلا أن يتبع نصيحة الوالدة "كل ما يطلبوه منك في العمل افعله"، وما الذي يُمكن أن يُقدّمه هذا الشاب الأمّي، سوى جسده؟ إنه أحد أكثر أفلام هذه الدورة إثارة للجدل، وأكثرها ميلا للسرد أيضا. حكاية سنستدعيها لزمن طويل بعد نهاية المُشاهدة.  

font change

مقالات ذات صلة