بوتين و"ألعاب الجوع" الواقعية

لا يوجد سبب للاعتقاد بأن كييف ستظل في موقف المتفرج وتراقب روسيا وهي تدمر قطاعها الزراعي

AFP
AFP

بوتين و"ألعاب الجوع" الواقعية

مرّة أخرى، شنت طائرات مسيرة إيرانية الصنع، في الآونة الأخيرة، هجمات على كثير من البنى التحتية الأوكرانية الرئيسة في الجنوب. ووفقا لما صرح به مسؤولون أوكرانيون محليون، يبدو أن الطائرات المسيرة التي تنتجها إيران وتستخدمها روسيا قد أصابت ميناء أوديسا وصوامع الحبوب. وفي الوقت نفسه انتشرت مقاطع فيديو تظهر هجمات روسية مزعومة على ميناء إسماعيل النهري الذي يقع على بعد أمتار قليلة من رومانيا، على طول نهر الدانوب. وتشير التقارير إلى أن هذه الهجمات تقع أسبوعيا، وفي بعض الأحيان تقع بشكل شبه يومي، منذ انهيار الاتفاق التاريخي لتأمين الصادرات الغذائية عبر البحر الأسود، الشهر الماضي.

وفي 17 يوليو/تموز، رفضت روسيا تمديد مبادرة حبوب البحر الأسود، وهي الاتفاق الذي تم التوصل إليه العام الماضي تحت رعاية الأمم المتحدة للسماح بتصدير الحبوب عبر البحر الأسود، وكان هذا الاتفاق قد أتاح التدفق المستمر للحبوب من أوكرانيا، والتي تعد مصدرا رئيسا للحبوب، مما ساعد في التخفيف مما قد يشكل أزمة غذائية كبيرة ناجمة عن غزو روسيا لأوكرانيا، وهما الدولتان اللتان تعدان المصدرين الرئيسين لكثير من المنتجات الغذائية والمنتجات المستخدمة في الزراعة، مما يزيد من شبح ارتفاع أسعار المواد الغذائية وحتى نقص الغذاء في بعض المناطق الأكثر احتياجًا في العالم، وقد أدى تخلي روسيا عن الاتفاق إلى زيادة خطر استخدام الغذاء كسلاح مرة أخرى.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستخدم هذه الاستراتيجية كجزء من "حرب الاستنزاف" التي بدأها باستخدام النفط والغاز كسلاح في الحرب، وحين فشل هذا الأخير في إقناع حلفاء أوكرانيا بالسعي لتحقيق السلام والضغط على كييف لتقديم تنازلات، لجأ إلى الطعام كسلاح رديف.

في 17 يوليو/تموز، رفضت روسيا تمديد مبادرة حبوب البحر الأسود، وهي الاتفاق الذي تم التوصل إليه العام الماضي تحت رعاية الأمم المتحدة للسماح بتصدير الحبوب عبر البحر الأسود

ومن هنا ليس مستغربا أن نرى أسعار الحبوب وهي تقفز منذ انسحاب روسيا من الاتفاق، حتى لو لم يكن الانسحاب الروسي من اتفاق البحر الأسود مفاجأة حقيقية، إذ كانت روسيا تهدد بالانسحاب من هذا الاتفاق منذ شهور.

وحتى في أثناء سريان الاتفاق كانت تصرفات موسكو تتجه لعرقلة تدفق الحبوب التي تمر عبر البحر الأسود، وذلك من خلال تأخير عمليات التفتيش، التي كانت جزءا رئيسا من الاتفاق، على أساس أن تكون عمليات تفتيش مشتركة للشحنة التي تمر عبر البحر الأسود من قبل مركز التنسيق المشترك ومقره إسطنبول.

ومنذ نهاية العام الماضي، عمل المفتشون الروس بشكل فعال على خلق عقبات، من خلال الحد من عدد عمليات التفتيش التي يجرونها، أو عدم الحضور من الأساس.

Reuters
أحد السكان المحليين يمشي في شقة جيرانه التي تضررت جراء القصف الأخير في سياق الصراع الروسي الأوكراني في دونيتسك الخاضعة للسيطرة الروسية، 5 أغسطس، 2023

ونتيجة لهذه التوترات المستمرة، عملت أوكرانيا على "الخطة باء"، كبديل للاتفاق، حيث عملت كييف على إنشاء صندوق يهدف إلى تأمين السفن ضد الأضرار التي تتعرض لها أثناء الإبحار عبر البحر الأسود، مع الاستثمار في طرق التصدير الأخرى، بما فيها الطرق البرية، بالإضافة إلى ما أطلق عليه اسم "ممرات التضامن"، أي مجموعة من الطرق النهرية التي تم استخدامها بشكل متزايد لشحن المنتجات الغذائية. أدت الجهود الروسية "لوضع العراقيل" في ممر الحبوب إلى بعض الاستثمار في شبكة الأنهار الكبيرة في أوكرانيا، وتتزايد وتيرة التصدير من خلال "ممرات التضامن" هذه.

لكن لا يخدعنك ذلك، فعلى الرغم من أن التأثير قد لا يكون مباشرا مثل التأثير الذي شوهد خلال المرحلة الأولى من الحرب، إلا أن الخطر حقيقي لا يكمن فحسب في أن موسكو مكتوفة الأيدي، بل أن تستهدف بقوة قدرات إنتاج وتصدير الغذاء في أوكرانيا. وبعد الانسحاب من الاتفاق، أصدرت وزارة الدفاع الروسية بيانا أشارت فيه إلى أن السفن المبحرة من أوكرانيا أو المتجهة إليها ستعتبر أهدافا عسكرية للاشتباه في أنها قد تحمل شحنات عسكرية.

وإشارة لذلك، ادعى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي أيضا أنه عثر على "آثار لمتفجرات" بعد تفتيش سفينة توقفت في أحد موانئ أوكرانيا. ومع أن احتمال استخدام أوكرانيا للطرق البحرية لاستيراد الأسلحة، بدلا من الطرق البرية الأكثر أمانا احتمال ضعيف، إلا أن الرسالة التي تحاول روسيا إرسالها واضحة، وهي أن موسكو مستعدة لمهاجمة السفن التي تجرؤ على كسر حصارها الواقع أو الاستيلاء عليها. ومع أن بعض السفن قد تحاول المخاطرة، إلا أن أي مبلغ تأمين لن يعيد الحركة البحرية في البحر الأسود إلى ما كانت عليه قبل الغزو.

ليس مستغربا أن نرى أسعار الحبوب وهي تقفز منذ انسحاب روسيا من الاتفاق، حتى لو لم يكن الانسحاب الروسي من اتفاق البحر الأسود مفاجأة حقيقية، إذ كانت روسيا تهدد بالانسحاب من هذا الاتفاق منذ شهور

علاوة على ذلك، شنت روسيا أيضا سلسلة من الهجمات على كل من محطات الحبوب ومنشآت إنتاج الحبوب، فلم يكن الهجوم على ميناء إسماعيل النهري هو الأول، حيث هاجمت روسيا كذلك قبل أيام ميناء ريني، وهو ميناء نهري آخر يقع على بعد مئات الأمتار فقط من الحدود مع رومانيا. خاطرت روسيا بشن هذه الهجمات بوقوع إحدى الطائرات المسيرة التي تستخدمها داخل حدود الناتو. وهذا يعطينا مقياسا لمدى جدية الرئيس بوتين في عدم التنازل عن الطعام (أو بدقة أكبر عن الجوع) كسلاح.

وفي المقابل قد تنتقم أوكرانيا، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأن كييف ستظل في موقف المتفرج وتراقب روسيا وهي تدمر قطاعها الزراعي بينما تجني الفوائد السياسية والاقتصادية من تهميش أحد منافسيها الرئيسين.

في الواقع، ربما تكون كييف قد بدأت بالفعل في الانتقام، حيث سمع دوي عدة انفجارات في الموانئ الروسية الرئيسة على طول البحر الأسود، وعلى الرغم من افتقارها إلى القوات البحرية المناسبة، فقد استخدم الجيش الأوكراني طائرات مسيرة محملة بالمتفجرات، بالإضافة إلى مجموعة من المقذوفات لإحداث تأثير كبير.

وتتراكم عواقب انهيار الاتفاق على العواقب طويلة المدى لتدمير سد نوفاكاخوفكا في وقت سابق من هذا العام، حيث أدى تدمير السد إلى ما أطلقت عليه أوكرانيا اسم "الإبادة البيئية"، فقد أطلق العنان لسيول من المياه في اتجاه مجرى النهر، بينما قضى بشكل فعال على خزان مياه رئيس كان يستخدام للأغراض الزراعية، حيث كان يغذي كثيرا من القنوات المستخدمة في الغالب لأغراض الري عبر جنوب أوكرانيا.

تعطي هذه التأثيرات مجتمعة إحساسا بالحاجة الملحة لجهود تجديد الاتفاق. الجزء الأكبر من محاصيل أوكرانيا يتم حصاده خلال الصيف، وبالتالي يمثل ذلك ضغطا زمنيا آخر، فهناك كمية لا يستهان بها من المحاصيل الواقعة على طول خط المواجهة الممتد في شرق وجنوب أوكرانيا، ومن المتوقع أيضا عدم حصادها، وبالتالي سوف تتعفن.

هذا الشعور بالحاجة الملحة هو تماما ما تعول عليه موسكو، ومقابل تمديد الاتفاقية، قدمت روسيا مطالب كثيرة، وتشمل هذه الخطوات تسهيل تصدير الحبوب والأسمدة الروسية، وإعفاءات لقطع غيار الآلات الزراعية من العقوبات، وكذلك إعادة ربط بعض البنوك الروسية (خاصة البنك الزراعي الروسي– روسيلخزبانك) بنظام سويفت- وهو نظام مالي عالمي يسمح بالدفع الدولي. والجدير بالذكر أن بنك روسيلخزبانك يترأسه ديمتري باتروشيف، وزير الزراعة الروسي ونجل نيكولاي باتروشيف، رئيس مجلس الأمن الروسي الذي يعتقد أن له تأثيرا كبيرا في الكرملين.

لا يوجد سبب للاعتقاد بأن كييف ستظل في موقف المتفرج وتراقب روسيا وهي تدمر قطاعها الزراعي بينما تجني الفوائد السياسية والاقتصادية من تهميش أحد منافسيها الرئيسين

وفي حين أن هذه المطالب قد تبدو معقولة، وبينما قامت الولايات المتحدة ببعض الاستثناءات للسماح بدفع بعض المعاملات المحددة، فإن هذا قد يمثل خرقا غير مسبوق في الجهد العالمي لفرض ضغط على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا. ما يريده بوتين هو إشارة إلى أن التعامل مع روسيا أصبح أقل خطورة. في الواقع، على الرغم من الإعفاءات الموضوعة للسماح بتصدير المواد الغذائية، فقد ابتعدت الشركات الغربية عن استيراد المنتجات الغذائية الروسية، لكن في الوقت نفسه، ووفقا لبيانات روسيا الخاصة، زادت صادرات المنتجات الغذائية عام 2022.

ربما تأمل موسكو كذلك في استغلال هذه الفرصة السانحة لتأمين صفقات جديدة أيضا مع البلدان التي تبحث عن بدائل للحبوب الأوكرانية. قد لا يكون من قبيل المصادفة أنه بعد أسبوعين فقط من رفض روسيا تمديد اتفاق البحر الأسود، عقدت روسيا "قمة أفريقيا" في سان بطرسبرغ. وخلال القمة، التي حضرها ما يقرب من 50 من قادة القارة، عرض الرئيس الروسي المساعدة في تخفيف أزمة الغذاء (وهي أزمة من صنعه إلى حد كبير) من خلال تصدير الحبوب المجانية إلى ست دول أفريقية. وقد قال الرئيس بوتين إن روسيا يمكن أن "تحل محل الحبوب الأوكرانية، سواء على أساس تجاري أو كمساعدات عملاقة للدول الأفريقية الأكثر احتياجا"، غير أن بعض القادة الحاضرين في سانت بطرسبرغ بدوا غير مقتنعين، فلم يظهر رئيس جنوب أفريقيا، سيريل رامافوزا مسرورا بعرض روسيا، مشيرا إلى أنه فضل إلى حد كبير العودة إلى الاتفاق، وأنه "لم يأت إلى هنا لطلب بعض الهدايا للقارة الأفريقية".

كانت هذه الرسالة جديرة بالملاحظة لأنها كانت علنية وجاءت من زعيم سعى إلى حد كبير إلى الحفاظ على موقف محايد فيما يتعلق بأوكرانيا. وقد تعبر الدول الأخرى عن ذلك بهدوء أكبر، وهذا يشمل تركيا، التي كانت وسيطا رئيسا في الاتفاق. يمكن أن تتأثر أنقرة سلبا بأزمة الغذاء، والتي من شأنها أن تتراكم على مشكلة التضخم المرتفع بالفعل.

Reuters
لقطة لطائرة مسيرة أثناء مهاجمتها سفينة حربية روسية، 4 أغسطس 2023

يتمتع الرئيس أردوغان أيضا بنفوذ كبير على روسيا لا يتمتع به الآخرون، ويرجع ذلك إلى العلاقات الاقتصادية المتنامية بين البلدين، والدور الناجح الذي قام به أردوغان التركي لوضع نفسه كصانع قرار (يُحتقر في السر ويتم التودد إليه علنا)، كما رأينا في الأزمة المحدقة بانضمام السويد إلى حلف الناتو.

على الرغم من الإعفاءات الموضوعة للسماح بتصدير المواد الغذائية، فقد ابتعدت الشركات الغربية عن استيراد المنتجات الغذائية الروسية، لكن في الوقت نفسه، ووفقا لبيانات روسيا الخاصة، زادت صادرات المنتجات الغذائية عام 2022.

وقد أدى ذلك إلى آمال في أن يؤدي اجتماع بين أردوغان وبوتين هذا الشهر إلى تجديد الاتفاق، حيث عرض الرئيس بوتين مرة أخرى على الرئيس التركي دفعة قوية لموقفه.

تأتي الصين كلاعب رئيس آخر تجب مراقبته، فعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تعبر بكين عن أي نوع من الانتقادات لروسيا، فإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية سيؤثر عليها على المدى الطويل. كانت بكين أيضا واحدة من أكبر مستوردي الحبوب الأوكرانية من خلال اتفاق حبوب البحر الأسود.

هذا يعني أن روسيا تواجه ضغوطها الخاصة، ولكن في غضون ذلك، ستواصل روسيا "لعب" لعبة الجوع الخطيرة هذه.

font change

مقالات ذات صلة