كيف ينجو السودان من "الثنائية السامة"؟

لا يوجد حل حقيقي لهذه الحرب غير تحقيق شعار الثورة الفصيح "العسكر للثكنات والجنجويد يتحل"

AFP
AFP

كيف ينجو السودان من "الثنائية السامة"؟

في السودان، يحاول كثيرون من أبواق الحرب ونافخي كيرها، صناعة ونشر وتسويق ثنائية سامة، تُجبر السودانيين على الانحياز لدعم هذا الطرف أو ذاك في حرب العبث التي تدور في بلادهم، وتدمرها دون سبب منطقي أو فائدة تُرجى منها. وتعتمد أبواق الطرفين على سرديات بديلة، مشوهة للواقع لكسب الدعم الجماهيري، وأحيانا التحشيد والاستقطاب والتجنيد، بالرغم من تعارضها البين مع ما حدث ويحدث على أرض الواقع. هذه الثنائية لا تخدم سوى زيادة إشعال نيران الحرب وإطالة أمدها وتعقيد ما يترتب عليها أكثر وأكثر. هذا غير مخاطر التضليل الإعلامي الذي يسود في المساحة العامة.

من جهة، تجتهد أبواق "قوات الدعم السريع" والمشجعين السياسيين الموالين لها- وبعضهم من أعضاء ومناصري تنظيمات قوى الحرية والتغيير ومؤيديها في الإعلام من المؤيدين لتلك القوات- في خلق سردية واقع بديل، ومحاولة إجبار الناس على تصديقه والعيش فيه بسطوة التكرار والترديد والإرهاب الإعلامي الذي يستعينون عليه بتزوير الحقائق وتشويه الآراء واغتيال الشخصيات، أو تسويقه عبر فرضيات العقلانية السياسية وضرورات التعامل مع الأمر الواقع.

وقد كشف معمل الفحص الرقمي التابع للمجلس الأطلنطي (DFRLab)، يوم الأربعاء 2 أغسطس/آب 2023 عن وجود شبكة حسابات وهمية على "تويتر" تعمل على تمجيد "قوات الدعم السريع" ونسخ ولصق تعليقات إيجابية متماثلة عنها، بهدف نشر صور إيجابية لأفعالها. وتضم هذه الشبكة التي تم اكتشافها أكثر من مئتي حساب نشط على "تويتر"، ويأتي اكتشاف هذه الشبكة إضافة إلى شبكتين وهميتين تعملان بالطريق نفسه، تم اكتشافهما أيضا منذ أبريل/نيسان 2023. وتستخدم هذه الشبكات تكتيكات مختلفة للإيهام بأنها أصلية.

تهدف سردية الدعم السريع عن الواقع المغاير بشكل أساسي إلى ضمان وجودها كفاعل سياسي له نفوذ عسكري واقتصادي يمكن الاستفادة من التحالف معه في أوقات لاحقة للحرب، وذلك عبر إنتاج وتسويق مبررات سياسية للحرب وتبريرات أخرى لجرائم وانتهاكات حقوقية

تهدف سردية الدعم السريع عن الواقع المغاير بشكل أساسي إلى ضمان وجودها كفاعل سياسي له نفوذ عسكري واقتصادي يمكن الاستفادة من التحالف معه في أوقات لاحقة للحرب، وذلك عبر إنتاج وتسويق مبررات سياسية للحرب وتبريرات أخرى لجرائم وانتهاكات حقوقية. تسويق ونشر هذه السردية هو ضرورة وجودية بالنسبة لتلك القوات غير النظامية، التي فقدت أي غطاء سياسي أو حتى برغماتي يُبرر استمرار وجودها. وأثبتت بما ارتكبته خلال الأشهر الماضية من انتهاكات، وثقها حقوقيون سودانيون، أنها محض منظومة فاشية لا تستقيم مع استقرار الحياة في السودان. وهو الأمر الذي يجعل تعرية وكشف هذه السردية ضرورة ماسة لضمان مستقبل أي استقرار وسلام في السودان.

تقوم سردية "الدعم السريع" المغايرة للواقع على أركان أساسية، أبرزها:

إنكار تجاوزات وجرائم القوات وانتهاكاتها المستمرة، ومحاولة التشكيك المستمر في وقوعها بتكذيبها أو أحيانا نسبتها لأطراف أخرى- يقال أحيانا إنها ترتدي ملابس "الدعم السريع"، وأحيانا أخرى يقال إنها مجرد مجموعات مسلحة مجهولة- وهذه السردية تتناقض بشكل كبير مع ما يراه الناس بأعينهم على أرض الواقع. ولكن بالرغم من ذلك ترى تلك القوات ماضية فيه بإصرار عجيب، لمحاولة ترسيخه في أذهان الناس وخصوصا أطراف المجتمع الدولي التي وقعت في فخه في أيام الحرب الأولى. 

Reuters
سيارة ومباني متضررة في السوق المركزي بالخرطوم خلال اشتباكات بين "قوات الدعم السريع" والجيش

وتستعين أبواق "الدعم السريع" أيضا في دعم ترسيخ السردية الأولى، بمحاولة ادعاء عداء جذري للقوات مع قوى النظام القديم وقوى الإسلام السياسي في المنطقة، متناسين أن تلك القوات هي أحد منتجات النظام المخلوع، إن لم تكن أسوأ جرائمه وأفظع أدوات قمعه على الإطلاق. ويتناسون أن بعض قياداتها الظاهرين والمستترين، هم بعض أبرز وأعنف رموز نظام المؤتمر الوطني المخلوع، وأكثرهم فسادا على الإطلاق.

وارتبطت قوات "الدعم" ومالكها محمد حمدان دقلو، برموز النظام المخلوع، وعليه يصبح كلام الأبواق الإعلامية لتلك القوات عن عدائها للإسلام السياسي في سياق التصريحات الفارغة التي لا يُعتد بها. وكذلك فإن عودة الإسلاميين إلى جهاز الدولة والحكومة والذي حدث بشكل مطرد ومتزايد بعد انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول عام 2021 الذي شاركت في صناعته "قوات الدعم السريع" حدث تحت أعينهم ونظرهم وتمدد إدارتهم للدولة.   

ارتبطت قوات "الدعم" ومالكها محمد حمدان دقلو، برموز النظام المخلوع، وعليه يصبح كلام الوسائل الإعلامية لتلك القوات عن عدائها للإسلام السياسي في سياق التصريحات الفارغة التي لا يُعتد بها. وكذلك فإن عودة الإسلاميين إلى جهاز الدولة والحكومة والذي حدث بشكل مطرد ومتزايد بعد انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول عام 2021 الذي شاركت في صناعته "قوات الدعم السريع" حدث تحت أعينهم ونظرهم وتمدد إدارتهم للدولة

إن دور الإسلاميين في إذكاء نار الحرب انتقاما من السودانيين، وسعيهم لاستعادة كرسي سلطتهم الذي خلعته منهم ثورة الشعب الظافرة منذ ديسمبر/كانون الأول 2018، أمر مؤكد. ولا يتطلب التأكد منه سوى إلقاء نظرة سريعة على قناة "طيبة" التلفزيونية التي تبث من تركيا حاليا، لإدراك مدى تورطهم في إشعال هذه الحرب. ذلك غير دعم مراكز القوى المختلفة في أوساط الإسلاميين السودانيين للجانبين المتقاتلين بانتهازية غير مسبوقة.

ولكن وضع "قوات الدعم" كمقابل لهم هو مغالطة منطقية وتاريخية. فليست تلك القوات إلا إحدى صنائع نظامهم لحمايته، كما نجد خطاب الإسلام السياسي وشعارات (النصر أو الشهادة) في التحشيد الحربي متوفرا وبكثرة في خطابات حميدتي. أما الحديث عن أن إطلاق الرصاصة الأولى جاء من قبل عناصر الإسلاميين في المدينة الرياضية بالخرطوم صبيحة 15 أبريل/نيسان الماضي، فهو دخول في تفاصيل ما حدث بعد أن بدأت كرة الثلج في الانزلاق.

وهو- غير أنه يبرئ الجيش من وزر بدء الحرب- فهو يتجاهل حقيقة أن حميدتي كان قد حرك قواته لحصار قاعدة مروي الجوية قبل عدة أيام من الحرب بحجة وجود طائرات مصرية مقاتلة هناك، وهو الأمر الذي أشعل الموقف العسكري الذي انتهى بالحرب. وحتى إذا صحت حجة حميدتي عن ذلك، فما الذي يجعله يتخوف من وجود هذه الطائرات إذا لم يكن يضع في خططه التحرك عسكريا لإشعال الحرب. ناهيك عن حالة الاستعداد والتأهب الكامل لـ"قوات الدعم السريع" التي استولت على الخرطوم في أقل من ساعتين وهي تنفذ خطة موضوعة مسبقا كشفت عن تخطيط الميليشيا بشكل مسبق لهذه الحرب.

إن محاسبة الإسلاميين على دورهم في هذه الحرب يتضمن قائمة طويلة من الجرائم،  ولكن سيبقى أكبرها هو تكوينهم ما يعتبره كثير من السودانيين "الميليشيا الفاشية" التي تقوم الآن بهدم المعبد فوق رؤوس الجميع.  

يقف شاهدا على استعداد وإعداد تلك القوات للحرب، المؤتمر الصحافي للقوات في القيادة العامة، ثلاث مرات خلال الأسبوع الثاني للحرب، والذي تم إبلاغ الصحافيين من خلاله بأنه للإعلان عن توصلهم لاتفاق مع "شرفاء الجيش" ولكنه فشل في إقامته في كل تلك المرات. وهو ما يكشف عن استعداد القوات المسبق لانقلاب مكتمل الأركان، أدى فشله إلى هذه الحرب الدائرة.

يقف شاهدا على استعداد وإعداد تلك القوات للحرب، المؤتمر الصحافي للقوات في القيادة العامة، ثلاث مرات خلال الأسبوع الثاني للحرب والذي تم إبلاغ الصحافيين من خلاله بأنه للإعلان عن توصلهم لاتفاق مع "شرفاء الجيش" ولكنه فشل في إقامته في كل تلك المرات. وهو ما يكشف عن استعداد القوات المسبق لانقلاب مكتمل الأركان، أدى فشله إلى هذه الحرب الدائرة

أيضا تحاول سردية الدعم السريع إنتاج صورة مزورة لحميدتي كبطل الخير في هذه التراجيديا السودانية، بادعاء أن هذه الحرب هي نتاج المظالم التاريخية للهامش السوداني، وأنها تهدف لإنهاء "دولة 1956"، وتحقيق دولة الحقوق والمواطنة كما يرد في هاشتاغ "الدعم" على "تويتر"، وتحاول من أجل ذلك ادعاء أو استلاف تمثيل إثني وجهوي لأهل دارفور، وتنظم وتعقد من أجل ذلك المؤتمرات التشاورية. وكان آخرها الموتمر الذي عقد في لومي عاصمة توغو، والذي شارك فيه عضو مجلس السيادة الأسبق محمد حسن التعايشي ووزير العدل الأسبق نصر الدين عبدالباري، وهو الرجل الذي لم يخف سابقا في اجتماعاته بواشنطن عند اندلاع الحرب أن تصوراته لإيقاف الحرب تتضمن استبدال برهان بحميدتي في قيادة القوات المسلحة الشرعية في البلاد.

لكن هذا الخطاب المخادع تكمن خطورته في تجذير هذه الحرب بمحاولة تصويرها كصراع له جذور سياسية واجتماعية وتاريخية، وليس مجرد صراع على السلطة بين شريكي انقلاب. وهذه السردية تتجاهل أيضا أن "الدعم السريع" ليس نتاجا طبيعيا أصيلا لمظالم الهامش السوداني، فتلك القوات  ليست حركة تحررية أو منظومة مقاومة بل هي صنيعة البشير لحماية نظامه، والأداة التي استخدمها مرارا وتكرارا في قمع هذا الهامش وتعميق مظالمه التاريخية وتعقيد مشاكل التعايش فيه. ذلك ناهيك عن أن ما حدث في الجنينة لأهلنا المساليت من اغتيال سياسي لرموزهم وقتل جماعي على أساس الهوية غير حالات الاغتصاب والتشريد ليسوا إلا مثالا على الطبيعة المتجذرة لطبيعة القمع والعنف السلطوي والإثني الذي نشأت عليه "قوات الدعم السريع"؛ أليس المساليت وبقية القبائل الأفريقية في دارفور والذين يتعرضون لجحيم مستمر تنزله عليهم تلك القوات غير النظامية من أهل الهامش السوداني أيضا؟ 

هذا الخطاب المخادع تكمن خطورته في تجذير هذه الحرب بمحاولة تصويرها كصراع له جذور سياسية واجتماعية وتاريخية، وليس مجرد صراع على السلطة بين شريكي انقلاب

إن "قوات الدعم السريع" ليست ممثلا لأي مظالم تاريخية حقيقية، بل هي تحاول استغلال هذه المظالم وتعميقها من جهة، وإثارة المخاوف الاجتماعية والإثنية المرتبطة بها من جهة أخرى سعيا وراء التجنيد والتحشيد الإثني وللبحث عن شرعية زائفة لوجودها. وهذا الزيف لا يخدم سوى استمرار واستطالة أمد الحرب. "قوات الدعم" ليست ممثلا لقبائل عرب دارفور ولا شرعية لها في ادعاء مثل هذا التمثيل، الذي تحاول إذكاء نيران الاستقطاب الإثني من أجل التسليم لها بتمثيلهم كأمر واقع.

"قوات الدعم" هي أداة سياسية تحاول تحقيق المطامع السياسية والاقتصادية لصاحبها ليس إلا، وخطابها عن محاربة دولة 1956، الذي يتناول ويستلف مصطلحات منهج نقد "دولة ما بعد الاستعمار" ويرددها بخفة غير مسبوقة، هو خطاب سطحي، يتجاهل أن "قوات الدعم السريع" بطبيعتها كقوة عسكرية غير نظامية تم إنشاؤها على قواعد إمبراطورية مالية استفادت من تخصيص الموارد الوطنية على أساس سياسي وإثني في المقام الأول، وهي أحد منتجات دولة ما بعد الاستعمار وأدوات عنفها. كما يتجاهل أن منهج نقد دولة ما بعد الاستعمار هو منهج تحرري في مقامه الأول، يستهدف تغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية الشائهة التي تركها الاستعمار في الجنوب العالمي وليس استبدال مقاعد السيطرة بين أدواتها ومنتجاتها، وكما أن هذا الخطاب لا يمكن أن تتبناه قوة غير نظامية معروفة بولاءاتها وارتباطاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية بدول وجهات خارجية، وهي لا تخفي جهدها في العمل العسكري والاقتصادي من أجل تنفيذ أجنداتهم في السودان وفي الإقليم ككل. 

أما أكبر الزيف في بناء السردية المغايرة للواقع فهي كون "الدعم السريع" يحارب من أجل الديمقراطية وتأسيس الحكم المدني. وتلجأ أبواق "الدعم السريع" للتدليل على هذه الفرضية بموقف القوات من الاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه في أكتوبر/تشرين الأول 2022، وكأنه قمة العمل من أجل الديمقراطية والحكم المدني في البلاد، ويتناسى أن عليه خلافا كبيرا وسط القوى المدنية التي لم تقبل أجزاء واسعة ومقدرة منها به.

وهذا فيه مغالطة منطقية بالأساس، لأن "الاتفاق الإطاري" نفسه جاء محاولة من قوى الحرية والتغيير لقلب مسار الانقلاب الذي قام به حميدتي وبرهان بالشراكة معا. وموقف الدعم السريع في القبول به لم يأتِ من باب استعادة الديمقراطية أو دعم الحكم المدني، بل من باب الحفاظ على نفوذ "الدعم السريع"  لفترة تراوحت مدتها في التفاوض بين عشر سنوات واثنتين وعشرين سنة، وكلتا الفترتين غير معقولة. ولكنها تضمن لـ"قوات الدعم" نفوذها خلال الفترة الانتقالية التي حددها الاتفاق بعامين، وعلى مدى دورتين انتخابيتين على الأقل بعد نهايتها، بما يوفر لها الوقت الكافي لبناء منظومة فساد سياسي جديدة مستعينة بهذا النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي، الذي منحه وأقره لها الاتفاق الإطاري باستقلال كامل عن جهاز الدولة التنفيذي، بل ومنحه أيضا ضمانات لاستمرار نفوذه الاقتصادي وسيطرته على موارد وطنية مقدرة، من الذهب وحتى الثروة الحيوانية.

خطاب ما بعد انتهاء الاستعمار في السودان لا يمكن أن تتبناه قوة غير نظامية معروفة بولاءاتها وارتباطاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية بدول وجهات خارجية، وهي لا تخفي جهدها في العمل العسكري والاقتصادي من أجل تنفيذ أجنداتهم في السودان وفي الإقليم ككل

وكذلك فإن أخطر ما في سرديات "الدعم السريع" البديلة، هي محاولتها التدثر بشعار (لا للحرب). وهو الشعار الوطني السليم، ولكن يحاول مناصرو القوات استعمال هذا الشعار وترديده في سياق تبييض صورتها، بينما هم يحتفون بانتصارات "الدعم السريع" وتقدمها بل ويدافعون عن جرائمها وانتهاكاتها في حرب العبث التي تدور فوق رؤوس السودانيين.

هذا التناقض المفضوح لا يمكن أن يستمر طويلا؛ فالحرب يجب أن تنتهي وأن تتوقف، ليس بتحقيق مكاسب سياسية لأي من الطرفين المتحاربين، بل بمعالجة الجذور التي قادت للحرب في المقام الأول والتي من بينها وجود تلك القوات. 

دور الجيش في الحرب الدائرة

وعلى الصعيد الآخر، يحاول الجيش السوداني تقديم نفسه كمدافع عن السلطة الشرعية للدولة وعن نفسه، بوصفه الجهة الموكلة باحتكار أدوات العنف في البلاد. ولكنه في ذلك يتناسى أن هذه الحرب جاءت نتيجة مباشرة لشراكته مع "قوات الدعم" في انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، والذي أنهى الشرعية السائدة حينها في إطار تنفيذ مهام الفترة الانتقالية مع المدنيين بحسب اتفاق 2019.

والتبرير بوجود أزمة سياسية في البلاد حينها مردود عليهم بمساهمتهم المباشرة في صنعها عبر تضييق الخناق على المدنيين والذي وصل إلى حد التحريض على قفل ميناء بورتسودان من أجل خنق الحكومة المدنية، ذلك غير ما قامت به القوات المسلحة التي ظلت تحشد وتحث على الانقلاب العسكري ضد المدنيين؛ حيث اتفقت قيادة الجيش مع "قوات الدعم" للانقلاب الذي زج بقادة الحركة المدنية في السجون وبعدها اختلفوا حول تقسيم مغانم الانقلاب فاحتربوا فوق رؤوس السودانيين.

Reuters
نساء سودانيات هربن من الصراع في الجنينة، في إقليم دارفور غربي السودان، يجلسن خارج ملاجئهن المؤقتة في تشاد، 27 يوليو 2023

كذلك، لا يمكن لقوات الجيش السوداني أن تدفع اليوم بدورها وواجبها الرسمي في حماية المواطنين، بعد أن شهدت مواقع مختلفة من الخرطوم سقوط ضحايا مدنيين جراء القصف الجوي الذي يقوم به الجيش، والذي لا يستقيم تبريره بجرائم "قوات الدعم" واحتمائها بالمناطق السكنية والبيوت والمستشفيات.

إن وجود الإسلاميين في مراكز اتخاذ القرار في الجيش والدولة، وهو الذي ازداد بصورة ملحوظة بعد انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول، هو أيضا نتاج تلكؤ بل ومقاومة قيادة الجيش لبدء عملية إصلاح حقيقية وشاملة في المنظومة العسكرية والأمنية في السودان، وهو الأمر الذي كان كفيلا على مدى سنوات الفترة الانتقالية بمعالجة أزمة وجود "قوات الدعم" وأزمة تسييس القوات المسلحة، ويمنع اندلاع هذه الحرب قبل وقوعها، ولكن انصبت جهود قيادة الجيش على وضع العراقيل أمام الحكم المدني بدلا عن الالتفات إلى المهدد الوجودي الذي كانت معالجته من صميم واجباتهم المنطقية بل حتى المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية لعام 2019.

على الصعيد الآخر، يحاول الجيش السوداني تقديم نفسه كمدافع عن السلطة الشرعية للدولة وعن نفسه، بوصفه الجهة الموكلة باحتكار أدوات العنف في البلاد. ولكنه في ذلك يتناسى أن هذه الحرب جاءت نتيجة مباشرة لشراكته مع "قوات الدعم" في انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، والذي أنهى الشرعية السائدة حينها في إطار تنفيذ مهام الفترة الانتقالية مع المدنيين بحسب اتفاق 2019

إن ما يقوم به الجيش السوداني في هذه الحرب الآن هو السعي وراء السيطرة على واحدة من أدوات عنفه وأسلحة قمعه التي تمردت عليه وليس على الدولة السودانية. في قصة الجيش، انقلب السحر على الساحر. 

الواضح في حرب العبث التي تجري في السودان حاليا أنها حرب سيئة، وكل أطرافها سيئون وأفضل ما يمكن أن يحدث، بل الأمر الوحيد الجيد للحدوث هو أن تتوقف وتنتهي بأسرع ما يمكن.

وهذا لا يمكن أن يحدث بشكل حقيقي دون معالجة جذورها وأسبابها الحقيقية المتعلقة بوجود "قوات الدعم" وتسييس المؤسسة العسكرية. فلا يوجد حل حقيقي لهذه الحرب غير تحقيق شعار الثورة الفصيح (العسكر للثكنات والجنجويد يتحل).

أما السرديات السامة التي تحاول إجبار السودانيين على الوقوف مع هذا الطرف أو ذاك، فهي تبسيط ساذج وخبيث لواقع أكثر تعقيدا؛ إذ لم يكتب على السودانيين أن يستبدلوا مؤسسة فاسدة بأخرى أكثر منها فسادا.

وحرب "قوات الدعم" مع الجيش، هي حرب سيئة، كل أطرافها فاسدون، ولن يستقيم في ذلك الترويج لإحداهما وتشجيعه مهما استعان بالتضليل والكذب ومحاولة تشويه الواقع.

font change

مقالات ذات صلة